آداب إجابة الدعوة 2

آداب إجابة الدعوة 2

الدرس في آداب إجابة الدعوة 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

حكم إجابة الدعوة في الإسلام وتفاصيلها

تناول الدرس حكم إجابة الدعوة في الإسلام، حيث ناقش قولين للعلماء حول هذا الموضوع. القول الأول يرى وجوب إجابة أي دعوة بدون تفريق بين أنواعها، بينما القول الثاني يفرق بين دعوة العرس وباقي الدعوات.

وجوب حضور وليمة العرس وأدلته

يتناول الفصل مسألة وجوب حضور وليمة العرس دون غيرها من الدعوات، مستنداً إلى أحاديث نبوية تشير إلى وجوب حضور دعوة العرس واعتبار الامتناع عن ذلك معصية لله ورسوله.

أهمية حضور الدعوات والولائم وآدابها

يُنبّه على أهمية حضور الدعوات والولائم لما فيه من إدخال السرور على المسلم وتطيب لخاطره، ويُعتبر حضور هذه المناسبات من السنن المؤكدة، مع التأكيد على أن هناك استثناءات شرعية تبرر عدم الحضور.

خاتمة الدرس والدعاء للسامعين

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى السامعين بما قيل، ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان الشروع في أدب من الآداب الإسلامية، قال: وهي آداب إجابة الدعوة. وذكرنا أصالةً أن إجابة الدعوة من الأمور التعبدية، والتي جعلها ربنا جل وعلا حق من حقوق المسلمين بعضهم على بعض. وذكرنا أن الدعوة -وهو ما كان يصنع من طعام- كان في العرب يعمل على مناسبات، جاء ذكرها في كتب الفقهاء. ومن أهم مسائل التي تطرق إليها في هذا الباب، إخواني في الله، وهما يتعلق بحكم إجابة الدعوة. عندما عددنا في درس أمس الأطعمة أو الدعوات التي يدعى الناس إليها، ما حكم إجابتها والتفاعل معها والحضور فيها؟ هنا العلماء، إخواني في الله، على قولين اثنين. المذهب الأول، والذي نبدأ به، قول طائفة من أهل العلم، من يرى أن أي دعوة -أي دعوة- تدعى لها يجب عليك أن تلبيها. دعوة تدعى لها وجب عليك أن تلبيها، إلا من عذر يتعذر معه الحضور، فلك ذلك. أما بلا عذر، وجب أنك تحضر. وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية ومذهب الظاهرية، كابن حزم. وهكذا رجح الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى. بل إن الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى قال: وهذا قول جمهور الصحابة والتابعين. قول جمهور الصحابة والتابعين. إلا أن هذه العبارة تعقبها العلماء، كما قال ذلك العراقي رحمه الله تعالى: قال: وفي هذا نظر. وفي هذا نظر؛ كونه ينسب هذا القول إلى جماهير الصحابة والتابعين، قال: فيه نظر. وهكذا انتقده كذلك الحافظ بن حجر رحمهم الله. وهؤلاء الذين سمعتم ممن ذهب إلى أن أي دعوة تدعى لها وجب أن تحضر، استدلوا بأدلة. من ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عمر، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دعى أحدكم أخاه فليجب، عرساً كان أو نحوه». إذا دعى أحدكم أخاه فليجب، عرساً كان أو نحوه؛ فدل ذلك على العموم على أي دعوة تدعى لها، بغض النظر عن حقيقتها عرس أو غير عرس، وجب عليك الحضور. وجاء كذلك بلفظ: «من دعي إلى عرس أو نحوه فليجب». من دعي إلى عرس أو نحوه فليجب؛ وهذا كذلك نفس السياق يدل على الوجوب. وأيضاً ما جاء من حديث ابن مسعود، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أجيب الداعي». أجيب الداعي؛ ولا ترد الهدية. الله أحمد في مسنده. والشاهد من هذا الحديث أن النبي أطلق، فقال: «أجيب الداعي». فأي داعي يدعوك إلى دعوة وجب عليك أن تحضر. وهكذا ستدل بالعمومات التي مرت معنا كما في درس أمس، والذي يقول فيه نبينا عليه الصلاة والسلام: «حق المسلم على المسلم خمس». وفي حديث البراء، قال: «أمرنا رسول الله بسبع، ومنها إجابة الدعوة». فإجابة الدعوة من حقوق المسلمين، ومن الأوامر التي ينبغي أن يلبيها المسلم إذا دعي بدعوة من أخيه. فهذه الأدلة هي التي جعلت أهل هذا المذهب ينصرون هذا القول، ألا