سمات دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب 7

سمات دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب 7

الدرس في سمات دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

السمة الخامسة من سمات دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: الجمع بين تأصيل الحق ورد الباطل

تتميز دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بجمعها بين تأصيل الحق ورد الباطل والتحذير منه، مستندةً إلى القرآن والسنة ومنهج السلف. ويؤكد أن الاقتصار على بيان الحق دون رد الباطل مفهوم خاطئ، بل كشف شبهات المبطلين من أعظم أسباب اجتماع الأمة على الحق.

أهمية التحذير من الشر وكشف الشبهات في الدعوة إلى الله

يؤكد المقطع على منهج النبوة في الجمع بين الدعوة إلى الخير والتحذير من الشر، مستعرضًا أنواع الفتن كدعاة الضلالة وأهل البدع. ويبين أن كشف الشبهات والرد عليها ضروري للثبات على الدين، مع الاعتدال في العناية بعلوم الرد دون إفراط ولا تفريط.

قوة حجة العامي الموحد ودور العلم في مواجهة الشبهات

يبيّن المقطع أن العامي صاحب العقيدة الصحيحة قادر على غلبة علماء الشرك لقوة حجته ونصر الله له، مستشهداً بكلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب. ويؤكد أهمية تعلم العقيدة ومجالسة أهل السنة للتحصن من الشبهات، موضحاً أن دعوة الحق واجهت كل ألوان الباطل بعلم وبصيرة.

