الدرس في شرح كتاب صفات النبي صلى الله عليه وسلم للعثيمين 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المقطع حديث أم معبد الذي يصف فيه النبي صلى الله عليه وسلم وصفاً دقيقاً لخلقه وخلقه، مع سياق الهجرة ومرور النبي بخيمتها وحلب الشاة المعجزة. ثم يبحث في درجة الحديث من حيث الصحة مستعرضاً أقوال الأئمة كالحاكم والذهبي وابن كثير وابن تيمية والألباني، وخلاصة أن الحديث لا ينزل عن رتبة الحسن.
مر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأم معبد في خيمتها أثناء الهجرة، فطلبوا منها طعاماً فلم تجد، فرأى النبي شاةً هزيلة في جانب الخيمة، واستأذنها في حلبها فدعا الله ومسح ضرعها فدرّ لبنها بكثرة، فشربوا جميعاً حتى رووا، وبدأ النبي بها إكراماً لها، ثم حلب ثانية فامتلأ الإناء مرة أخرى ببركة دعائه.
يروي المقطع قصة حلبة النبي صلى الله عليه وسلم لشاة أم معبد العجفاء فامتلأ الإناء مرتين، وترك الثاني لها، ثم وصفها لزوجها أبو معبد حال النبي صلى الله عليه وسلم عند قدومه، فذكرت من صفاته الظاهرة: الوضاءة، وأبلج الوجه، وحسن الخلق والخُلق، والوسامة، والدعج في العين، والوطف في الأشفار، والصهل في الصوت، والسطع في العنق، وكثافة اللحية، وتقوس الحواجب، والوقار عند الصمت.
يستعرض المقطع وصف أم معبد لجمال النبي صلى الله عليه وسلم وهيئته واعتدال كلامه، ومكانته الرفيعة بين أصحابه الذين يحفون به ويسارعون لأمره. ويختم بإسلام أبي معبد، ومعجزة حلب الشاة العاقر، والصوت الذي سُمِع في مكة احتفاءً بالوحي والنبوة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن وآله. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المعلق حفظه الله: "جامع صفاته صلى الله عليه وسلم". ومعنى "جامع صفاته" أي أن هذا الحديث حديث ممعب جمع أغلب صفات النبي صلى الله عليه وسلم الخلقية، فلذلك ناسب أن يذكر في هذا المقام ونحن نتكلم على صفات النبي صلى الله عليه وسلم الخلقية. أولا: نقرأ هذا الحديث لأنه طويل، نقرأ هذا الحديث ثم بعد ذلك نبين درجته، ثم بعد ذلك نبين معانيه وفوائده. قال: عن حبيش بن خالد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخرج من مكة خرج مهاجرًا إلى المدينة، هو وأبو بكر، ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهما عبد الله بن أريقط الليثي. مروا على خيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة برزة تحتبي بفناء الخيمة، ثم تسقي وتطعم. فسألوها لحما وتمرا ليشتروا منها، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وكان القوم مرملين مسنتين. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد؟". قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم. قال: "هل بها من لبن؟". قالت: هي أجهد من ذلك. قال: "أتأذنين لي أن أحلبها؟". قالت: بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حلبا فاحلبها. فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمسح بيده ضرعها، وسمى الله تعالى، ودعا لها في شاتها، فتفاجت عليه، ودرت، واجترت. فدعا بإناء يربض الرهطة، فحلب فيه ثجا حتى علاها البهاء. ثم سقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب آخرهم، ثم أراضوا. ثم حلب في الثانية على هذه حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها. ثم بايعها وارتحلوا عنها. فقل