الدرس في سمات دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تتجلى السمة الثالثة في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالشجاعة بمعناها الصادق في وضع الحق في نصابه ومواجهة الباطل بوضوح، مستلهمة مواقف الأنبياء إبراهيم وموسى عليهما السلام. وقد تجسد ذلك عملياً في إنذار النبي صلى الله عليه وسلم لأقربائه بالحق صراحة دون مواربة.
تميزت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالإقدام والحزم في بيان التوحيد والحكم على الشرك والبدع بأسمائها الشرعية، بخلاف من سبقوه من الدعاة الذين كانت عقيدتهم صحيحة لكن ينقصهم الجرأة. ويستند هذا المنهج إلى نصوص القرآن والسنة الآمرة بصدع الحق وعدم مداهنة الخلق.
يتميز منهج أهل السنة بالوضوح التام في الحكم على الشرك والبدع بأسمائهما الصريحة دون مواربة، مخالفاً لجماعات تتنازل عن بيان الحق لكسب الجموع. ويؤكد النص أن نجاح الدعوة مرهون بصحة عقيدة دعاتها ورفعهم راية الحق، مستشهداً بأقوال السلف وحديث الطائفة المنصورة.
يختم المتحدث بالتأكيد على قاعدة فردية في الجزاء؛ فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها. ثم يكتفي بهذا القدر من الكلام ويدعو المشاهدين للاشتراك في القناة لمتابعة المزيد.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال المؤلف حفظه الله تعالى في رسالته «سمات دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله»: قال: السمة الثالثة لهذه الدعوة المباركة، ألا وهي الشجاعة والحزم والوضوح. ومعنى الشجاعة: أي الصدع بالحق، والإقدام في موضع الإقدام، والإحجام في موضع الإحجام. وكما سيأتي في السمة التي بعدها، أن المراد بالشجاعة وضع الشيء في موضعه، وهي الحكمة ومراعاة المصالح. فاتسمت هذه الدعوة بالشجاعة، بمعنى الصدع بالحق وبيانه وكذلك نشره. وهذه الصفة من صفات أهل الحق في كل زمان ومكان. فلو قرأت كتاب الله سبحانه وتعالى، لرأيت أن أنبياء الله عز وجل كانوا ممن يتصف بهذه الصفة الجليلة. فهذا خليل الله إبراهيم عليه السلام خاطب قومه، وبين لهم ضلال ما هم عليه. فأولاً: تهكماً بمعتقدهم، بعد أن قال لهم: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 52]. قال لهم بكل وضوح وبكل شجاعة: ما هذه التماثيل التي أنتم مقيمون عندها؟ فلم يجدوا ما يردون به سوى التقليد الأعمى، ما عندهم حجة، وما عندهم بينة. وهذا هو حال أهل الباطل. فماذا قالوا؟ قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 23]، أو قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 53]. فقط هذه حجة: وجدنا آباءنا لها عابدين، فعبدناها. فقال لهم بكل شجاعة وبكل صراحة: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنبياء: 54]. انظر إلى هذه الشجاعة. فلما سمعوا منه ما لا يتوقعونه، أرادوا أن يتبينوا قصده ويقفوا على مراده، فقالوا: ﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: 55]، هل جئتنا بالحق أم أنك تمازح وكذلك تريد الملاعبة؟ حينئذ صدع بالحق قائلاً: ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: 56-57]. ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: 58]. هكذا هي شجاعة أهل الحق، يصدعون بالحق ويقومون به ويبينونه للناس. وكذلك لو نظرت في غيره من الرسل، ممن أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه، كموسى عليه السلام لما بعثه الله عز وجل إلى فرعون، الذي قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَاهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38]، والذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24]، والذي قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: 51]. عنده من الجنود والحشود والمال والملك، ومع هذا يأتيه هذا النبي فيأمره بعبادة الله سبحانه وتعالى، ويبين له أن المعبود الحق هو الله سبحانه وتعالى، بكل صراحة وبكل شجاعة. وأكد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لما نزلت عليه هذه الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، صعد عليه الصلاة والسلام إلى الصفا ونادى بأعلى صوته: «يا صباحاه». قالوا: من هذا؟ قالوا: هذا محمد. فاجتمع عليه أقرباؤه، فناداهم بقوله: «أرأيتم لو أن خيلاً تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟» قالوا: ما جربنا عليك كذباً. فقال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». فقال ذلكم الشقي أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تباً لك. فأنزل الله عز وجل: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1] إلى آخر السورة. فانظروا إلى شجاعة أهل الحق. وكذلك أتباع الرسل، كمؤمن ياسين، وكذلك ذلكم الرجل الذي بعث الله عز وجل إلى أهل القرية، ثلاثة ونحوها من النماذج. وكذلك مواقف أهل الحق وهم يصدعون به، وهم يقولون به أمام من لربما يخشى من بطشه ويخشى من معارضته، ولكن لم يمنعهم ذلك من القيام بأمر الله عز وجل. وهكذا هم أهل الحق في كل زمان وفي كل مكان. وكذلك الحزم والوضوح، بمعنى الجد في بيان هذا الدين والقيام به. فقد قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: 13-14]. فعلم أهل الحق أن التوحيد وأن الدعوة إليه من أعظم الأمور التي ينبغي أن يعتنى بها وأن يقام بها، فأخذوها أخذ حق، وأخذ جد، وأخذ حزم. وكذلك دعوة أهل الحق دعوة واضحة، ما فيها خفاء، وما فيها كذلك مجاملة أو مداهنة أو تنازل، أو كذلك إرضاء لزيد أو عبيد، وإنما هي قائمة على بيان الحق وتوضيحه. وقد جاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمنعن أحداً هيبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب أجلاً ولا يباعد رزقاً». رواه الترمذي والإمام أحمد، وصححه العلامة الألباني كما في سلسلة الأحاديث الصحيحة. فأهل الحق لا يهابون الخلق فيكتمون الحق، ولا يضعفون في بيان الحق أبداً، لأن أعظم همهم وأكبر مقصدهم هو بيان الحق ووصوله إلى الخلق. فهذه من أعظم السمات التي تتصف بها دعوة الشيخ رحمه الله تعالى. قال المؤلف: لقد كان ثمة دعاة للتوحيد قبل الدعوة، يعني قبل ما يقوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب بهذه الدعوة، كان هناك من العلماء، لربما من يعرف التوحيد، فهو على عقيدة صحيحة، لكن ينقصه الحزم والشجاعة والإقدام في بيان الحق. فهذا معنى قوله: لقد كان ثمة دعاة للتوحيد قبل الدعوة، وفي ابتدائها، وبعد نشأتها. لكن خاصية هذه الدعوة: الشجاعة والحزم والوضوح، أو كما يقال في اللسان المعاصر: إنها وضعت النقاط على الحروف، فأعطت كل ذي حق حقه، ووضعت الهدى والضلال في محلهما بدقة، فبينت الحق من الباطل، وأمرت الخلق باتباع الحق واجتناب الباطل. قال: ووصفتاهما بما يليق بهما دون إعجام، يعني دون أن يكون الكلام فيه شيء من عدم الوضوح، كمن يتكلم باللغة الأعجمية التي لا يفهمها إلا من يتقن هذه اللغة. ما في هذه الدعوة غموض، ولا كذلك