المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 27

المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 27

الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 27، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

قصة نبي الله أيوب عليه السلام وابتلاؤه

نبي الله أيوب عليه السلام ابتلي بالأمراض والفقر وفقدان الأبناء، لكنه صبر واحتسب حتى نزلت عليه رحمة الله بعد دعائه. استمر ابتلاؤه بالمرض ثمانية عشر عاما حتى هجره الناس.

استجابة الله لدعاء أيوب عليه السلام وشفاؤه

بعد صبر أيوب عليه السلام، جاء الفرج من الله عندما دعا ربه واستجاب له، فشفاه الله وأعاده صحيحا كما كان، ثم عوضه الله في أهله وماله. استمرت نعمة الله عليه بعد صبره.

قصة زكريا عليه السلام وآل عمران ودعاؤه للذرية الصالحة

انتقل الحديث إلى زكريا عليه السلام وآل عمران، ويشرح تفاصيل عن أسرة آل عمران وتتابع النبوة فيهم. دعا زكريا ربه ليرزقه بولد صالح رغم كبر سنه وعقم زوجته، واستجاب الله لدعائه.

استجابة الله لدعاء زكريا عليه السلام وتأكيد الحمل بآية

استجاب الله لدعاء زكريا وبشره بغلام اسمه يحيى. طلب زكريا آية ليتأكد من حمل زوجته، فكانت الآية ألا يستطيع التكلم مع الناس لمدة ثلاثة أيام إلا بالإشارة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا حول ما يتعلق بموت سليمان عليه السلام، وما دلهم على موته إلا دابة ملك الأرض تأكل منسأته، أي عصاه. ثم علمنا بعد ذلك أن هذا الملك دام لبني إسرائيل ما يقارب أكثر من أربعمائة عام، وهم ملوك. ذكرنا من مجريات الأحداث في هذه الفترة بعينها ما كان من قصة القرية التي كانت حاضرة البحر، وكيف أن الله عز وجل ابتلاهم بحيتانهم بالأسماك التي تأتي يوم سبتهم. وقد مضى معنا أن هذا اليوم يوم محرم الاستياد فيه والعمل فيه، وإنما هو للعبادة والتعبد فقط. ثم إن الله عز وجل لما رأى منهم الاستمرار، ونسوا ما ذكروا به، مسخهم الله جل وعلا قردة وخنازير. هذا المسخ لا يدوم، بل يموت ولا يكون له تكاثر. ثم أشرنا إلى محال بني إسرائيل، كيف أن بتقادم العهد بدأ الانحراف والانحلال، ودبت عندهم المعاصي. وجاء نبيهم وحذرهم لما علم من التوراة، لأن هذا إذان بقرب عقوبة من الله، إلا أن قومه ما بالوا به. فما هي إلا برهة من الزمن حتى أرسل الله إليهم بخت نصر، وهو رجل مشرك من أهل العراق، وكأنه جيوش ذو بأس شديد، فجاسوا خلال الديار، ما أبقوا أحدا قتلا وتقتيلا، والبقية اصطحبوه بالسلاسل والأغلال إلى أرض بابل. ثم ذكرنا في هذه الفترة قصة عزير عليه السلام، حيث إن الله عز وجل أماته مئة عام. في خلال موته، هناك مجريات تغيرت، بعدما رأى أن بيت المقدس قد خرب، وأن يحيي الله هذه بعد موتها، فأماته الله مئة عام. وخلال المئة عام هذه، غير الله المجريات والأحداث، إذ أطلق سراح بني إسرائيل من أسر العراق، لما غزى ملك فارس تلك البلاد، فأطلق سراحهم، فرجع الكثير منهم إلى بلادهم، فعمروها وشيدوها. ورجع عزير بعد ذلك إلى بلدته، وقد تغيرت الأحوال جدا. ثم أشرنا في الختام إلى ما وقع من فتنة عظيمة لبني إسرائيل، وهم في أرض العراق، في قصة هاروت وماروت، حين أصبحت الشياطين تخبرهم وتوسوس لهم، لأن العودة إلى مجدهم التليد إنما يكون بالرجوع إلى السحر. فما ظنكم أن سليمان حاز على هذا الملك، هل بنبوة؟ لا، إنما بسحر. ولهذا كانوا يشيرون إلى هؤلاء الملكين ببابل، أي بأرض العراق، هاروت وماروت. وكان الناس يذهبون إليهم، إلا أن الملكين كانا يطلبان من كل أحد أن يفهم هذه المسألة، إنما نحن فتنة، فلا تكفر. قلنا هذه المسألة وقع فيها خلاف بين أهل العلم في مسألة كيفية حقيقتها، ولهذا من أهل العلم من توقف في معرفة ماهيتها، ومنهم من ذهب إلى ما سمعتموه، ومنهم من أول بتأويلات أخرى. فهذا، إخواني في الله، ما ذكرناه في درس أمس. نواصل الحديث، طبعا بعد ذلك. قلنا أن بني إسرائيل رجعوا إلى بيت المقدس، وهذا الرجوع ليس ملوكا، وإنما رعايا. ومما يذكر كذلك في قصص بني إسرائيل، وما جاء ذكرهم في القرآن، ما يتعلق بأمر نبي كريم، وهو على القول الصحيح من أنبياء بني إسرائيل، والله أعلم بفترة وقوع هذه الحوادث، لكن نقول ربما في هذه الفترة، ألا وهو أيوب عليه السلام. أيوب عليه السلام، على القول الصحيح، أنه نبي من أنبياء بني إسرائيل. جاء ذكره في القرآن عدة مرات، تحديدا أربع مرات. وأيوب في خلال مواطن القرآن، ما نجد أن القرآن ذكر شيئا عن دعوته وعن رسالته وعما قام به من محاجة قومه، أو ما كان من رد قومه عليه. ما عندنا شيء من هذه الأمور، تدل على مجريات أحواله معهم. حتى إن بعض العلماء ذهب إلى أن أيوب ليس بنبي، وإنما هو رجل صالح، مثل لقمان. وهذا ليس بصحيح، بل الصحيح أن أيوب عليه السلام نبي، أوحى الله إليه، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ﴾. فالعطف يدل على أن الله أوحى إليه، فهو نبي كريم. ما ذكر عن أيوب عليه السلام، ذكر عن أمر واحد يتعلق بحياته، وهو ما يتعلق بمدى صبره وتفانيه في هذا الباب عليه السلام. ولا زال تضرب له الأمثال: اصبر صبر أيوب. أصبح مثلا يحتذى ويقتدى به، لعظيم صبره عليه السلام. نبدأ بقصة أيوب عليه السلام كما ذكرها العلماء. أيوب عليه السلام، في بداية أمره، آتاه الله عز وجل مالا وخيرا كثيرا، آتاه الله عز وجل من الأراضي والعقار والأموال والذهب والفضة، وكذلك أعطاه الأولاد والذرية، الشيء الكثير. ثم بدأ البلاء والابتلاء ينزل عليه. ومن صور الابتلاءات التي تتابعت على أيوب عليه السلام، أولا سلب الأموال، أخذت عنه الأموال بالتدريج. يقول جماعة من أهل العلم: أول ما ذهبت عليه الأراضي، أصيبت بالقحط والجدب والجفاف، ولم تصلح للزرع. ثم بعد ذلك تبعتها المواشي، هلكت. ثم بعد ذلك أخذ الله عز وجل عليه الأولاد، فلم يبق منهم أحد. فكان هذا الابتلاء من أعظم الابتلاءات التي ابتلي بها أيوب عليه السلام. هل هو الابتلاء الوحيد؟ لا، يأتي الابتلاء الثاني، وما هو؟ أن الله عز وجل ابتلاه في نفسه بأمراض شديدة. حتى قال العلماء: إنه ما من موضع في جسده إلا وفيه مرض وعلة. لم يسلم من أعضائه سوى القلب واللسان فقط. وإلا كل عضو من أعضائه أصيب بعطب، أصيب بأذى. ومما ذكره الله عز وجل عن هذا البلاء المرضي، ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾. ذكر الإمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره أن الشيطان سلط عليه، فنفخ فيه، فتقرح، ثم تقيح. هكذا قال: سلط عليه، فنفخ فيه، فتقرح، ثم تقيح، أي تشقق جسمه جراحات عليه السلام. وهذا يمكن، كما قلنا، بقدرة ذاك، مما مر في قصة هاروت وماروت، وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله. ما يقع شيء إلا بأمر من الله عز وجل. ومن أهل العلم من يرى أن هذه الآية: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾، إنما تخرج مخرج الأدب مع الله، ما أراد أيوب أن يضيف المرض إلى الله، بأنك أنت يا رب كتبت علي المرض، وإنما أضاف المرض للشيطان. كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، ما قالوا: إذا أمرضني. نزه الله، وإذا مرضت أنا، فالله يشفيني. فأضاف الشفاء إلى الله، وأضاف المرض إلى نفسه، كما للأدب مع الله. وكما في الآية، والشر ليس إليك. وفي الحديث: والشر ليس إليك. فالشاهد أن أيوب عليه السلام ابتلي بهذا البلاء الثاني، وهو المرض الذي على جسده. مع التنبيه، إخواني في الله، على أن هذا المقام، كذلك مرض أيوب عليه السلام، ما ينبغي أن يخرجنا إلى مقام الإجلال لأنبياء الله، لأن من الناس بل كذلك في كذب بعض المفسرين، من لربما يكتب ما يسمعه من الإسرائيليات، وهي لا تلقى بأنبياء إلا كقول بعضهم: أن أيوب عليه السلام، لكثرة مرضه والقيح والجراحات، أن ظهرت منه رفونة، وفتأذى الناس من ريحه، فألقوه في المزبلة. هذا ما يكون، هذا إنما الإسرائيليات التي فيها التشويه لعرض النبيين. أو ذاك آخر يقول: بأن اللحمة تساقطت حتى ظهر العظم. هذا ما يليق بمقام النبوة. أو ذكر بعضهم: أن ربما أصبحت الديدان والحيات هذه الديدان تظهر في جسده هنا وهنا. بل كانت لربما الدودة تسقط في الأرض، فيأخذها أيوب ويعيد الدودة إلى نفسه. هذا موجود في كتب بعض المفسرين. هذا ما ينبغي أن يرتضى، وأن يترك من غير تعليق، لأن هذا فيه طعن في عرض أنبياء الله، وعدم إخراجه مخرج الجلال. وإنما نقول بما قال الله: أن الله مسه بمرض، وهذا المرض اعتلت الجسد من أوله إلى آخره. الابتلاء الثالث في هذا المقام: أن هذا المرض، يا ترى كم دام هذا المرض؟ دام سنوات. ومما صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ما جاء في السنة المطهرة من حديث أنس: أن المرض دام به ثمانية عشر سنة. ثمانية عشرة سنة وهو مبتلى بهذا المرض. جاء هذا في حديث مرفوع، حسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وجماعة الحاكم والمصير وغيرهم، على تصحيح هذا الحديث الذي فيه تحديد مدة مرض أيوب عليه السلام. كذلك مما يذكر من أنواع الابتلاء الذي وقع لأيوب، فوق هذا وذاك، هجران الناس، أن الناس تركوه، لم يأت أحد إليه لزيارة أو لتفقد، وإنما ترك لوحده، لم يبق معه إلا زوجته، فهي الوفية المخلصة المتفانية الصابرة المحتسبة مع زوجها. وما طارقته قط. وأما بقية الناس، فقد تركوه. لهذا جاء في حديث أنس قال عليه الصلاة والسلام: «فرفضه القريب والبعيد»، أي كل الناس تركوه. لماذا؟ ما تحملوا هذا المرض، أنه ماذا يصابرونه، وأن يجلسون بجواره، وأن يعتنون به. نفذ عندهم الصبر، فتركوه. فهذه الابتلاءات، إخواني في الله، تتابعت على نبي الله أيوب عليه السلام. بدأت العافية، أو نبدأ نقول: جاء الفرج من عند الله، لكن لهذا الفرج مقدمات. مما يذكر في حياة أيوب عليه السلام: أن هناك رجلين من أخص أصحابه. نعم، هؤلاء لازموا من دون الناس، لازموا، لا زالوا معه، لا زالوا معه. إلا أن أحدهما قال لصاحبه، بعد طول المكث ومرور السنوات الطوال: ما أرى إلا أن أيوب أصاب ذنبا عظيما. فقال صاحبه: وكيف هذا؟ كيف عرفت؟ قال: ابتلي بهذا المرض، وما فرج الله عنه، وما كشف الله عنه، يعني هذه المدة الطويلة. لو كان خيرا، لو كان عبدا صالحا، لو كان له وجهة عند الله، لاستجاب الله. أما تمضي السنوات الطوال وهو على مرضه هذا. مصيبة فعلها، فابتلاه الله بها. هذا الصاحب أخذ الكلام وأسره إلى أيوب وأخبره. وهذا طبعا من في حديث أنس المرفوع عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. فقام هذا الصاحب وأخبر أيوب بما قاله صاحبه، هل صحيح أنك أصب ذنبا؟ هل صحيح أنك فعلت أمرا عظيما؟ فقام أيوب عليه السلام قال: والله لا أعرف، ما أعرف شيئا عما تذكرونه عني، ذنب بيني وبيني الله، وبيني وبين خلق الله، ما أعرف هذا. لكن إذا أردت أن تعرف عني شيئا، سأعطيك خصلة. فذكر أيوب من نفسه عليه السلام: أنه كان يقول: كنت أمر على الرجلين يتشاجران، يتعاركان، فيذكران الله، بالله، والتلوا، يحلفون بالله قسما، أو غبا، يذكرون الله. قال: فأرجع إلى بيتي، فأتصدق عنهما، كراهة أن يذكر الله على غير حق. أنا أكفر عنهما، أخشى أن أحدهم وقع في كذب، أو وقع في خطأ، أو وقع في زلة، عندما أقسم أو ذكر الله. أذهب وأكفر أنا عنهما، ما لهما علاقة بهما، لكن تعظيما للفظ الجلالة. قال: هذا الذي أعرفه عن نفسي. تقول لي ذنبا؟ حينها قال العلماء: حينها التجأ أيوب عليه السلام إلى الله، تراكمت عليه الهموم والغموم، وهذه الأمراض والابتلاءات. حينها دعا ربه، ورفع أكف الضراعة إلى الله، وخر لله ساجدا، ويسأل ربه، ويسأل ربه أن ماذا يكشف عنه ما به من ضر. قال ربنا: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾، استجاب الله عز وجل لأيوب عليه السلام. هذه البشارة، كيف تحققت؟ تحققت هذه البشارة: أن أيوب عليه السلام أراد أن يقضي الحاجة، وكان من أمره لضعفه، أن زوجته تأخذ بيده حتى تذهب به إلى مكان، فيقضي فيه الحاجة، ثم تأتي وتأخذه. فذهبت به ذات يوم إلى هذا المحل لقضاء الحاجة، فلما كان أيوب عليه السلام منفردا، إذ أوحى الله إليه أن: ﴿اضْرِبْ بِرِجْلِكَ﴾، اضرب برجلك، أي حرك الأرض بقدمك، حركها بأدنى حركة، بما تستطيع، ارفع واضرب قليلا، اضرب الأرض. فتحامل أيوب عليه السلام، وضرب الأرض بما يستطيع، فإذا بالأرض تنبع ماء من تحت قدمه، فأوحى الله عز وجل إليه: هذا مغتسل بارد وشراب. هذا مغتسل، هذا اغتسل به واستحم به، وهذا فيه إشارة بإذهاب ما به من العلل التي ظهرت على مظهره الخارجي. واشرب من هذا الماء البارد، اشرب، إشارة إلى شربه من هذا الماء، ستعاد له صحته وحيويته وعافيته، فكان كما كان، فأرجع قويا فتيا جميلا بهيا عليه السلام. فخرج على امرأته، طبعا هذا الذي صار لأيوب عليه السلام من الاغتسال ومن الشرب تأخر، فزوجته ما هي دارية بشيء، خافت عليه. فإذا بأيوب يأتي هو، يأتي إليها، لأن تنتظر منه أن يناديها: تعالي، هي منتظرة، ما سمعت أن تقرب. فوجد هذا رجلا يأتي إليها من هذه الجهة، فقال: يرحمك الله، يرحمك الله، أرأيت ذاك النبي المبتلى؟ يعني: مر عليك أحد هنا النبي المبتلى؟ فوالله إنك لتشبهه لما كان في عافيته، أنت، سبحان الله، صورتك تشبه هذا النبي لما كان في أيام عافيته. فقال: أنا هو، أنا أيوب. ففرحت به فرحا جديدا. وكانت هذه عافية أيوب عليه السلام، أن الله عز وجل أمره أن يشرب من هذا الماء، ويغتسل من هذا الماء المبارك. فالشاهد، إخواني في الله، نزلت العافية بأيوب. إذن الابتلاء الأول أزاحه الله عز وجل، وهو المرض وما كان في نفسه. بقي العوض. قال ربنا عز وجل: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾، أتاه العوض في أهله وماله. كيف أتاه العوض في أهله وأولاده؟ قيل: أن الله بعث أولاده إليه، وما ذلك على الله بعزيز، أن الله بعث أولاده إليه. وقيل: أن الله عز وجل هيأ زوجته، وأعطاها من القوة والشباب ما تستطيع من بعده أن تخلف، فأرزقها الله من زوجها أيوب ذرية مثل الذي مضوا، ومضاعفة، وأهله ومثلهم معهم، ومثلهم أي مضاعفة، أي ما ذهب جئنا بعوض. وهذا فيه بيان، إخواني في الله، على عظيم الفرج من الله، لكن بعد الصبر. تصبر وتحتسب الأجر عند الله، وت علم أن الصبر، أن الأزمات ما تدوم، فإن دوام الحال من المحال. يأتيك مرض، يأتيك فقر، تأتيك شدة، تأتيك محنة، من هذه المحن التي تعتريك في الدنيا، فإن صبرت، فالله سيعوضك بخير، ويخلف عليك بخير في الدنيا، ناهيك عما يكون من عوض الآخرة. فرزقه الله عز وجل، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ﴾، من بعده. بقي ماذا؟ بقي الأموال. نعم، جاءت روايات في قصة عوض أيوب عليه السلام بماله، لكن نبقى في رواية البخاري، أي أصح كتاب. في رواية البخاري: أن أيوب عليه السلام كان ذات يوم يغتسل، يغتسل، إذ مر عليه جماعة من الجراد، فوج من الجراد، إلا أن هذا الجراد إذا وصل إليه تساقط، ماذا؟ ذهب. يأتيه على شكل جراد، فإذا جاء عنده تساقط. فوجد أيوب ما حوله ذهب، فقام أيوب عليه السلام، ويحثو، ويحثو، ويحثو هذا الذهب. فأوحى الله إليه: يا أيوب، يا أيوب، ألم أغنك؟ ألم أغنك عن ذلك؟ فقال أيوب: يا رب، بلى، ولكن لا غنى لي عن بركتك، لكن لا غنى لي عن بركتك. فأخذ أيوب عليه السلام هذا الذهب، وأغناه الله عز وجل. فإذا رجعت العافية، ورجعت الأولاد، ورجع له ماله، بعد صبره واحتسابه. قبل أن نفارق قصة أيوب عليه السلام، بقي مسألة، مسألة وقعت، هي موقع إحراج عند أيوب، ما هي؟ الحلف، القسم. أيوب في فترة مرضه أقسم بقسم، ما قصة هذا القسم؟ يقول العلماء: أن زوجة أيوب، عندما كانت تخدمه، وهي التي تقوم عليه بأكله وشربه، حتى المصاريف تصرف عليه، أيوب كان ما يستطيع يحرك ساكنا. بلغت بها الحاجة بلغت بها الحاجة إلى أن تحتاج إلى مال، فما وجدت طريقة إلى كسب المال إلا أن باعت ضفيرتها، العقدة العقدة، قصت شعرها وأخذت ضفيرتها إلى محل لتبيعها، فباعتهم، وجاءت بمال، وأتت بطعام لها ولزوجها. فلما جاءت بهذا الطعام إلى أيوب، فسألها أيوب: من أين جئت بهذا المال؟ فأخبرته، وغضب عليها غضبا شديدا، ما أراد أن تصل إلى هذا الحال. بل وصل من غضبه أنه حلف: لأضربنك مئة ضربة، مئة، هذا قسم. عافاه الله وشفاه الله، الآن أصبح أيوب في إشكال، هل يضرب هذه المرأة، وقد عملت معه الذي ما يعمل أحد، زوجة لزوجها، من الإخلاص والتفاني؟ أم أنه يحنث، وقد أقسم بربه؟ إذا كان ما يرضى بالحنث عند الآخرين، فكيف بحنثه؟ حينها أنزل ربنا عز وجل: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، بأمر من عنده. خذ بيدك ضغثا، أي أيوب، أنت حلف على مئة ضربة، طيب مئة ضربة هذه، مئة عود، اجمع لي ضغثا. والضغث كما يقول العلماء: هو مجموعة من جريد النخيل، قيل: مجموعة من العيدان. مئة عود تجمع، تجمع، خذ هذا الضغث المجموع، واضربها ضربة واحدة على زوجتك، ولا تحنث. خلاص، مررت بقسمك، هذه مئة ضربة حصلت على زوجتك، من خلال ضربة واحدة. فهذا، إخواني في الله، كان من يذكر خلاصة من يذكر في قصة أيوب عليه السلام. هذا، إخواني في الله، ما نذكره من هذه الحوادث. ننتقل الآن إلى حال بني إسرائيل. ورجعنا قلنا: أن بني إسرائيل، بعد تلك الحقبة الزمنية، بعدما رجعوا من أرض العراق، رجعوا رعاية لا ملك لهم، استمر بهم الحال على هذا الحال، إلى أن جاءت فترة نقدرها بعد موت موسى عليه السلام بألف وأربعمائة سنة. بعد سليمان بفترة، بعد أربعمائة سنة من عهد الملوك، بعد هذه الفترة، حصل أمر من الأمور. وهذا الأمر، إخواني في الله، هو بعثة نبي من أنبياء الله، ألا وهو زكريا عليه السلام. الكلام على زكريا عليه السلام، هو مدخل ل باب آخر من سلسلة أنبياء بني إسرائيل، لماذا؟ الكلام عن زكريا عليه السلام سيجرنا إلى الكلام عن أسرة عريقة، وهي آخر سلالة من سلالات بني إسرائيل، والذي كان فيهم التناسل بالنبوة. وهي أسرة آل عمران، ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، أسرة آل عمران هي أسرة عريقة. إن بثت منهم الأنبياء والرسل، بل هم كانوا آخر سلالة بني إسرائيل، وانتهت بعد ذلك النبوة فيهم. وعندما أتحدث عن آل عمران، فما الذي أعني بهم؟ زكريا ويحيى ومريم وعيسى، وهو الخاتمة عليه السلام. طبعا هناك أشياء لابد أن أمهد لها. بعد ألف وأربعمائة سنة من موت موسى عليه السلام، بعد ذهاب ملك بني إسرائيل، كانت الأنبياء تتابع، ما تنقطع. الأصل أن بني إسرائيل ما تنقطع عنهم النبوة، بل تتابع، تتابع، تتابع، يعني أنبياء بني إسرائيل كعلماء أمة محمد، هذه الأمة المحمدية ما تحرم من علماء، يجد فيها من المصلحين، من المجددين، من المحدثين، من يقوم بالدعوة والتعليم، وهكذا. بني إسرائيل محل العلماء الأنبياء، نبي، نبي، بل ربما في الزمن الواحد، عدة أنبياء، خمسة، أربعة، عشرة أنبياء، عدة متوافرون، متكاثرون، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن بني إسرائيل كانت تسوسهم أنبياؤهم، كلما هلك نبي خلفه نبي، كلما هلك نبي خلفه نبي». هذا الأصل، إلى أن جاء زمن زكريا عليه السلام، تغير الوضع، ما هو الوضع الذي تغير في زمن زكريا؟ الوضع الذي تغير، ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَحْمَةَ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾، أي يذكر يا محمد عظيم رحمة الله التي جعلها في زكريا، رحمة عظيمة جدا. طبعا أحب أن أتكلم عن آل عمران، يعني آل عمران، عمران هو رجل، قيل: إنه نبي، قيل: إنه رجل صالح. عمران هذا عنده زوجة، انتبهوا لهذا الجدول، كل شخصية سنحتاج إليها فيما سيتكلم عنه. عمران رجل، قيل: نبي، قيل: رجل صالح، له زوجة، زوجته امرأة صالحة، أنجبوا الفتاة الأولى، البنت الأولى، وهي الكبرى. ثم أنجبت أنجبوا البنت الثانية، وهي الصغرى. هذه العائلة الكريمة، حصل فيها من الأشياء، من المجريات الغريبات العجيبات. البنت الأولى هذه، رزق الله منها غلاما، وهي عاقر. والثانية رزقها الله عز وجل غلاما من غير زوج. هؤلاء هم آل عمران، فضلهم الله على العالمين. نبدأ حتى لا نخوض، نبدأ مع البنت الأولى، بنت عمران الأولى، وهي الكبيرة، هذه البنت الكبيرة، من تزوجها؟ تزوجها زكريا عليه السلام. تزوجها زكريا عليه السلام، وعاش معها ربعا من الزمن، وكان زكريا كبيرا في السن. وصف ربنا عز وجل زكريا، إذ نادى ربه نداء خفيا، قال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، يشير إلى مدى كبر سنه، وإلى ضعفه وعجزه، ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾. أي الذي اعتدت منك يا ربي أنك ما تحرمني من الإجابة، ما كنت تحرمني من الإجابة، ما كنت أبدا شقيا بدعائك، دائما تعطيني سؤلي. ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾، خفت الموالي من الموالي؟ الموالي هم القرابة، وهم بنو إسرائيل. هنا موطن الشاهد، زكريا عليه السلام، الذي يعهده على أن أنبياء بني إسرائيل، وهو منهم، أنه يبقى في ناظريه النبي والثاني، النبي والثاني، بحيث إذا مات أحدهم يبقى البقية، وما يمت أحدهم إلا وهناك من يخلفه، وهناك من يخلفه. إلا في هذه المسألة، في هذه الفترة الزمنية، انقطعت النبوة. نظر زكريا، أراد أحد يخلفه من الأنبياء، ما هناك أحد، وهو كبر سنه. وهذا كما هو الخروج عن العادة المعتادة في نبوة بني إسرائيل، دائما الأنبياء ما ينقطعون. هنا انقطعت، فأصبح الخوف يدب على يدب إلى زكريا، ليس إلى نفسه لا، وإني خفت الموالي. أخاف على بني إسرائيل أن يضيعوا، وأن يهلكوا، إذا ما كان هناك أحد يقوم عليهم بالدين والتعليم والإرشاد والنبوة. ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾، فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب. وهو الأصل في بني إسرائيل، إذا انقضى على أن زكريا عليه السلام ما أراد الذرية لنفسه، لكي يتسلى بهم، أو أنه يمتع ناظريه بهم، لا، لا، ما أراد لنفسه، وإنما خاف على قومه. فهب لي من لدنك، طبعا وهذه الأشياء، وانظر، ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾، يعني الآن هذا الكلام يعني كأن زكريا يضيق، يضيق مجال، يعني استيعاب المسألة. أنت الآن تحكي عن نفسك بأنك كبير، قد وهن العظم، واشتعل الرأس شيبا، أي أنت لست في سن الإنجاب. ثم أضف إلى ذلك أنك تقول بأن زوجتك عاقر، ما تلد، إذن كيف يعني؟ إذن الاستحالة من جهتين، منك ومن زوجتك، ليس من طرف واحد، لا أنت قادر على الإنجاب، ولا زوجتك قادرة على الإنجاب. لكن مع ذلك، لعظيم تعلق زكريا بربه، دعا، وكله أمل من الله عز وجل. ومما شجعه، ومما شجعه، ما يتعلق بمريم، طبعا إخواني في الله، قصة آل عمران متشابكة، مريم هنا، زكريا هنا، يحيى هنا، عيسى هنا، متشابكة، ظهروا في زمن واحد، متقارب، متقارب. زكريا، مريم، يحيى، عيسى، متقارب، كلهم في زمن واحد، لكن سأذكر بعض الشيء حتى لا أذهب بكم بعيدا. الذي شجع زكريا على هذا الدعاء، مع أن نسبة القبول في العقل البشري شبه مستحيل. ما رآه من آيات الله في مريم. ولهذا في آية أخرى، قال ربنا هناك: دعا زكريا ربه، ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، هناك لما رأى عظيم إنعام الله على مريم، هنا طلب هذا الدعاء. فسأل ربه عز وجل في أن الله يمن عليه بالذرية، ليس لذاته، وإنما لبني إسرائيل، يخلفه بالنبوة. فاستجاب الله عز وجل لدعاء زكريا، وامرأة عاقرا، ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾. يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى، لم نجعل له من قبل سميا، أي بشره الله عز وجل بالنبوة، بمن سيورثه، وأن هذا النبي الذي سيأتي قد سماه الله، سماه الله، ما اسمه؟ يحيى. وأن هذا الاسم لم يسم أحد من الناس بهذه التسمية، فهو أول مخلوق على وجه الأرض سمي بهذا الاسم، يحيى عليه السلام. لم نجعل له من قبل سميا. طبعا زكريا مع أنه يطلب هذا، لكن تفاجأ، يمكن قد رب أن يكون لغلام، وكانت امرأته عاقرا، وقد بلغ من الكبر عتيا، أي طيب أنت استجبت، بس كيف يعني؟ كيف سيكون؟ كيف سيولد؟ كيف سيوجد؟ قال: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾، الله عز وجل على كل شيء قدير، وبهذا تعلم يا عبد الله، على أنك تسأل ربك بما شئت من خيري الدنيا والآخرة، فما هناك شيء يحجزه جل في علاه. فالكون كونه، والخلق عبيده، يفعل ما يشاء. قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾، أراد آية من الآيات تدل على أن الله قد رزقه بغلام. قال: آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام سويا. ثلاثة أيام ما هناك كلام، يعني أيش معنى هذا؟ يعني أنك تسكت. ثم سيأتيك مولود، لا، تسكت، بل أن زكريا سيجد السكوت يهجم عليه. وما معنى سويا؟ سويا معناه وأنت مستو، لا لمرض ولا لعلة. أحيانا الواحد من عنده مرض في اللوز، ما يصير يتكلم، يغلق عليه، هذا مرض، لا، زكريا عليه السلام سيجد نفسه أنه يخرج إلى الناس، يريد أن يتكلم معهم، ما يستطيع، ما يصير يتكلم، يحبس عنه الكلام. بمقابل أنه إذا أراد أن يذكر الله، ذكر الله، ينطلق لسانه بذكر الله، تسبيحا وتحميدا وتهليلا، يذكر الله. أراد أن يغير الذكر إلى كلام، مسك عليه لسانه، هذه إذا وجدها، كانت إشارة إلى أن الله قد رزقه بغلام في بطن الزوجة. وهذا في الآية الثانية: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾، رمزا، أي إشارة، سيكون حديث للناس، إشارة باليد، بالإشارة، بتحريك الرأس، خلال هذه الأيام. السلام أما الكلام منطق، سيمسك عنك