المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 26

المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 26

الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 26، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

وفاة سليمان واستمرار حكم بني إسرائيل

تحدث عن وفاة سليمان عليه السلام واستمرار الجان في العمل لاعتقادهم أنه حي حتى انكشف أمرهم، واستمرار حكم بني إسرائيل لفترة طويلة بعد وفاته.

قصة أصحاب السبت وعقابهم

تروي قصة بني إسرائيل الذين حرم عليهم الصيد يوم السبت واختلقوا حيلة للصيد، فعوقبوا بمسخهم إلى قردة، ثم الحديث عن فسادهم بعد ذلك.

تدمير بيت المقدس وقصة عزير

يتحدث عن تدمير بيت المقدس على يد بخت نصر، ثم قصة عزير الذي أماته الله مئة عام ثم بعثه وشهد إحياء حمار ميت وتغير بيت المقدس.

تفاصيل قصة عزير وإحياء الموتى

يروي تفاصيل قصة عزير وإحياء الله لحمار ميت، وتغير الأحوال خلال المئة سنة، ثم يذكر ضلال بني إسرائيل بعد عودتهم وادعاءهم تعلم سليمان للسحر.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، كنا في درس أمس إخوان في الله استكمال الأحداث المتعلقة لسليمان عليه السلام، بداءةً بما يتعلق بأمر الصافنات الجياد، وكيف أنه انتهى الأمر به أنه مسح على السوق والأعناق، مع الاختلاف الوارد بين أهل العلم في هذه المعاني. ثم أشرنا إلى أن سليمان عليه السلام كيف أنه دعا ربه عز وجل، وعلمنا كذلكم كيف أن سليمان عليه السلام لما رأى قصر الأعمار وطول الأكوان واتساع الأراضي والقفار، فطلب من ربه أن يمده بقوة يكون من خلالها الرفع لكلمة لا إله إلا الله، فأنعم الله عز وجل عليه بملك ما كان ولن يكون، ما كان لأحد قبله ولن يكون لأحد بعده. وأشرنا من ذلك ما كان من تسخير الرياح، ومن تسخير الجن والشياطين، وهكذا ما يكون من سهولة استخراج النحاس، وأن الله عز وجل علمه منطق الطير، وحشر له جنوده من الإنس والجن والكائنات والطيور. وأهل مجر من هذه النعم التي استغلها سليمان عليه السلام للجهاد والقتال ونشر الإسلام هنا وهنالك. وكان كذلك من أمر سليمان ما ذكرنا من قصة واد النمل الذي مر عليه، وجاء أمره في كتاب الله. وأخيرا كان الوقوف على أمر سليمان مع مملكة سبأ، وهذه القصة العظيمة قصها ربنا جل وعلا كأنموذج وحيد لمدى عظمة جيش سليمان وقدرته عليه السلام مع أقوى جيش في الأرض في تلك الأزمان. ما استطاع أحد أن يدانيه، ولهذا سليمان عليه السلام أخذ يجوب الأرض شرقا وغربا شمالا جنوبا. ما إن يسمع فقط سمع، كما في قصة الهدهد، سمع فقط على أن هناك قوم يعبدون الشمس في أرض اليمن، إلا وأراد أن يصل إليهم. وهكذا كان حاله عليه السلام حتى أنه يذكر عنه أنه ممن دانت له الأرض، ممن دانت له الأرض. استمر سليمان على هذا الحال في خلال حياته. وفي يوم من الأيام خرج سليمان على مملكته، وطلب من الشياطين والجان أن يعملوا له أعمالا ذكروا، أراد قصورا وبنيانا، وعينها لهم بأن يعملوا فيها. فاشتغلوا وجلس سليمان عليه السلام على كرسيه وهو يراقب هذا العمل. فبينما هو في مراقبته إذ قبض الله عز وجل روحه، أتته المنية وهو جالس على كرسيه متكئ على عصاه. الجان والشياطين يعملون هذه الأعمال. جاء من جاء المشرف على هذا العمل، أتى إلى