خفاء. نعم، قال: فلم يقل دعاتها في قول أو فعل شركي مثلاً: لا ينبغي، أو لا يجوز، بل قالوا بوضوح: هذا شرك أكبر، مخرج من الملة، مخلد في عذاب جهنم. بمعنى أنهم يحكمون على الأفعال بما يشهد عليها الشرع، فما هو شرك قالوا: هذا شرك، وما هو بدعة قالوا: هذه بدعة، وما هو معصية قالوا: هذه معصية. لأن اللفظة «لا ينبغي» أو «لا يجوز» قد يفهم منها أنه محرم وكفى، كغيرها من المعاصي. لما تسأل مثلاً عن الغيبة، أو عن النميمة، أو عن السرقة، تقول: هذا محرم، لا يجوز. فبعض الأفعال الشركية، أهل التوحيد إذا سئلوا عنها، ما يقولون: هذا لا يجوز، هذا محرم، لا يقولون: هذا شرك بالله عز وجل. وإذا مات صاحبه على ذلك، فيخشى عليه من نار جهنم، والعياذ بالله، أن يكون خالداً مخلداً فيها. لأن هذه الأعمال، من الذي حكم بهذا الحكم عليها؟ إنه الكتاب والسنة، إنه الكتاب والسنة. فهذا من وضوح هذه الدعوة. وكما يقال باللهجة العامية في هذه البلاد: إن هذه الدعوة ما فيها مغمغة، ما فيها مغمغة، وما فيها النظر إلى ما يطلبه المشاهدون وما يحبه المستمعون. لا، بعض الجماعات وبعض الفرق الضالة، لماذا لا يكون عندها من الشجاعة ومن البيان لأمور التوحيد؟ لأنها تريد أن يكون لها العدد الأكثر من الناس، تريد الجمهرة، تريد الجمهور أن يكون من أتباعها، وأن يكون من أفرادها، حتى تستكثر بالغوغاء. فهم لا يريدون، بزعمهم، أن ينفر الناس منهم. مثل جماعة التبليغ، يقول لك: لا يجوز في دعوتهم أن تتكلم عن أمراض الأمة، أي شيء أمراض الأمة، لا تتكلم على التوحيد، ولا تتكلم على الشرك، بل ربما فعلوا شيئاً من ذلك بحجة أن يكسبوا الناس. كما أخبر وحدث بذلك شيخ العلامة الألباني رحمه الله تعالى، أن بعض هؤلاء ذهبوا إلى قرية، فوجدوا أهلها يطوفون بالقبر، فقالوا: كيف الآن ندخل لهؤلاء؟ نريد ندعوهم. قالوا: إذن نطوف معهم. فطافوا معهم على القبور. سبحان الله، يدعونهم إلى ماذا إذن؟ يدعونهم إلى ماذا، وهم قد وافقوهم في الفعل، والعياذ بالله. أهل السنة ما عندهم هذا، عندهم وضوح، وعندهم كذلك بيان الحق، ويعلمون أنه لا نجاح لدعوة من الدعوات إلا أن يكون أهلها أهل معتقد صحيح. انظروا إلى بعض الأحزاب، ربما يكون في صفوفها الصوفي والرافضي، ومن يدعو غير الله، خليط مليط كما يقال. لا، هذا في دعوة أهل السنة لا يمكن أبداً، وإنما يعتنون بالتصفية، ويعتنون بأن يكون أهلها ممن صح معتقدهم، وممن كذلك وضح سبيلهم ومنهجهم. فهذه من أعظم تلك السمات. قال: فانظر يا رعاك الله أثر هذا الوضوح في نفوس الناس، وما أحوجهم إليه اليوم، ما أحوجهم إليه اليوم، أن تكون الدعوة واضحة. فالشرك يقال له شرك، والبدع يقال لها بدع، ويحذر من الشرك ومن البدع في المحاضرات، وفي الخطاب، وفي الدروس، وفي اللقاءات، ونحو ذلك. يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: «ارفع علم الحق يتبعك أهله». أنت تريد أن تبين للناس، وأن تدعو الناس إلى الحق ليلتزموه، وليكونوا عليه. فإذا ما عليك إلا أن ترفع علم الحق، فمن أراد الله له الخير والهداية سيتبعك. نعم، ارفع علم الحق يتبعك أهله، يتبعك أهله، فلا تبالي بزيد ولا عبيد، ولا تبالي بمعارضة المعارضين، ولا بخذلان المخذلين. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». فصاحب الحق لا يضره من خذله، ولا من خالفه، فهمه وهمته في البيان والدعوة إلى هذا الحق. فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها. نكتفي بهذا، وإلى الله تعالى. اشتركوا في القناة.