وهو أن أي دعوة تدعى لها، بغض النظر عن سببها، دعوة تدعى لها وجب عليك أن تحضر. هذا القول الأول. المذهب الثاني، وهو مذهب من يرى التفصيل في هذا الباب. والتفصيل عنده أنهم يميزون دعوة العرس عن باقي الدعوات. فدعوة العرس في كفة، وكفتها حكمها الوجوب. وأما سائر الدعوات التي يقيمها الناس، فإنها لا تصل إلى حد الوجوب، بل حكمها الاستحباب. وهذا هو مذهب جماهير العلماء. بل إن من أهل العلم من نقل الإجماع، نقل الإجماع على هذه المسألة، وهي أن الوجوب إنما يتعلق لولائم الأعراس، وأما باقي الدعوات فلا يصل حكمها للوجوب. ومما نقل الإجماع القاضي عياض رحمه الله تعالى، وهكذا ابن عبد البر، وهكذا النووي رحمهم الله تعالى. وإن كانت هذه الدعوة فيها نظر؛ لما سمعتم أن مسألة فيها خلاف، ليس فيها إجماع واتفاق. ولكن من حيث الصحة، الصحيح إخواني في هذه المسألة هو القول الثاني، وهو أن الوجوب إنما يقتصر بوليمة العرس دون غيره. ومما استدل به هؤلاء، والذي به تترجح هذه الأقوال، ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «شر الطعام طعام الوليمة، يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله». شر الطعام طعام الوليمة. ومر معنا إخواني في الله في درس أمس، أن أئمة اللغة يرون أن كلمة الوليمة ودعوة الوليمة ما تطلق إلا على الأعراس فقط، كما صرح بذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي والإمام فعلب، ومن الأثير وغير واحد من أئمة اللغة. فقوله عليه الصلاة والسلام: «شر الطعام طعام الوليمة، يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة» -وهذا الشاهد- «فقد عصى الله ورسوله». فهذا الحديث نص على أن الوليمة هو الذي تقام في الأعراس وجب أن يحضر، وأن من تركها فقد وقع في المعصية؛ فدل على وجوبها. وأما المعنى والمقصد والمغزى من قوله عليه الصلاة والسلام: «شر الطعام طعام الوليمة»، أي التي تبنى على هذا الذي ذكر، التي تبنى على التمييز في طبقات المسلمين، تقام الأعراس، فما يحضر إلا الوجهاء والأغنياء والتجار، بحيث يجعلون على الأعراس وعلى وليمة العرس -إن كان قد أعد في مكان- يجعلون عليها الحراس، فمن رأوه فقيرا مبتذلا مسكينا يرد يرد مباشرة، ومن كان غنيا فارها ثريا فهلما جر، فهلما به يرحب به ويدخل إلى هذه الوجبة. فإذا كان كذلك، فهذا الطعام شر الطعام؛ لما فيها من المحاباة والمجاملة وقيام على العنصرية بين أهل الإسلام. فهنا يكون هذا الطعام شر الوليمة. والمقصود أن الوليمة شر لا؛ فالوليمة من الوجبات الشرعية، بل الذي يؤمر بها المسلم بحضورها. وأيضا مما يدل على ذلك ما جاء من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجبها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله». وهذا هو الشاهد: «ومن لم يجب الدعوة» -أي دعوة الوليمة، بحسب السياق السابق- «فقد عصى الله ورسوله». فهذه الأدلة، إخواني في الله، تدل ماذا؟ على وجوب حضور دعوة العرس دون غيرها. وأما غيرها، لا يصل الأمر إلى حد الوجوب. هناك أدلة أخرى لا نستطرد فيها، لكن هذا الذي ذهب إليه جماهير العلماء. وهنا أنبه إخواني في الله على تنبيهين اثنين. التنبيه الأول: على القول بأن سائر الدعوات وسائر الوجبات لا تصل إلى حد الوجوب، ليس معناه أنك يا عبد الله تهون من أمرها أو تقلل من شأنها، أو أنك لا تبالي بها كما يفعل كثير من الناس بحجة أنها مستحبة. بل عليك يا عبد الله أن تتعنى إذا دعاك أحد من قرابتك، من أرحامك، من زملائك، من جيرانك، ومن سائر المسلمين، دعاك إلى دعوة بغض النظر عن سببها، الأصل أنك تتعنى وأن تتجشم العناء في الذهاب، إلا من عذر، هذا العذر الذي يمنعك لا؛ فأنت ليس عليك أو ليس عليك فيه السبيل لا، كتتعنى. وذلك لعدة أمور. الأمر الأول الذي به ينبغي أن تتعنى لحضور سائر الوجبات والأطعمة: أن النبي جعلها من حقوق المسلم على المسلم. ولهذا اعتبر العلماء حضور سائر الوجبات أنها