سليمان عليه السلام يُعرض عليه المشروع الذي تم تنفيذه. فوجد أن سليمان ساكت ما يتكلم معه، فظن هذا المشرف على أن سليمان غير راضي، غير راضي بهذا العمل. فيرجع إلى أولئك الجان والشياطين فيهدون، يهدون، ثم يعملون أعمالا أعظم من الأولى. فيرجع ويطلب من سليمان أن هذا الذي قمنا به نال مبتغاك ونال رضاك، إلا أن سليمان عليه السلام لا يرد عليه بشيء. وهذا المشرف من معه من الشياطين ما فطنوا إلى موت سليمان عليه السلام. وأخذوا على ذلك فترة من الزمن حتى سقط سليمان عليه السلام. حينها علموا ما كان من سبب صمت سليمان، وهو ما كان من وفاته عليه السلام. وهذا جاء ذكره في كتاب الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾. والمنسأة هي عبارة عن عصا الذي دلهم على موته دابة الأرض. ما نعبر عنه بالأرض التي تنخر بالعود. أي أن سليمان الذي كان يتكى على العود هذا العود من طول مكثه صلت عليه الأرض، فتأكل من العود تنخر في العود حتى لما أصبح العود هشا لا يتحمل إن كسر، فسقط سليمان عليه السلام. ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ أي الأرض تأكل منسأته أي عصاه. فلما خر تبينت للجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين. لو كانوا يعلمون بهذا ما جلسهم يبنون ويكسرون، يبنون ويكسرون ويعمرون فترة طويلة الله أعلم بهذه الفترة. نعم، جاء عن بعض المفسرين ونقل عن بعض التابعين أن مدة المكث نحو من سنة، نحو من سنة، وهم على هذه الحال. لكن الله أعلم بهذه المدة الطويلة، الله أعلم بها. وإن كان هذا مما يذكر، لكن تحتاج إلى نظر. فما عندي دليل صحيح على هذا. وفي ذلك وفي هذه الآية فيه كأنه كما قال جماعة من المفسرين كأن فيه رد على الشياطين وعلى الجان الذين كانوا يدعون بأنهم يعلمون الغيب. فأراد الله عز وجل أن يبين ضلالهم وأن يفضح عوارهم بين الناس، فابتلاهم الله بهذه البلية يشتغلون يشتغلون يشتغلون وما يدرون على أن سليمان عليه السلام مات. فلو كان عندهم كما زعم علم الغيب ما لبيثوا في العذاب المهين بهذا التعى وبهذا الضنى وبهذا الجهد وبهذا. تعلم يا عبد الله أن الجان ومن كان من أفراخهم من المشعوذين والقهانين ومن يذهب إليهم لكي يقرأ له الفنجان أو يقرأ له الكف لكي يخبروه بالمستقبل هذا باطل. لا هؤلاء ولا أسيادهم من الجن والشياطين يعلمون شيئا من علم الغيب، وهو علم الله الذي استأثره الله جل وعلا لنفسه. بموت سليمان عليه السلام استمر الحكم لبني إسرائيل، وهم ملوك هذه الحقبة الزمنية يقدرها العلماء بأربعمائة وسبعين سنة، أربعمائة وسبعين سنة. هذا يسمى بعهد الملوك عند بني إسرائيل، وهذا العصر يعتبر من أزهى وأفضل وأعظم عصور بني إسرائيل على الإطلاق. ظهر فيها القوة وظهر فيها الانتشار وظهر فيها الصعود أمام الخلق جميعا. إلا أن هذه المدة بهذا التاريخ يشعركم أنه ما دام لم يدم، إنما جاءت فترة وسقط. وسقط عهد الملوك، سيأتي معنا هنا سأتي ببعض الحوادث التي ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى خلال هذه الفترة. من هذه الحوادث التي يذكرها العلماء في هذه الفترة ما ذكره الله جل وعلا عن تلكم البلدة الساحلية: ﴿وَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. أي ساحلية تقابل البحر. حاول العلماء أن يتعرفوا على هذه البلدة، فمنهم من وضع أصبوعه على أرض هي في أسفل فلسطين يقال عنها إيليا، وهي قريبة من خليج العقبة من خليج العقبة. قيل هذا والله أعلم. هذه القرية الذي قال ربنا يخاطب فيه نبينا أن يخبر اليهود: ﴿وَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. إذ يعدون في السبت. يعدون أي أن من صفتهم أنهم يعتدون، يعتدون يوم السبت. ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت. وهذه الآية وهذه القصة ذكرها الله في أكثر من موضع في قصة جماعة من بني إسرائيل اعتدوا يوم السبت. سأتي معنا ما هذا الاعتداء؟ إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم. هذه البلدة ماذا كان يكون وماذا حصل لهم؟ أن يوم السبت خاصة تجد أن البحر بالساحل يمتلئ أسماك أنواعا وأصنافا. قد يقول قال: وما المشكلة؟ لا هنا مشكلة عويصة، لأن من شريعة بني إسرائيل أن العمل يوم السبت يحرم، لا عمل لا شغل لا جهاد لا قتال. هل تذكرون قصة قريبة ذكرناها عن يوم الجمعة؟ قصة قريبة ذكرناها عن بني إسرائيل عن يوم الجمعة. أشكل عليهم هذا اليوم في أي أمر؟ في قصة يوشع بن نون في قصة يوشع بن نون عليه السلام عندما أراد أن يدخل إلى بيت المقدس، وآفق يوم الجمعة. ولهذا دعا ربه: «اللهم حبسها علينا حتى لا تغيب». وكان يوم السبت المنهي عنه في العمل والشغل كان يبتدأ متى؟ يبتدأ من غروب شمس الجمعة. إذا غربت شمس الجمعة دخل النهي إلى أن تغرب شمس يوم السبت. فمن هذا الغروب إلى هذا الغروب هذا كل أي السبت يومه وليلته ممنوع. يؤمر بن إسرائيل بالعبادة والتعبد. طيب هؤلاء أصحاب القرية ما الذي صار؟ كان الصيد يأتيهم يوم السبت تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا. قال العلماء: أي على ظاهر البحر على الظاهر على قول الصيادين صيد ماء. هذا الصيد ماء قد تكون في الغبة، لكن هذا في الساحل يأتي يدن منهم البحر يدن السمك يتقافز أمامهم. وهم أصحاب مهنة وأصحاب حرفة، لكن لا تستطيع الأيدي أن تمتد، ما يستطيعون حرام حرام حرام في ملتهم. فماذا فعل بعض هؤلاء؟ قالوا: إذن ما نصطاد يوم السبت ما نصطاد حاشا حاشا. لكن سنتخذ طريقة أخرى ألا وهي يوم الجمعة يرمون الشباك، ويوم الأحد يسحبون الشباك. قالوا: هذا الذي نعمل به. الاستيهاد ما نصيد، لكن يوم الجمعة نرمي الشباك وفي يوم الجمعة ولا نصرف، ويوم الأحد نسحب الشباك. طبعا الخطة واضحة، القصة واضحة هي حيلة حيلة على الله عز وجل في شريعته. لم يعلمون أنه يوم الجمعة يضعون الشباك، فإذا جاءت الحيتان يوم السبت فأرادت أن تنصرف ما استطاعت لأن الشباك تحول بينها وبين انصرافها. فيأتون يوم الأحد يسحبون الشباك هي مليئة من صيد ماذا؟ من صيد السبت. وكانت هذه حيلة عظيمة. قلنا أن هذا الصنيع من بعضهم ليس من كلهم. فقام الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، نصحوهم حذروهم أن هذا لا يجوز ما ينبغي، وأن هذا كذا. لكن القوم كانوا مجادلين، العصاء أصحاب جدل. قالوا: «إيش تنهون عنا نشفع عنا إحنا أصطدنا يوم السابت إحنا يوم السابت في بيوتنا نتعبد الله في بيوتنا ما أصطدنا فعلام هذا الكلام؟» فأخبرهم أن هذه حيلة على شرع الله. لكن وقالت أمة منهم: «لم تعيضون قوما الله مهلكهم؟». وهذه الآية توضح على أن الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر عبارة عن فئتين، عبارة عن فئتين. فئة نصحت ووبخت وبينت: «اتقوا الله ما يجوز هذا حرام». هذه فئة. وفئة ثانية هؤلاء من شدة يأسهم من قومهم تركوهم، تركوهم بل كانوا يلومون إخوانهم ممن ينصحون: «لم تعيضون قوما الله مهلكهم؟ أنت عندكم أمل فيهم ما عندنا أمل». هؤلاء عن عمد هؤلاء عن قصد ما هم عن جهل حتى نعلمهم، ولو عن غفلة حتى نذكرهم: «ياليعلمون بالحرمان يعلمون بالحرمة بدليل الحيلة لم تعيضون قوما الله مهلكهم؟ أو معذبهم عذابا شديدا؟». الشاهد فالذي كان يأمر إما من كان يأس منهم أو كان ينهاهم باللسان ويحذرهم من مغبة فعلهم. استمر الأمر حتى قال الله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ طال الأمد على العصاة طال الأمد حتى أنهم نسوا، نسوا أن ما وقعوا فيه حيلة، بل حتى أن أصبح يستحلي هذا الفعل، بل ويقوم ويستعلي على إخوانه المؤمنين. قالوا: «أنتم حذرتمون من عذاب الله إيش من عذاب الله ما فيه ما فعلنا غلط؟» أصرا حتى تحذرون. نسوا وأصبحوا على هذا الصنيع. حينها أنزل الله عقوبته عليهم، فقال: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فمسخهم الله قردة. يذكر العلماء أن هذه القرية لما حصل الشقاق والعناد من العصاة اعتزلوا الناس اعتزلوا. فحتى قيل: «ضربوا حاجز أنتم يا عصاة لكم هذه المنطقة افعلوا ما شئتم قد حذرناكم ونبهناكم لكم ما شئتم ونحن نبعد عنكم لا نخالطكم ولا تخالطون». وخاصوا أنتم في هذا المال الحرام ما سنأكل من أكلكم ولا نأخذ من مالكم لا تخالطون ولا نخالطكم. تعدوا فضربوا بينهم بحاجز يبتعد هذا عن هذا. في هذا اليوم الذي مسخهم الله. القرية الفاسدة والعصاة عندما مسخوا قردة مسخهم القردة. القرية الأخيار يسمعون أصوات بكاء وصياح وقردة. فاطلعوا فروا هذا المنظر أن هذا الجزء من القرية قد ملئ قردة. فإذ بهم يأتون إليهم فعرفوهم بسيماهم بملامح وجوههم. وكانوا يبكون بكاء شديد أي القردة إظهارا لعظيم ما صنع الله بهم عقوبة على فعلهم. طبعا هذه القرية أو الذين مسخوا ما مكثوا سوى ثلاثة أيام ثم ماتوا ماتوا جميعا. الذي يمسخه الله مسخا هذا ما يعيش يبقى فترة يزول. وفائدة ثانية من مسخ لا يكون له نسل لا يكون له نسل ما يتكاثر. فهذه مسألة وتلك مسألة ينبغي أن نفهمها ونفقهها في موضوع المسخ. هذا الذي صار لهذه القرية في هذه الفترة. نأتي الآن ونرجع إلى ما كنا عليه. طبعا هذه حوادث عرضية لكن ذكرها الله في كتابه عن بني إسرائيل. استمر الحال في بني إسرائيل مع مرور الأزمان سنة بعد سنة مئة سنة مئتي سنة ثلاث إلى قرب الأربعمية. ما الذي صار في بني إسرائيل؟ بدأ الفساد يدب وينتشر من الشهوات والملذات، مثله كحال أمتنا الأمة الإسلامية. كيف كان عهدنا في زمن رسول الله جيل الصحابة وأتباع التابعين وأتباع التابعين خيرة القرون. عندما تقدم العهد في أزماننا ما الذي نرى؟ الفجور المجون المخالفة للشريعة وهكذا هم. تطاول عليهم الأمد ظهرت منهم الجرائم. فخرج إليهم نبي قيل أنه اسم إرميا من أنبياء بني إسرائيل. خرج عليهم بعدما رأى فشو الفساد وأخذ يحذرهم مبينا منهم مطالبا إياهم بالتوبة النصوح والرجوع إلى الله جل وعلا. وإلا فإن الله عز وجل سيصلت عليكم أعداء شدادا غلاضا. إلا أن قومه قال: «إيش تقول ما هذا الذي تتفوه به؟ نحن يرسل علينا أقوام كفار نحن من كان فينا الأنبياء والرسل ولا زال أنبياء الله تتنزل علينا». نحن أصحاب أصحاب بيت الله المقدس بيت المقدس وأهله وجيرانه. نحن أصحاب التوراة نحن الذي أقمنا دين الله. تتقول بأننا الله سيرسل لنا من نبتلى به؟ ما الذي تقوله؟ جاء في كتب التواريخ أنه لكثرة ما كان ينصح ويهدد أنهم حبسوه حبسوه إسكاتا له. وأن هذا بعيد بعيد ما تذكره هذا النبي. ما يذكره ويحذر به قومه هو أمر حقيقي. بل جاء ذكره في كتاب الله جل وعلا. قال ربنا: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُمْ سَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَيَعْلُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليهم عبادا لنا أولي بأس شديد. إذن ما كان يتفوه به هذا النبي ما كان تخرص. لأن التوراة التي بين يديه تذكر هذا. أن الله عز وجل حذر بني إسرائيل أنه إن وقع منكم فساد عريض فساد كبير اعلموا أن هذا إذن على زوال ملككم. النبي يعلم بهذا. فلما رأى بواد الفساد حذرهم بإتيان أعداء وأنه سيصلط علينا من لا يخاف ولا يتقيه احذروا. ما بالوا فمن الذي بعث إليهم؟ خرج إليهم رجل يقال عنه بخت نصر بخت نصر. بخت نصر هذا رجل كافر مشرك جاءهم من أرض العراق وهم أين انتبههم في فلسطين في بيت المقدس. خرج إليهم هذا الرجل وغزى بيت المقدس. وهذا الذي قال عنه ربنا: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدَّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾. ماذا فعل كما قال الله: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدَّيَارِ﴾ جاسوا بمعنى يجوبون يجوبون البلاد وهكذا صنعوا. كان هذا الجيش دخل أرض فلسطين وكان يتجول فيها قتلا. يدخل هنا يقتل يمشي هنا يقتل يرجع إلى الطريق يقتل يجد الحانات يقتل يجد في الطرقات يقتل ما عنده إلا التقتيل. ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدَّيَارِ﴾ وكان وعدا مفعولا. هذا الذي فعله بخت نصر من القتل والتقتيل في بني إسرائيل في فلسطين. ليس هذا فحسب وإنما أحرق فلسطين أو كما يقال بيت المقدس عن بكرة أبيه. أحرق المسجد أتى إلى القدور الراسيات التي من صنع سليمان أحرقها. أتى إلى الجواب الجفان كالجواب وكسرها وأحرقها. وأتى إلى التماثيل وإلى المحاريب وكسرها وخربها دمرها تماما. جعلها على وصف القرآن: ﴿خَاوِيَةً عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾ ما أبقى فيها شيء يقوم على حجر. هل اكتفى؟ لا الأمر الثالث أبقى أناسا من بني إسرائيل لماذا؟ أبقاهم علق عليهم السلاسل والأغلال وجرهم إلى أرض العراق عبيد عبيد وخدم. فاصطحبهم الذكور والإناث هذا من عاش منهم من حاش. وأما من لا ومن لم يكن معهم فهذا ميت في سجل الوفيات. فهذا الذي كما قاربنا قولي بأس شديد: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدَّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾. وهذا الذي كان نبيهم يحذر لكنهم أبوا واستمروا في غيهم. استحب بخت نصر هؤلاء الأسرى وأبقاهم في أرض العراق خدم وعبيد. هنا أنتقل إلى قصة أخرى قصة أخرى. وكما يقال الشيء بالشيء يذكر ما هذه القصة الأخرى؟ لها تعلق هذه الأحداث التي صارت في بيت المقدس. والتدمير العظيم الهائل الذي تم فيها. كان في فترة غياب نبي في غياب نبي كان مسافرا أو بعيدا عن هذه البلدة. وعلى أصح الأقوال في تفسير هذه الآيات التي ستسمعونها أنه عزير اسمه عزير. هذا الرجل عندما جاء إلى بلدته إلى أرض فلسطين وجدها على هذه الحالة الكارثية. شيء لا يعقل بلده بعمرانها وما فيها من أساطير كلها زالت محروقة حرق أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها. أو كالذي الذي الضمير على القول الصحيح أنه يعود إلى عزير. هذا القول ذهب إليه جماهير المفسرين وقال عنه ابن كثير رحمه الله وهذا هو المشهور. وإنما أقول هذا الكلام لأن من بعض المفسرين من استبعد هذا. لكن نبقى على الشهرة وخاص أن ذلك مما أثر عن السلف: «أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها». ما هذه القرية؟ بيت المقدس وقد مضى معنا لو تذكرون أن قد سميت سمي بيت المقدس بقرية في قصة يوشع عليه السلام. عندما انتصر على الكنعانيين وقلنا لهم: «ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا ادخلوا القرية». قلنا بيت المقدس قرية. وهكذا في هذا السياق: «أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها». ما هناك فيها أنس ولا أحد لأن كما قلنا إما موت هلك وإما من اصطحبهم بخت نصر إلى أرض العراق. قال: «إني يحيي الله هذه بعد موتها». عزير يعلم التوراة بل قيل أنه كان يحفظ التوراة ويعلم أن الله عز وجل ذكر لهم أن بيت المقدس يبقى يبقى باقي. فعلم أنه سيرجع لكن كيف أنه كيف يحيي الله هذه البلاد بعد هذا التدمير والخراب؟. حينها فاماته الله مئة عام. ضرب الله عليه الموت مئة سنة وهو في محله فمات. مات هنا أيضا نقف قليلا. نرجع إلى أرض العراق لأن هذه قصة طرف هنا وطرف هنا طرف هنا حتى تكتمل فصول هذه القصة التي ذكرها ربنا عز وجل الذي جزء منها في فلسطين مع عزير وجزء منها في أرض العراق. نرجع إلى الأسرى الذين في أرض العراق هؤلاء أسرى البقية من بني إسرائيل أسرى في أرض العراق تحت هذا الملك الغاشم الكافر. كم جلسوا؟ جلسوا سبعين سنة. وهم في الأسر دبت حرب بين بين أهل العراق وبين أهل فارس. جاء ملك فارس وغزى أهل العراق وانتصر عليهم. حينها ظفر بالأسارى من بني إسرائيل ظفر بهم. لكن ما هو بحاجة إليهم. خيرهم: «تريدون البقاء هنا ابقوا تذهبون الأمر راجع إليكم». أطلق سراحهم فذهب الكثير من بني إسرائيل عودة إلى بيت المقدس. رجعوا بقي جماعة منهم في أرض العراق بقي جماعة منهم في بابل. رجع هؤلاء إلى بيت المقدس وقد تركوها كما يعلمون خراب يباب. فقاموا وشرعوا إلى بنائها إلى بنائها. يقدر فترة البناء والتشييد والعمران عشرين سنة خمسة وعشرين سنة كافية يمكن كافية. هذه المدة كافية في أن الناس إذا مسكوا قطعة الأرض دعك من أرض مبنية سلفا. لكن أرض قاحلة واشترك الناس فيها الرجال والشباب والعمال والأيدي وأصحاب المهن. ثم أقبلوا عليها بجد واجتهاد خلال خمس سنوات خلال عشر سنوات خلال خمسة عشر سنة عشرين سنة سيشيدونها واشهدوها. شيدوها سبعين سنة في الأسر، وعشرين سنة بناء خمسة وعشرين. قل خمسة وتسعين سنة تم بناء بيت المقدس وما كان من بيوته ورجوع أهله واستقرارهم فيها. الآن نرجع إلى من إلى عزير نرجع إلى عزير. عزير كم ضرب عليه الموت مئة سنة؟ خلال مئة سنة ما الذي صار من المتغيرات؟ طبعا جاء في السنة التي أحرق فيها بيت المقدس. فالجماعة قومه ذهبوا سبعين سنة وهو ميت. ورجعوا ومكثوا خمسة وعشرين سنة نحو من ذلك وهو ميت. وعمروها خلال هذه الفترة وهو ميت واستقروا فيها وهو ميت. ثم نهض بعد مئة سنة استيقظ عليه السلام. قال: «كم لبثت؟» هو ما يدري بشيء ما يدري إلا أنه نام فقط. قال: «لبثت يوما أو بعض يوم» لأنه قام والشمس أنام والشمس موجودة واستيقظ والشمس موجودة. يظنها شمس هذا اليوم الذي نام فيه وما يدري أنها شمس مرت عليها مئة سنة. قال: «بل لبثت مئة سنة». فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنى لم يتغير. كان معه فاكهة ومعه شرابا. وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس أي آية لبني إسرائيل. آية وانظر إلى العظام حمارك هذا قد اندثر. تخيل حمار مرت عليه مئة سنة كيف سيكون؟ إن بقي شيء شيء من رفاة العظام شيء إن بقي وإلا قد اضمحل. تفرقت أشلاؤه وعظامه البالية. قال: ﴿فَانظُرْ إِلَىٰ عِظَامِهِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ النشوز بمعنى الرفع. أي نجعل العظام مرتفع بعضها فوق بعض. وإن امرأة خافت من بعضها نشوز نشوز أي ترفع النشوز الرفع والترفع. فربنا جل وعلا بدأ بخلق هذا الحيوان الحمار بتركيب العظام. جعل العظم يقوم فيتركب عظم فوق عظم. وعزير يرى وينظر. فلما انتهى من تركيب العظام جل في علاه ثم نكسوها لحمة. ثم جاءت طبغة اللحم وما يتبع ذلك من الأعصاب العصب وما يكون من الدماء وما يكون من الأعضاء الداخلية. ثم في الختام جاء بالجلد الذي غطى هذا الحمار. وفي الأخير إذ بالحمار ينهق آية من آيات الله كيف يحيي الموتى جل في علاه. وفي ذلك بيان لعظيم قدرة الله على إحياء الموتى وما ذلك على الله بعزيز جل في علاه. شؤ عزير لما نهض بهذا الحمار ورأى إلى بيت المقدس وعلم أن حماره دل على هذه المسألة مئة سنة مرت وبيت المقدس تغير بالأمس كان محرق أصبح الآن عامر معتمر. رجع ودخل إلى بيت المقدس وسأل عن أهله وسأل عن ذريته وأولاده. تعرف الناس عليه. يذكر العلماء في تفاسيرهم أن عزير ساعة قبضه وبعثه الله كان عمره أربعون سنة. كان عمره أربعين سنة هذا عمره ما تغير في شبته قوته. دخل على القرية وغطالت بهم الأعمار. ابنه ابنه كان حي. قالوا: «أن ابنه كان عمره عشرين سنة». السؤال كم سيكون الآن؟ مئة وعشرين سنة. وجد ابنه قد بلغ مئة وعشرين سنة. وهذا الابن أصبع عنده حفيد كم عمره؟ حفيده ذكر العلماء في كتب التفاسير أن عمره قيل سبعين وقيل تسعين سنة. فتخيل الأب أربعين والابن مئة وعشرين والحفيد تسعين سنة فشيء عجيب سبحان الله. وعلم الناس بما صار لعزير فعظم جدا. لكن بعد ذلكم بعد فترة بأجيال وأجيال فتن الناس بعزير حتى قالوا عنه أنه ابن الله. قالوا عنه ابن الله. هذا إخواني في الله مما يذكر عن حالة بني إسرائيل عندما رجعوا. طبعا خروج بني إسرائيل من بيت المقدس ثم رجوعهم إليه هنا يختلف عن الرجوع الأول. تذكرون لما ذكرنا أن بني إسرائيل لما رجعوا إلى بيت المقدس في عهد طالوت رجعوا على أنهم ماذا؟ على أنهم ملوك. ملوك من أيام طالوت ثم داود ثم سليمان وتتابعت الأزمان أربعمائة سنة وهم ملوك إلى أن اندثر إلى أن جاء بخت نصر كما سمعتم أزال ملك بني إسرائيل. ثم جعلهم أسرى وخدم ثم رجعوا رجعوا لكن هنا رجوع بني إسرائيل إلى بيت المقدس ليس كالأول. رجعوا ليسوا ملوكا بل رجعوا رعايا رعايا لا عندهم دولة لا عندهم سيادة لا عندهم ملك لا عندهم مملكة. وجلسوا رعايا يحكمون من قبل غيرهم. هنا تغيّت الأوضاع. يحكمون من قبل غيرهم. الذي جلس في العراق تحت حكم العراقيين. والذي أتى إلى رجع إلى مصر جلس تحت حكم المصريين. والذي جاء في أرض فلسطين جعل على الحكم الساعد في أرض فلسطين. أما ملك مثل الأول لا أزيح أزيل تماما لم يبقى له ملك. حينها بل كانوا رعايا. هنا مسألة مما يذكر. سنرجع الآن إلى أرض العراق. نرجع إلى بني إسرائيل لما كانوا في أرض العراق وهم قذاقوا الأمرين عاشوا حياة العبيد والخدم يستعبدون. أخذوا يتذكرون أيام العز والمجد وكيف أنهم كانوا وكانوا ملوكا. فتحوا الأقاليم والدول ونحن أبناء الأنبياء والرسل والأحفاد صرنا إلى هذا الحال من الذل والهوان. فلا زال يحنون إلى ما كانوا عليه. وما هي الطرق التي تعيدهم إلى العصر الذهبي وخاصة إلى عهد سليمان والذي كما قلنا من أزهى العصور عند بني إسرائيل. ما هناك عصر انتشر فيه بني إسرائيل كملك في زمن سليمان. تذكروا هذا الزمان كيف نصل كيف نعود؟. هنا بدأت الشياطين بغرز أفكار خبيثة انطلت على بعضهم. وما هذه الأفكار؟ وسوست في أذهان بعضهم على أن ملك سليمان إنما وصل إليه عن طريق السحر عن طريق السحر. هكذا وصل سليمان إلى أن يستحوذ على الإنس والجان وسيطر على الرياح وعلى الكائنات والطيور والحيوانات سحر. وأخذوا يبثون ذلك في نفوس الأتباع. وهذا قد جاء ذكره في القرآن في قول ربنا عز وجل: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. واتبعوا أي هؤلاء من بني إسرائيل اتبعوا ما تتل الشياطين أي ما تقوله الشياطين وما توسوس به على ملك سليمان. أي ما تفتريه على ملكه وحكمه وسيطرته أنه ما حاز على هذا إلا عن طريق السحر. فبرأه الله عز وجل من ذلك. قال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. يعلمون الناس السحر. وما أنزل على الملكين ببابل في أرض العراق هاروت وماروت. من الابتلاء العظيم الذي ابتلى الله عز وجل به بني إسرائيل أن الله أنزل ملكين من السماء أحدهما هاروت والآخر ماروت. هاروت وماروت ما بهما يعلمان الناس السحر. طبعا هذه الآية من الآيات التي أشكل فهمها عند كثير من الناس فضلا عن من دخل في تفسيرها من أهل العلم. والأمر كما سمعتم إخواني في الله بنص القرآن: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ لا على الملكين الله نجعلها ملكين يشير إلى سليمان وداود. لا على الملكين أنزل الله ملكين من السماء هاروت وماروت. وكان من شأن الملكين أنهما يعلمان الناس السحر. وكانت الشياطين تدل الناس عليهما تريد ملك سليمان قوة سليمان عند هؤلاء هاروت وماروت يعلمون. «اذهبوا ستجدون من القوة ومن النفوذ ما تجدون». وكان من تمام الله فكان من كمال وتمام نصح الملكين هاروت وماروت أنه من قدم إليهما لكي يتعلم السحر كانوا ينصحون له بعدم الدخول وعدم الولوج وعدم التعلم. فإن تعلم السحر كفر. وهذا قد يشكل عند بعض الناس كيف ما يدور في خلدي كيف هذا ملك ويعلم سحر ويعلم شيء كفري وهو ملك؟. نقول: هذا ابتلاء من الله عز وجل وهذا ابتلاء لبني إسرائيل. والقاعدة التي يذكرها العلماء أنه على قدر التمكين يكون الابتل