منهج الدعوة الصحيحة على نهج أهل السنة والعلماء

يؤكد المقطع على ضرورة أن يسير المسلمون في دعوتهم على خطى أهل العلم والسنة، بمعرفة الحق وبيان الباطل والرد على شبهات أهل الباطل. ويشير إلى أن هذا المنهج هو ما مشى عليه العلماء قديماً وحديثاً، وهو سبيل النجاة والفلاح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: قال المؤلف الشيخ صالح السندي حفظه الله تعالى في كتابه أو رسالته "سمات دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" رحمه الله: قال: السمة الخامسة لهذه الدعوة المباركة أنها جمعت بين تأصيل الحق ورد الباطل، فلم تقل كما قال غيرها: "بين الحق وامضِ، ولا تفرق الناس". كلا. ومعنى هذه السمة: أن دعوة الحق لا تقتصر على بيانه، بل تشمل بيان الحق ورد الباطل وتفنيده، وكذلك التحذير من أهله. فكل ذلك مما ينبغي أن يكون عليه صاحب دعوة الحق. فقوله: "فلم تقل كما قال غيرها"، يريد بقوله "غيرها" تلك الجماعات وكذلك الطوائف التي اقتصرت على بيان الحق، وهابت وامتنعت عن بيان الباطل والتحذير منه ومن أهله. فهم يخشون من كره الناس لهم، فهم يزعمون أن بيان الباطل سبب لتفرقة الناس. وهذا مفهوم خاطئ، بل بيان الحق ورد الباطل من أعظم أسباب اجتماع الناس وألفة الناس، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. فما الذي يفرق الناس؟ مخالفة الكتاب والسنة. واعتصموا بحبل الله، حبل الله هو الكتاب والسنة. فالإصرار على الباطل، وكذلك عدم التحذير من أهل الباطل، من أعظم أسباب التغرير بالناس. فبعض الناس إذا لم يبين لهم الباطل وأهل الباطل، وقعوا فيه والتبس عليهم. فدعوة الحق تدعو إلى الأمرين جميعًا: إلى بيان الحق، وإلى كذلك بيان الباطل والتحذير منه ومن أهله. فاتسمت هذه الدعوة بهذه السمة العظيمة. قال المؤلف: لقد أبانت الحق بتفاصيله، ثم وقفت ولم تمضِ، بل خاضت جولة أخرى في تزييف الباطل ونقض شبهاته، ﴿لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾. بمعنى: أن بيان الباطل مما أمر الله سبحانه وتعالى به، كهذه الآية: ﴿لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾، أي: لتتضح طريق المجرمين المبطلين. وأنت إذا قرأت كتاب الله، لرأيت أن الله سبحانه وتعالى إذا بين الحق فأمر بالتوحيد، حذر من الشرك. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾، هذا بيان الحق، ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، هذا التحذير من الباطل ورد الباطل. وهكذا في آيات كثيرة. فلا بد من سلوك الأمرين في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فبهذا تنتصر، وبهذا تتميز عن غيرها من الدعوات الباطلة، من الدعوات الباطلة المنحرفة الضالة. قال: "من الدين كشف الستر عن كل كاذب، وعن كل بدعي أتى بالعجائب، فلولا رجال مؤمنون لهدمت صوامع دين الله من كل جانب". وصدق هذا الشاعر. فمن الدين كشف الستر عن كل كاذب يكذب على الناس ويلبس عليهم دينهم، ويأتي بالضلالات وبالشبه وبالأباطيل. فهذا من الدين، هذا من الدين. وأنتم تعلمون ما كان عليه أئمة السنة في العصور المتقدمة، وفي العصور كذلك المتأخرة، من بيان وكشف ما عليه أهل الباطل. فكم هي كتب الردود، كتب ردود أهل السنة على أهل الشرك والبدع والانحرافات كثيرة: الرد على المعتزلة، الرد على الأشاعرة، الرد على الجهمية، الرد على الخوارج، الرد على الرافضة، الرد على الصوفية، الرد على الفلاسفة وأهل المنطق، الرد على كل مبطل. لم يترك أهل الحق مبطلًا إلا وكشفوا عورته، وبينوا ضلالته، بفضل الله سبحانه وتعالى. فهذا من الدين: أن تعرف الحق، وأن تعرف كذلك الباطل. فتعرف الحق من أجل أن تلتزمه وتعمل به، وتعرف الباطل من أجل أن تجتنبه وتبتعد عنه. ولذلك حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه، كما في صحيح مسلم، أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، هذا بيان الحق، وكنت أسأله عن الشر، لماذا؟ قال: مخافة أن يدركني، أي: أخاف أن يدركني هذا الشر، فلا أعلم بكونه شرًا فأقع فيه، فأقع في هذا الشر. فحتى أحذره، سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الشر. ولذلك تتمة الحديث: أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، كنا في جاهلية وشر، فأتانا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قال: وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن. قال: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنته، ويهتدون بغير هديه، تعرف منهم وتنكر. قال: وهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. انظر: دعاة على أبواب جهنم، في معنى يدعون الناس إلى النار، والعياذ بالله. يدعون الناس إلى الشرك بالله عز وجل، يدعون الناس إلى البدع الموجبة لعذاب الله سبحانه وتعالى. فالنبي صلى الله عليه وسلم بين هذا الشر وحذر من هذا الشر. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «ما من نبي إلا ودل أمته على خير ما يعلمه لهم، وحذرهم من شر ما يعلمه لهم». فلا بد مع بيان الحق التحذير من الباطل. الأمران لا بد منهما للداعية إلى الله سبحانه وتعالى. وبضدها تتبين الأشياء. فلولا ظلمة الليل لما عرف ضياء النهار. نعم، والضد يظهر حسنه الضد. إذا أردت أن تعرف الشيء فاعرف ضده، يتبين لك. فإذا لا بد في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى من هذين الأمرين جميعًا. "من الدين كشف الستر عن كل كاذب، وعن كل بدعي أتى بالعجائب، فلولا رجال مؤمنون"؛ رجال أهل علم وأهل صدق وأهل إخلاص وأهل محبة لهذا الدين. فلولا رجال مؤمنون لهدمت صوامع دين الله من كل جانب، يعني: هدمت معالم هذا الدين، ودخل فيه ما ليس منه، ما ليس منه. قال المؤلف: إن عناية هذه الدعوة بكشف الشبهات ودفع التلبيسات له أثره العظيم في الثبات والرسوخ. والشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى له مؤلف مستقل في رد الشبهات، اسمه "كشف الشبهات"، تناول بعض الشبهات التي يثيرها أعداؤه في عصره وفي وقته، فرد عليها ردًا مجملًا أولًا، ثم رد على كل شبهة منها ردًا مفصلًا. والشبه تتجدد، الشبه تتجدد. ففي هذا العصر أيضًا تجد من أهل الشرك والبدع إثارة بعض الشبه، فيتناولها أهل الحق بالتفنيد والرد والبيان. نعم، فأحيانًا يأتونا بالشبه لربما يعني ضعيفة جدًا، ضعيفة، فأهل الحق لها بالمرصاد، أهل الحق لها بالمرصاد. فلا بد من العناية بهذا الباب، ومن غير إفراط ولا تفريط. يعني: لا يعتني الطالب بكتب الردود ثم يترك كتب بيان الحق وكتب العلم النافع الذي فيه تأصيل للعلوم الشرعية. فهو وسط، لا إفراط ولا تفريط، فيعتني بهذا، ويعتني كذلك بهذا. قال: إن عناية هذه الدعوة بكشف الشبهات ودفع التلبيسات له أثره العظيم في الثبات والرسوخ. الثبات على هذا الدين لا يتزعزع الإنسان إذا جاءته شبهة، عنده الرد. أهل العلم: ما أورد المبطلون شبهة إلا وتناولوها بالرد والضحض. فأنت كن متسلحًا، متسلحًا بسلاح العلم، فمتى ما وجهت لك شيء من هذه الشبه، فعندك السلاح الذي به تستطيع أن تميت هذه الشبهة، تميت هذه الشبهة. قال: ولا غر بعد ذلك أن يقف العامي ممن تربى في هذه المدرسة الحكيمة أمام عالم من علماء البدعة، فيدمغ حجته ويكشف شبهته. والمراد بالعامي ليس الجاهل كما قد يفهم البعض، وإنما المراد بالعامي: الذي لم يكن فقيهًا وعالمًا ومحققًا ومعلِّمًا، وإنما محب للخير وللسنة وللتوحيد، وعنده من العقيدة الصحيحة ومن الثبات على السنة. فهذا الشخص العامي بهذا الوصف، بهذا المعنى، يستطيع أن يرد، وأن كذلك يحاج من هو محسوب في غيرها من الدعوات الباطلة، من علمائها أو من فقهائها. ولذلك، وهذا المعنى أيضًا ذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه "كشف الشبهات"، ونقل عنه أيضًا في "الدرر السنية"، أنه قال: «إذا أقبلت على الله فلا تخف ولا تحزن، إن كيد الشيطان كان ضعيفًا». ثم قال: «والعامي من الموحدين يغلب ألفًا من علماء المشركين»، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. وصدق رحمه الله تعالى رحمة واسعة. فالعامي، العامي الذي صحت عقيدته، يستطيع أن يغلب ألفًا من علماء أهل الشرك. لأن من الذي يغذي أهل الشرك والبدع؟ الشيطان. وكيد الشيطان ضعيف. فالعامي يغلب هؤلاء لأنه منصور بنصر الله سبحانه وتعالى، وحجته قوية، وحجته دامغة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. فصدق المؤلف رحمه الله تعالى أن هذا العامي من الموحدين يغلب ألفًا من علماء المشركين. وما ذاك إلا لأنه أخذ شبه هؤلاء القوم، وفندها، وعلماء الرد عليها. وفي هذا، أيها الإخوة، فضل العلم، وأيضًا الاعتناء بأمر العقيدة. فكثير من رعاع الناس تنطلي عليهم مثل هذه الشبه، لماذا؟ لأنهم بعيدون عن مجالس أهل التوحيد، وعن مجالس أهل السنة. فالعامي الذي يجلس مجالس أهل السنة، لا شك أنه يستفيد، وأنه يثبت على دين الله سبحانه وتعالى، لما يسمع من هذا الخير، ومن هذا العلم، ومن رد مثل هذه الشبه. قال: هذا، وقد تميزت هذه الدعوة أيضًا بكونها واجهت أعداء الحق من كل صنف، ونازلتهم في كل بقعة. والصراع بين الحق والباطل مستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فانظر إلى يومنا هذا، وهناك من أعداء التوحيد، ومن أعداء السنة، من يعاندون، ومن كذلك يبثون مثل هذه الشبه، حتى يشوشوا على الناس أمر عقيدتهم وأمر دينهم. ولكن أهل الحق لهم بالمرصاد. فهذه الدعوة، دعوة الحق، لا بد أن تواجه هؤلاء المبطلين. فمن الذي يدرس العقيدة؟ من الذي يدرس كشف الشبهات؟ من الذي يدرس كذلك العقيدة الواسطية؟ من الذي يدرس القواعد المثلى؟ من الذي يدرس العقيدة الطحاوية؟ من الذي يدرس عقيدة أهل السنة والجماعة؟ هم أهل التوحيد، أهل الحق، أهل السنة. وما ذاك إلا من أجل أن يتحصن المجتمع من شبهات هؤلاء المبطلين. فهذه الدعوة تميزت بكونها واجهت أعداء الحق من كل صنف، ونازلتهم في كل بقعة. فلم تدع مبطلًا ينشر باطله جهرًا أو خفاءً، إلا وكان لها يد في صد عدوانه وكف شره. جزاهم الله عن المسلمين خير الجزاء. بل حتى الفتن العصرية، من فتن التكفير والتفجير والخروج على ولاة الأمر، وما يترتب على ذلك من المفاسد، كم بحت أصوات أهل السنة والجماعة منذ زمن قديم في التحذير من هذه الضلالات. وبعض الناس عارض العلماء، قال: "أيش هؤلاء يتكلمون في هذه الأمور؟". فتمضي الأيام والسنين، فإذا بالواقع يثبت للناس الحق الذي كان عليه أهل السنة، وأن هذه الجماعات إنما هي جماعات فرقت الأمة، وأثارت الفتن والقلاقل في بلاد أهل الإسلام. وهكذا يتبين لنا، معاشر المسلمين، فضل العلم والعلماء. وأن العلماء لا يتكلمون من جهل، ولا من فراغ، ولا كذلك من بعد عن تعاليم هذا الدين. وإنما إذا حذروا، حذروا بعلم، وحذروا ببصيرة. فهكذا هذه الدعوة: ما من مبطل يظهر، سواء كان بشبهة قديمة أو بشبهة حديثة، أو بطائفة قديمة أو بطائفة حديثة، إلا وانبرى لهم أهل الحق برد هذه الأكاذيب، وهذه الأباطيل، وهذه الأمور الدخيلة التي لا تمت بالإسلام بصلة. فع علينا معاشر المسلمين أن ننحو هذا المنحى، حتى تكون دعوتنا دعوة صحيحة، دعوة سائرة على خطى أهل العلم وأهل السنة. أن نعرف الحق، وأن كذلك نبين الباطل، ونرد شبهات أهل الباطل. فهذه هي الدعوة التي مشى عليها علماؤنا قديمًا وحديثًا. نكتفي بهذا اليوم، وإلهنا والله تعالى أهل الباطل. ترجمة نانسي قنقر