سنة مؤكدة، عليك أن تحرص عليها. ويكفيك ما مر معنا كما في حديث عبد الله بن مسعود، قال عليه الصلاة والسلام: «أجيب الداعي». هذا مطلق. «أجيب الداعي»؛ فدل ذلك على أن هذا الأمر تعبدي تعبدي. حرص يا عبد الله على أنك تحضر لهذه الدعوات؛ الذي تؤكد على أن هذا الطعام الذي معد، وأن حضورك إليه فهي من القربات الشرعية. ثانيا، مما ينبغي أنك تتعنى في حضور هذه الوجبات: أنه يا عبد الله أن هذا الرجل إنما خصك بالدعوة لعظيم منزلتك، لعظيم منزلتك؛ فكما أنه قدرك بحيث دعاك أنك شخصيا من دون سائر الناس، البشر كثر والأصحاب والأقارب كثر، لكن هذا الرجل تعنى في أن يطلبك أنت من دون الناس، يتصل اتصالا أو رسالة أو يتكلم معك مباشرة: عندي كذا، عندي مناسبة تحضر إذاك الله خير، أنا أحب أنك تحضر؛ فتعنى يا عبد الله. فإذا كان هذا الرجل قد قدرك، فأنت قدره؛ قدره هو الجزاء من جنس العمل. زد على ذلك أن هذا الرجل قد خسر الخسائر، ما أعد هذه الوجبة أو تلك الوجبة لهذه المناسبة إلا على خسائر، اشترى وتعنى وتجهز وقطع من ماله ومن وقته ومن فراغه حتى يجهز هذا؛ فإذ بك يا عبد الله أنت تولي الدبر أو أنك تنشغل بشيء ليس بذاك الأهمية وليس بعذر شرعي، فما ينبغي هذا؛ فما ينبغي هذا. زد على ذلك ثالثا: أن في حضورك لهذه الوجبات ولهذه الأطعمة للمناسبات أن فيها تطيب لخاطره، تطيب لخاطره في إدخال الفرح والسرور. ولهذا مرة ما جاء في حديث بن عمر، كما جاء عند الطبراني وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم». هذا أحب الأعمال. فهو لا يفرح بك إذا حضرت، يقول: ما شاء الله، يا حي يا مرحبا بفلان، يستبشر بقدومك وحضورك، لا أنك تغيب عنه؛ تغيب عنه، فهذا فيه تطيب لخاطره. وخاصة كما مر معنا أن هذه المناسبات إنما تقام على مناسبات سعيدة أصلا، فأحب هذا الرجل أنك تشارك الفرحة، كما مر معنا، إما وليمة تقام على سلامة المرأة من نفاسها، أو تقوم على سبب العقيقة، أو تقوم على بناء سكن جديد، أو تقوم على قدوم مسافر، أو تقوم؛ فهي مناسبات سعيدة مرت على هذا الرجل، فأحب بدعوته لك أنك تشارك الفرحة. هل يا عبد الله بعد ذلك تنقص وتكدر حال صاحبك بأنك تدبر بحجة أنها مستحبة؟ لا يا عبد الله، احرص احرص على هذا. ولهذا كان القول الأول وجيه، عندما قال: واجب أن تحضر، واجب أن تحضر لهذه الأمور، لكن ما تسعفهم؛ فلهذا نبقى على الأصل، إخواني في الله، أنها من السنن المؤكدة. فأي دعوة أي دعوة يا عبد الله وجهت إليه، سواء كانت عقيقة أو لمسكن جديد أو لفرح أو كما يسمى ضيوف قدموا عليه ودعاك وأرادك أن تأتي، احرص على أنك تتعنى بالحضور. ومن ذلك مثلا، إخواني في الله، الشيء بشيء يذكر، ما يكون مثل إفطار الصائم، هذا كثير. إفطار الصائم في رمضان، تقام مثل هذه المناسبات، يقيم رجل دعوة طعام يحب أنه يفطر الصائمين في بيته، فيدعو جماعة من إخوانه أو من أصحابه أو من قرابته أو أرحامه: فلان وفلان تحضره؛ فالناس يقول: إن شاء الله نحضر، فيتفاجأ صاحب الضيافة أنه ما حضر إلا الثلث، أو تغيب جماعة من ما عذرهم؟ قال الله ما استطعنا، أنك كيف استطعت عذر ما عذر، لكن ما استطع لا، ما هو طيب. هذا إذا كان رجل دعاك يا عبد الله واستحب أنك تحضر، احرصوا على الحضور؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «حق المسلم على المسلم خمس»، ومنها إجابة الدعوة. وأمرنا بسبع، منها إجابة الدعوة. ولقوله: «أجيبوا الداعي». هذا التنبيه الأول. التنبيه الثاني، إخواني في الله، يتعلق بالقول الراجع. بما أن الراجع في المسألة هو وجوب حضور الأعراس، بقية: هل كل عرس تحضره؟ الجواب: لا. الجواب: لا؛ لأن هناك من الأعراس ما لا يجب أن تحضر إليه، وذلك لأسباب شرعية. وهذا لعله يأتي إن شاء الله في درسي غد، في بياني ما هي الأعذار وما هي الأسباب التي بها يسقط الحضور عن وليمة العرس، وإن كان حقها الوجوب لكن يسقط. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.