ما لبثت حتى جاءها زوجها، أبو معبد، يسوق أعنزا عجافا يتساوكن، هزالا، مخهن قليل. عندنا هنا "محن" الصواب "مخهن"، مخهن قليل. فلما رأى أبو معبد اللبن عجبا، وقال: "من أين لك هذا يا أم معبد، والشاء عازب حيائل، ولا حلوب في البيت؟". قالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك، من حاله كذا وكذا. قال: "صفيه لي يا أم معبد". قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه نحلة، ولم تزر به سقلة، وسيم قسيم. في عينه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صهل، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أزج أقرن. إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء. أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأجلاه وأحسنه من قريب. حلو المنطق، فصل، لا نزر ولا هزر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدر. ربعة، لا تشنأه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر. غصن بين غصنين، فهو أنظر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا. له رفقاء يحفون به، إن قال سمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره، محفود محشود، لا عبس ولا مفند. قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا. وأصبح صوت بمكة عاليا، يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه، وهو يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه ** رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلاها بالهدى واهتدت به ** فقد فاز من أمسى رفيق محمدي فيا لقصي ما زوى الله عنكم به ** من فعال لا تجاز وسؤددي ليهنى ليهنى أبا بكر سعادة جده ** بصحبة من يسعد الله يسعد ليهنى ليهنى بني كعب مقام فتاتهم ** ومقعدها للمؤمنين بمرصدي سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ** فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت عليه ** صريحا ضرة الشاة مزبدي عندنا هنا "دغادرها" الصواب "فغادرها" بدل هذا الدال: فغادرها. قال: فغادرها رهنا، فغادرها رهنا لديها لحالبي أو لحالب. عندنا هنا "يرودها" في نسخة "يرددها"، يرودها يعني يرددها. قال: يرددها في مصدر ثم موردي. قال: رواه الحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. ورواه البغوي في شرح السنة في الفضائل. جامع صفاته صلى الله عليه وسلم. درجة هذا الحديث من حيث الصحة والضعف: كما ذكر المؤلف أولا ها هنا، رواه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في التلخيص: صحيح. وقال ابن كثير عن هذا الحديث كما في كتابه البداية والنهاية: قال حديث مشهور مروي من طرق يشد بعضها بعضا. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الجواب الصحيح: حديث مشهور. وقال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في تعليقه على فقه السيرة بعد ذكره لطرق هذا الحديث: قال فالحديث بهذه الطرق لا ينزل عن رتبة الحسن. فالشيخ الألباني يحسن هذا الحديث، وقد ورد بعدة طرق، وكما ذكر الحافظ ابن كثير هذه الطرق يشد بعضها بعضا، يشد بعضها بعضا. وخلاصة هذا المبحث: أن الحديث أقل أحواله أنه حسن، كما ذكر ذلك العلامة الألباني رحمه الله تعالى في تعليقه على كتاب فقه السيرة. فالحديث إن شاء الله حسن. بل قال الشيخ الألباني في مشكاة المصابيح: وقد يرتقي إلى الحسن أو الصحة بتعدد الطرق. لكن هنا ما جزم في مشكاة المصابيح، ما جزم بالحسن أو الصحة، لكن جزم بالحسن في تعليقه على فقه السيرة. فالحديث إن شاء الله لا ينزل عن رتبة الحسن، والله تعالى أعلم. طيب، نبدأ الآن في ذكر شرح هذا الحديث، لي يعني يطوله، ولي كذلك ذكر الفصائل، التفصيل في صفات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقوله هنا: عن حبيش بن خالد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخرج من مكة، يعني في الهجرة، لما هاجر من مكة إلى المدينة، خرج مهاجرا إلى المدينة، هو وأبو بكر، ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهما عبد الله بن أريقط الليثي. وكان كافرا، عبد الله بن أريقط هذا كان كافرا، لكنه كان خريتا. إيش معنى خريتا؟ نعم، يفهم في الطريق، كان عنده خبرة بالطريق من مكة إلى المدينة. واستدل العلماء بذلك على جواز الاستعانة بالكافر أحيانا إذا اقتضت المصلحة ذلك، ولا حرج في هذا. فالنبي صلى الله عليه وعلى عليه وسلم استعان بهذا الكافر، وإذا وجدت مصلحة وكذلك أمن من هذا الكافر من الخيانة، إذا أمن من هذا الكافر من الخيانة فيجوز الاستعانة بالكافر. فمر على خيمتي أم معبد الخزاعية، امرأة تسكن هي وزوجها في البادية في طريق المدينة، في طريق المدينة. وقول: "وكانت امرأة برزة"، ومعنى "برزة" أي كبيرة في السن، كهلة، عجوز، عجوز كهلة كبيرة في السن. "تحتبي بفناء الخيمة"، يعني تجلس في فناء الخيمة، يعني في المساحة التي أمام الخيمة. فناء البيت يعني المساحة التي أمام تسمى الفناء. طيب، تسمى الفناء. فكانت تجلس في فناء هذه الخيمة، يعني خارج هذه الخيمة عند مدخلها. "ثم تسقي وتطعم"، يعني من مر بها يريد ماء أو عندها شيء من الطعام اليسير تعطيه إياه، وهكذا كان العرب، وإن لم يكن عندهم الإسلام لكن عندهم بقايا الدين، بقايا الدين، ومن ذلك الكرم وإطعام الطعام. قال: "فسألوها"، مروا عليها وهي جالسة، هؤلاء الأربعة: النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ومولاه وعبد الله بن أريقط، وعبد الله بن أريقط. فسألوها، سألوها لحما وتمرا ليشتروا منها، قالوا: معنا مال، نريد نشتري منك لحما، شيء معك شاة تبيعيها لنا، أو كذلك تمرا تبيعيه لنا. فلم يصيب عندها شيئا من ذلك، يعني ما وجدوا شيئا، ما وجدوا شيئا لا لحم ولا تمر. قال: "وكان القوم مرملين مسنتين". ومعنى "مرملين" أي نفذ زادهم، نفذ زادهم، كما جاء في الحديث: "كان الأشعريون إذا أرملوا"، إيش معنى "إذا أرملوا"؟ يعني إذا نفذ زادهم، جمعوا ما معهم من طعام ووضعوه في بصاط واحد ثم أكلوا منه جميعا. الشاهد من هذا: "مرملين" أي نفذ زادهم، النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه نفذ زادهم. ومعنى "مسنتين" من السنة، أي أصابهم القحط، أي داخلين في السنة وهي الجدب والمجاعة، يعني ما عندهم طعام. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة، ومعنى "كسر الخيمة" يعني جانب من الخيمة، رأى شاة. طيب، فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد؟". قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم. ومعنى "الجهد" يعني الهزال، أنها هزيلة جدا حتى ما تستطيع أن تلحق بالأغنام في الرعي، فلذلك يعني أبقتها عندها في الخيمة ولم تخرجها مع من، مع الأغنام التي يرعى بها زوجها، التي يرعى بها زوجها. فقالت: لو هذه الشاة قد خلفها الجهد أي الهزال عن الغنم. فقال: "هل بها من لبن؟". قد يقول قائل: كيف هذا السؤال وهي مجهدة وفيها لبن؟ فالجواب: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم بذلك، ولكن أراد أن يبين لها ما سيفعل بهذه الشاة، فإذا قالت فيها لبن طلب منها هذا اللبن، وإلا استأذنها أن ينظر في هذه الشاة لعلها تخرج شيء من اللبن. نعم. فقالت: "هي أجهد من ذلك"، يعني هي الآن هزيلة، فالهزيل هل يخرج شيء لبن؟ ما يخرج شيء. فقالت: "هي أجهد من ذلك". فقال: "أتأذنين لي أن أحلبها؟". وهذا فيه أدب من الآداب، وهو الاستئذان عند استخدام أي ملك من أملاك الغير أن تستأذن منه. فالنبي صلى الله عليه وسلم من حسن خلقه أنه استأذن من هذه المرأة، من هذه العجوز، وقال لها: "تأذنين لي أن أحلبها؟". ما أخذها مباشرة، مع أن لو أخذها مباشرة وأتت بالحليب هل ستعارض أم معبد؟ ما ستعارض. صح، لو شي عاطل قلت الإنسان: سأصلحه لك، هل سيعارض؟ ما سيعارض، أو صلحته له دون إذنه ما سيعارض، سيفرح. لكن هذا من الأدب أنك تستأذن ولو في مثل هذا الحال. فالنبي صلى الله عليه وسلم من حسن خلقه أنه استأذن من هذه المرأة، فقال: "أتأذنين لي أن أحلبها؟". قالت: "بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حلبا فاحلبها". ما فيها شيء، هي متأكدة، هي شاتها، هي تعرف، تعرف حال هذه الشاة، لو كان فيها لبن لا يعني حلبته لنفسها، لحلبته لنفسها، هي تعلم بحال شاتها، ولكن ستنظر إيش يريد هذا الرجل، إيش يريد، هو يعرف، قد خيلته أن ما فيها لبن. فقالت: لو "بأبي أنت وأمي، رأيت بها حلبا فاحلبها". لا بس. قال: فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمسح بيده ضرعها، يعني ديدها، مسح عليه عليه الصلاة والسلام، وسمى الله تعالى، بسم الله، بعد أن مسح، ودعا لها في شاتها، مثلا بالبركة: "اللهم بارك لنا فيها" أو كذا، أو من هذه الأدعية النبوية. فتفاجت عليه، ما معنى "تفاجت عليه"؟ يعني فتحت ما بين رجليها للحلب، تعرف الشاة لما تحلبها تفرج بين رجليها حتى يستطيع حالبها أن يحلبها، فهذه الشاة يعني تفاجت عليه. ومعنى "تفاجت عليه" يعني فتحت ما بين رجليها من أجل أن يحلبها رسول الله، أو يحلبها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ودرت، "درت" بمعنى يعني أنزلت اللبن في ضرعها، أنزلت اللبن. واجترت، "اجترت" بمعنى بدأ اللبن يستمر، يستمر بالنزول في ضرعها، استمر اللبن بالنزول في ضرعها. قال: فدعا بإناء يربض الرهطة، يعني دعا، سواء كان هذا الدعاء من قبل إحدى مرافقه بكونهم مثلا معهم شيء من الأواني، أو دعا بإناء من أم معبد أن تأتي بهذا الإناء. وقوله: "يربض الرهطة" أي يرويهم حتى يثقلوا، فيربضوا ويناموا، فيربضوا ويناموا. وهذا اللغة معروفة عندنا، تقول له: "فلان اربض، اربض"، يعني اجلس. وتقول: "فلان هذا رابض"، ما معنى "رابض"؟ معنى اجلس، استقر، هكذا في الأرض ما يتحرك. صح. فمعنى "يربض الرهطة" يعني إذا شرب منه الرهط، والرهط هو ما بين الثلاثة إلى العشرة. انظر شاة ما فيها شيء، لكن ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم درت اللبن، فأتي بهذا الإناء الذي يربض الرهط، يعني يشبعهم بل ويثقلهم عن القيام لارتوائهم به ولشبعهم منه. فحلب فيه ثجا، ومعنى "ثجا" أي سيلان، أي سال فيه هذا الحليب، حتى علاها البهاء. ومعنى "حتى علاها البهاء" يعني اللبن، بهاء اللبن يعني وبيص، رغوة اللبن، يعني امتلأ الإناء إلى أعلى، فصار نحن نسميه عندنا "الغشبة"، الغشبة يكون لها مثل الوبيص، يعني مثل اللمعان، مثل اللمعان، حتى علت هذه الرغوة أعلى الإناء. إذن الإناء امتلأ وهو يكفي ما بين الثلاثة إلى العشرة. نعم. قال: "ثم سقاها حتى رويت"، وهذا أيضا من حسن أخلاقه عليه الصلاة والسلام، لما حلب هذا الحليب، هذا اللبن، ما ابتدأ بنفسه ولا ابتدأ بأصحابه عليه الصلاة والسلام، إنما ابتدأ بها، لماذا؟ لأنها صاحبة ماذا؟ هي صاحبة الشاة، هي صاحبة الشاة، فمن حسن أدبه عليه الصلاة والسلام أن بدأ بها. قال: "وسقى أصحابه" بعدها، يعني حتى رووا، يعني حتى شبعوا ولم يجدوا له مسلكا. "ثم شرب آخرهم"، وهذا أيضا من أدبه لأن ساق القوم آخرهم شربا، فشرب آخرهم عليه الصلاة والسلام. "ثم أراضوا"، ومعنى "أراضوا" يعني شربوا حتى رووا، يعني شربوا على علل بعد نهل، يعني نهلوا من هذا الحليب وشربوا منه حتى رووا، حتى رووا، هذا معنى "أراضوا". ثم حلب فيه الثانية، يعني هذا الإناء بعدما انتهى وشربوا منه، أتى به مرة ثانية وحلب فيه اللبن. ما أعظم هذه الشاة وما أعظم بركتها سبحان الله! الشاة ما فيها شيء، فإذا بهذه الشاة تخرج هذا الحليب الكثير في هذا الإناء في المرة الأولى، وكذلك في المرة الثانية. ثم حلب فيه الثانية حتى ملأ الثاني على هذه، عندنا هنا "على هدتي" يعني ذكر التاء هذا خطأ، كأنه الصواب "على هذه". حلب فيه الثاني على هذه، يعني على هذه الإناء، حتى ملأ الإناء، حتى ملأ الإناء، يعني مرة ثانية. ثم غادره عندها، يعني هذا الإناء الذي ملأه مرة ثانية تركه عندها. فلقد شبعوا الآن، ارتووا من الإناء الأول، الإناء الثاني هذا تركه عند من؟ عند أم معبد. ثم بايعها، قيل معنى "بايعها" أي أعطاها ثمنا على هذا الحليب، أعطاها ثمنا على هذا الحليب، وليس معنى المبايع المبايع على الإسلام، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يؤمر بمبايعة النساء في هذا الوقت، وإنما أمر بمبايعة النساء بعد استقراره في المدينة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾، هذا في المدينة، أما وهو في طريقها أو في مكة لم تكن هناك مبايعة للرجال أو للنساء إلا مبايعة من جاء من الأنصار في بيعة العقبة الأولى وفي بيعة العقبة الثانية. نعم. قال: "وارتحلوا عنها"، يعني ذهبوا عنها وتركوا عندها هذا الإناء ممتلئ بالحليب. قال: "فقل ما لبثت"، يعني لبثت، لبثت وقتا يسيرا حتى جاءها زوجها أبو معبد، يسوق أعنزا عجافا، يعني غنما، أعنز جمع عنز، وهي الأغنام من نعم، جنس العنز، ليس من جنس الضأن، وهي عجاف، عجاف بمعنى هزيلة. طيب، هزيلة، يعني كأن الوقت وقت ماذا؟ وقت قحط، وليس هناك من الزرع أو من كذلك الرعي ما يكفي الأغنام في رعيه. قال: "يتساوكن هزالا"، ومعنى "يتساوكن" أي تتمايل من الضعف والهزل، الغنمة إذا كانت ضعيفة لما تمشي تمشي وهي يعني تتمايل ذات اليمين وذات الشمال، طيب، من أجل ضعفها، من أجل ضعفها. قال: "مخهن قليل"، بمعنى أن ليس فيها لحم، يعني المخ هو اللحم، يعني عبارة عن عظام بها شيء من اللحم القليل. "مخهن قليل" يعني اللحم قليل. قال: "فلما رأى أبو معبد اللبن عجبا"، وهذا أمر يستدعي العجب، لماذا يستدعي العجب؟ لأنه يعلم أنه لا يوجد شيء من الأغنام تحلب عندهم، معبد، من أين هذا الحليب؟ إما أحد أتى به إليها، أو اشترته، أو كذا، من أين هذا؟ فتعجب أبو معبد من وجود هذا اللبن، وقال لها: "من أين لك هذا يا أم معبد، والشاء عازب"، ومعنى "الشاء عازب" أي بعيد من المرعى، والغالب أن التي لا ترعى ولا تأكل الأكل الطيب لا يدر في ضرعها اللبن، لا يدر في ضرعها اللبن. نعم، ولذلك من أراد اللبن من الشاء يعتني بها، يأتي لها بالأشجار ويأتي لها بالطعام، بالبر، بالشعير، يعتني بها حتى تدر له من اللبن. فهو يقول هنا: "الشاء عازب" بمعنى بعيدة من المرعى، ما فيها شيء من اللبن. "وحيائل"، ومعنى "حيائل" يعني لم تحمل، والغالب أن الشاء إنما يدر فيها اللبن إذا كانت ولود، إذا كانت حامل أو وضعت قريبا، وضعت قريبا حمل، فهي التي يدر فيها اللبن. فهذه الشاء لا ترعى وليست يعني ولود، فمن أين لها اللبن حتى أقول أن هذا اللبن من هذه الشاء؟ هذا معنى كلامه. "ولا حلوبة في البيت"، ما يوجد غنم غير هذه إلا هذه فقط، كل الأغنام مع من؟ مع أبي معبد، مع أبي معبد. قالت: "لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك، من حاله كذا وكذا"، وصلت له بعضا حاله، معه ثلاثة مثلا، وأن يعني قال لي كذا وكذا، المهم ذكرت له ما فعله، ما فعل بالشاء، مسح على ضرعها، ما مر بنا في أول الحديث. فقال أبو معبد لها: "صفيه لي يا أم معبد"، صفي لي هذا الرجل، تشوق لمعرفة هذا الرجل، وكان عنده علم بأن هناك رجل خرج بمكة يقول للناس إنه نبي وأنه مرسل من ربه سبحانه وتعالى. فقال: أصفي لهذا الرجل لأم معبد. قالت: رأيت رجلا، بدأت الآن في وصف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قالت: "رأيت رجلا ظاهر الوضاءة"، ومعنى "ظاهر الوضاءة" تريد ظاهر الجمال، يعني أنه جميل، ظاهر الوضاءة. "أبلج الوجه"، ومعنى "أبلج الوجه" كما في التعليق تريد مشرق الوجه، مضيئه، يعني أنه مضيء الوجه، وهذا من حسنه. فعممت أولا ثم خصصت، ذكرت تفاصيل هذا الجمال، فذكرت أنه رجلا ظاهر الوضاءة، هو ظاهر الجمال، أبلج الوجه، فمن جماله أنه أبلج الوجه بمعنى مشرق الوجه مضيء. "حسن الخلق"، ويجوز "الخُلق" لكن هنا السياق يدل على أنها تريد الخَلق لأنها بدأت تشرح من حسن خلقه، ثم ذكرت شيء من حسن أخلاقه. قالت: "لم تعبه نحلة"، يعني لا يعاب بسبب دقة نحول الجسم، يعني ليس نحيف نحفا يعني معابا. "لم تعبه نحلة" يعني ليس نحيف يعني جدا. "ولم تزر به سقلة"، ومعنى "لم تزر به سقلة" أي قيل دقة، وقيل أرادت به أن لم يكن منتفخ الخاصرة جدا ولا ناحلا جدا، بمعنى أنه ضرب عدل، ليس بمنتفخ ولا ناحل ولا ناحل. وفي رواية في هذا الحديث: "ولم تزر أو لم تعبه ثجلة"، والثجلة قيل هو البطن واسترخاه أسفله، واسترخاه أسفله. إذن معنى "ولم تزر به سقلة" يعني سمنة في بطنه مثلا أو في خاصرته. طيب، الإنسان إذا كرش هذا خرج خارج، هذا يعني شيء معاب، صح، يشوه يعني جمال هذا الإنسان، صح. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم تعبه ثجلة، أي البطن واسترخاء أسفله، يعني الشحوم أو السمنة التي تكون في البطن أو كذلك تكون في الخاصرة بسبب أيضا اتساع الكرش، البطن، بسبب اتساع البطن. فالنبي صلى الله عليه وسلم ليس كذلك. وقالت: "وسيم قسيم"، أي وسيم قسيم الحسن الوضي، أنه حسن، وسيم بمعنى حسن المنظر، حسن الهيئة، حسن الصورة، جميل المنظر، ونحو ذلك. نعم، نحن نقول: فلان وسيم، وسيم بمعنى جميل، صح. نعم، هي قصدها هذا. "وسيم قسيم" يعني الحسن الوضي، يعني جمال مع وضاءة. قالت: "في عينه دعج"، والدعج مر معنا السواد في العين، وهذا من الجمال. طيب، شدة سواد نون العين وحواليه البياض، وهذه الحور الذي يكون فيه الجمال. "وفي أشفاره وطف"، والوطف قال: الطول، أي في أشفاره طول، وهذا أيضا من الجمال. "وفي صوته صهل"، وهذا مر معنا أي حدة وصلابة، حدة وصلابة، ما كان في كلامه ميوع أو لين أو نحو ذلك، بل هو صوت الرجال. "وفي عنقه سطع"، أي طول في عنقه، طول، يعني عنقه ليس ملتصق بصدره بل هناك عنق طويل، وهذا أيضا من الجمال، هذا أيضا من الحسن والجمال. "وفي لحيته كثاثة"، يعني كثافة، بمعنى يعني لحيته كبيرة تملأ صدره عليه الصلاة والسلام. "أزج أقرا"، ومر معنى أن "الأزج" هو تقوس في الحواجب، تقوس في الحواجب. "إن صمت فعليه الوقار"، يعني يكون عليه وقار. "وإن تكلم سما وعلاه البهاء"، أي تريد على برأسه وارتفع من جلسائه، يعني ما يتكلم وهو متأطئ الرأس. "إن تكلم سما" يعني رفع رأسه، "وعلاه البهاء" يعني علاه الجمال والوضاءة، نعم، والوضاءة يعني لما يتكلم يقابل الشخص، ما يتكلم وهو متأطئ الرأس. قالت: "أجمل الناس وأبهاه من بعيد"، يعني لما يراه الرأي من بعيد أجمل الناس وأبهاه. "وأجلاه وأحسنه من قريب"، يعني يكون واضح، جلي، وجميل من قريب. "حلو المنطق"، يعني لما يتكلم كلامه حلو. "فصل"، ثم بينت تفصيل هذه الحلاوة في الكلام، فقالت: "فصل، لا نزر ولا هزر". وقولها "فصل" أي كلامه بين كما مر معنا، يعني يتكلم بتؤدة وبعدم استعجال. "لا نزر ولا هزر" تريد وسط، ليس بقليل ولا كثير، يعني ما يتكلم كثير ولا يتكلم قليل، وسط، وسط بين القليل والكثير. "كأن منطقه خرزات، خرزات نظم يتحدر"، يعني الخرزات مثل ما يكون في السبحة مثلا، خرزة السبحة. طيب، فإذا قطعت حبل هذه الخرزات السبحة فإنهن ماذا يفعل؟ يتحدر، بمعنى يتساقط، خرزة خرزة، صح، خرزة خرزة، أي كلامه كلام يعني كما يقال بعض الناس يتكلم: "فلان كلام حبوب"، كلام حبوب معناه كلام شيئا فشيئا، شيئا فشيئا، هذا أيضا من صفاته، كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قالت: "ربعة"، وعرفنا ما معنى "ربعة" يعني لا طويل ولا قصير، ولذلك قالت: "لا تشنأه من طول"، يعني لا، لا تتعجب من طوله، ليس بالطويل البائن. "ولا تقتحمه عين من قصر"، ومعنى "لا تقتحمه" يعني لا تحتقره ولا تزدريه لما تراه العين بسبب القصر، يعني ليس بالقصير البين، ليس بالقصير البين. قالت: "غصن بين غصنين"، وتريد والله أعلم: أبا بكر ومولاه، تريد أبا بكر ومولاه، فهو غصن بين غصنين، فهو أنظر الثلاثة منظرا، "أنظر" يعني أبها وأوضى الثلاثة، يعني أوضى من أبي بكر ومولاه، وكذلك الدليل. قالوا: "أحسنهم قدرا"، بمعنى أنه رفيع القدر بينهم لأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جاء في السيرة أن أبا بكر كان يعني يخاف على النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يمشي أمام النبي صلى الله عليه وسلم ويمشي خلفه، وهكذا ينظر عن يمينه وعن شماله، محبة للنبي عليه الصلاة والسلام. ولما دخل الغار دخل أولا أبو بكر، وهيئ مكان الغار للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان رفيع القدر بين أبي بكر ومولاه، وأحسنهم قدرا. "له رفقاء يحفون به"، يعني يكونون حوله، محفوفين به، نعم، لا يبعدون عنه، لا يبعدون عنه. "إن قال سمعوا لقوله"، يعني ما يتكلم وهم منشغلون عن كلامه، بل إذا تكلم أصغوا له وسمعوا لقوله. "وإن أمر تبادروا لأمره"، إذا أمر بأمر تبادروا وسارعوا لتنفيذ أمره عليه الصلاة والسلام. "محفود محشود"، معنى "محفود محشود" أي أن أصحابه مجتمعون عليه، يعني من الحشد ومن الاحتفاء، بمعنى أنهم حوله، رجال حوله عليه الصلاة والسلام. "لا عبس ولا مفند"، ومعنى "لا عبس" يعني ليس بعابس الوجه، بل هو بشوش الوجه، بشوش الوجه، العبوسة هذه من الأخلاق السيئة، من الأخلاق السيئة. "ولا مفند"، هو الذي لا فائدة في كلامه لخرف أصابه، خلان "مفند" يعني يسبر، يخرف، بكلام غير منضبط، فكلامه مضبوط، يعني لا يعبس ولا يتكلم بكلام ليس فيه فائدة، فكلامه كله فيه فائدة، هذا معنى كلامها. فقال أبو معبد: "هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا". نعم، فهذا فيه أن أبو معبد أراد الإسلام، أراد الإسلام، لما رأى من هذا الوصف ومن هذه الدلائل، من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم قال: "وأصبح صوت بمكة عاليا، يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه"، يعني بعد هذه الحادثة يسمعون صوتا في مكة وما يدرون من الذي يأتي بهذا الصوت. وقد ذكر بعض أهل السيرة أن هذا الصوت هو صوت الجن، أحد الجن الذي علم بهذه القصة فأنشد هذه الأبيات، أنشد هذه الأبيات كما ذكر المعلق في آخر هذا الحديث. قال: "والصوت الذي سمعوا بمكة بالشعر، صوت بعض مسلمي الجن، أقبل من أسفل مكة والناس يتبعونه ويسمعون الصوت وما يرونه حتى خرج بأعلى مكة". ذكر ذلك في شرح السنة للبغوي. قال: وهو يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه ** رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلاها بالهدى واهتدت به ** فقد فاز من أمسى رفيق محمدي فيا لقصي ما زوى الله عنكم به ** من فعال لا تجاز وسؤددي ليهنى ليهنى أبا بكر سعادة جده ** بصحبة من يسعد الله يسعد ليهنى ليهنى بني كعب مقام فتاتهم ** ومقعدها للمؤمنين بمرصدي سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ** فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت عليه ** صريحا ضرة الشاة مزبدي وعرفنا ما معنى "حائل"، ما معنى "حائل"؟ معنى "حائل" نعم، لم تحمل، يعني ليست بولود. فقال هنا: قال: "دعا بشاة حائل، فتحلبت"، يعني ما طرقها الفحل وما هي بولود، ومع هذا حلبت عليه "صريحا"، أي خالصا. "ضرة الشاة مزبدي"، وضرة الشاة هو لحم الضرع، الضرع يجي فيه لحم، صح، فضرة الشاة يريد اللحم، يعني أن هذه الشاة تحلبت عليه بلبن خالص، وضرة الشاة مزبدي، "صريحا ضرة الشاة مزبدي"، أي أن هذا اللبن فيه الزبد، وهي الرغوة التي تكون أعلى اللبن. ثم قال: "فغادرها رهنا لديها لحالب"، ومعنى "فغادرها رهنا لديها لحالب" أي ترك الشاة عنده مرتهن بأن تدر، يعني يمكن أن تدر باللبن، وربما استمر لبنها، ربما استمر لبنها، ولذلك قال: "فغادرها رهنا لديها لحالبي"، لأن الرهن هو ما يبقى، صح، ما يبقى، المراد أنها بقت هذه الشاة وهي حالب. "يرودها"، وقلنا في نسخة "يرددها"، في مصدر ثم "موردي"، يعني أنها تتكرر منها، يتكرر منها هذا الحلب، يتكرر منها هذا الحلب. فهذا الحديث فيه أشياء كثيرة من صفات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، روته لنا هذه المرأة العاقلة والبليغة في هذه الصفات التي ذكرت في هذا الحديث، وقد جمعت صفات، بعضها قد ذكر مسبقا، وبعضها لم يذكر، وبعضها لم يذكر، ففي هذا الحديث بيان هذه الصفات. طيب، نكتفي بهذا إن شاء الله اليوم، وإلى هنا والله تعالى أعلم.