المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 28

المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 28

الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 28، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

قصة زكريا ويحيى عليهما السلام وصفات يحيى

يتحدث عن قصة زكريا ويحيى عليهما السلام وبشارة الله زكريا بيحيى، وأثنى على يحيى بصفات حميدة مثل العلم والعبادة. أمن الله يحيى في ثلاث مواطن.

مقتل يحيى وزكريا عليهما السلام واختلاف العلماء

يتناول مقتل يحيى وزكريا عليهما السلام، حيث قتل يحيى بسبب امرأة بغي، واختلف العلماء في مصير زكريا بين الموت حتفًا أو قتلا.

قصة مريم عليها السلام وبداية نشأتها في بيت المقدس

يبدأ الحديث عن قصة مريم عليها السلام ونشأتها في بيت المقدس تحت كفالة زكريا، حيث كانت تتفرغ للعبادة والتعبد وتتخذ مكانا شرقيا للتعبد.

استرجاع قصة زكريا ومريم وإرهاصات مريم

يتم استرجاع قصة زكريا ومريم حيث دعا زكريا ربه بعد أن رأى رزق الله لمريم، وتتم الإشارة إلى إرهاصات مريم التي تمهد لما سيحدث لها.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كانت المواصلة في قصص بني إسرائيل، وأشرنا إلى قصة أيوب عليه السلام وما جاء في أحداثها من خلال نصوص الكتاب والسنة. ثم كان الانتقال إلى آخر سلالة من سلالة بني إسرائيل، وكانوا نهاية المطاف في النبوة والرسالة. وقلنا إن هذه الأسرة العريقة هم آل عمران الذين ذكرهم الله في القرآن: ﴿إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض﴾. وقلنا إن هذه السلسلة ستجول حول أربعة شخصيات، ألا وهم زكريا ويحيى ومريم وعيسى عليه السلام. وقد مر معنا تمهيدًا، وسنكرر هذه العبارة، من أنهم بينهم ترابط وثيق، ليس فقط الترابط الديني، بل ترابط أسري اجتماعي. بدأنا بذكر زكريا عليه السلام، وطبعًا زكريا جاء ذكره في القرآن سبع مرات. وزكريا، كما صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام، أنه كان نجارًا وكان يأكل من عمل يده عليه السلام. ذكرنا أنه قام يومًا يدعو ربه عز وجل: ﴿ربي إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك ربي شقيا وإني خفت الموالي﴾. وأشرنا إلى أن هذا الدعاء إنما خرج من باب الإشفاق، لا على نفسه، وإنما على قومه، إذ أن هذا مما وقع على خلاف العادة. إذ أن عادة بني إسرائيل أن الأنبياء تتابع، فلا يموت نبي إلا وقد خلفه نبي، إلا في هذه الحادثة، والتي قدرت بألف وأربعمائة عام بعد موت موسى عليه السلام. حصل هذا الأمر الذي استدعى من زكريا عليه السلام أنه كان يكثر من دعاء الله: ﴿ربي لا تذرني فردا﴾. فبينما كان يدعو ويدعو، استجاب الله عز وجل لدعائه، لأن الله يبشرك بيحيى. ﴿لم نجعل له من قبل سمية﴾، بل ليس فقط بشارة بنبي، بل وسماه ربه جل في علا. وحينما طلب زكريا آية على تحقق هذه البشارة، قال: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة ليال سوية﴾. ما معنى سوية؟ ليست متتابعة، إنما سوية، أي أنت سوي، أنت سليم، أنت صحيح، تقف عن الكلام من غير علّة، هذه آيةك. وإنما حديثك خلال هذه الأيام الثلاثة رمزة، أي إشارة، أي إشارة، إلا ما كان من ذكرك لله، حينها سينطلق لسانه آية من آيات الله. في هذا المقام، متى جاءت البشارة في آية أخرى؟ قال ربنا: ﴿فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى﴾. لما كان في محرابه، وهو مكان العبادة والتعبد، حين كان يدعو ربه عز وجل، جاءته البشارة وهو في محرابه بهذا الأمر العظيم. طيب، ما الذي صار؟ فخرج على قومه من المحراب، فأوحى إليهم أن سبّحوه بكرة وعشية. طيب، البشارة جاءته وهو في المحراب، في مكان عبادته، بأن الله سيبشرك بيحيى، آية ذلك عدم الكلام، انتهت البشارة، خرج من محرابه، أوحى إليهم. ماذا معنى أوحى؟ أي بدأ بالإشارة. ما معنى أن البشارة ما تأخرت؟ أصلا ما تأخرت، من أول ما خرج، جاءته البشارة، فقط دعا، أعطاه الله آية، ظن أن الآية ستأتيه، فإذا بالآية قد وصلت مباشرة. خرج فأوحى إليهم، أي أشار إليهم، الكلام ما استطاع أن يتكلم، وإنما أوحى. وأخذ يخبرهم بأن الله قد بشرهم بنبي سيأتي، ولهذا أمر أن يسبح، والتسبيح يأتي بمعنى الصلاة، وذلك شكرًا لله عز وجل على هذه الهبة. هذا، إخواني في الله، خلاصة ما يتعلق بنبي الله زكريا، وما جاء في القرآن، إنما في بيان دعائه وبشارته بيحيى. نأتي الآن إلى يحيى عليه السلام، يحيى بن زكريا، جاء ذكره في القرآن، كما قال العلماء، ست مرات. سمعنا كيف أن الله عز وجل بشر زكريا بيحيى. ومنذ أن جاء يحيى، والبشارات تتوالى، والبشارات تتوالى على يحيى عليه السلام. من البشارات ما ذكرناه، من أعظم فضائله، أن الله عز وجل تكفل بتسميته: ﴿لم نجعل له من قبل سمية﴾. وقلنا إن السمي هنا بمعنى التسمية، أي ما أحد تسمى قبله بيحيى، هذا التفسير الصحيح. فقد أعطاه الله عز وجل السيادة في العلم والعبادة وفي الأخلاق والآداب، فقد بلغ الغاية التامة في أن يسود على الناس بما آتاه الله من فضائل الخصال. ومن صفة يحيى عليه السلام أنه حصور. وأكثر العلماء يرون أن الحصور بشكل عام هو الذي لا يميل إلى النساء ولا يرغب بهن، ولا يرغب فيهن، مع وجود الرغبة، إلا أنه لا يلتفت إليهن. وقد انتقد العلماء من يرى أن الحصور هو العنين الذي ليست له قدرة على الوقاع، أو أنه لا ذكر له، لأن هذا فيه رمي يحيى عليه السلام بالمرض والعاهة والآفة، وهذا في حد ذاته منقصة. ولهذا ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن معنى الحصور هو الذي حصر وعصم من الذنوب الشهوانية. ثم قال: ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة﴾، ما مقصود بالكتاب هاهنا؟ الذي أمر يحيى بأخذ به هي التوراة، إذ أنها الشريعة المستديمة لبني إسرائيل من لدن موسى عليه السلام إلى زمن يحيى. فأمر ربنا عز وجل يحيى: ﴿خذ الكتاب بقوة﴾، فذكر عن يحيى عليه السلام أنه أقبل على التوراة حفظًا وقراءة وتعلما وتعليمًا واستنباطًا وعملا بما فيها، بقوة جد واجتهاد. ومن مناقب يحيى عليه السلام ما جاء في قول ربنا: ﴿وآتيناه الحكم صبيا﴾، والحكم هاهنا، قال العلماء: أي آتاه الله عز وجل العلم النافع، آتاه الله عز وجل الفهم الثاقب، صبيًا، أي كان في حال صغره، في غاية من النباهة، ذكي حصيف يعلم. وقد وجد من المفسرين من يذكر أن يحيى في صغره ما كان يلعب مع الغلمان، مع أن هذا اللعب في هذا السن هو البداهة، إلا أن الله عز وجل اصطفاه على الجد والاجتهاد، فكان يستغل وقته بما ينفعه. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا﴾، أمنه ربنا عز وجل في هذه المواطن الثلاث، عند المولد، مولده، وعند موته، وعند بعثته. وقد ذكر العلماء أن هذه المواطن الثلاث من أوحش المناطق والأحوال التي يجدها الإنسان. فهذه، إخواني في الله، من الفضائل والمناقب التي أعطاها الله عز وجل ليحيى عليه السلام. بعد ذلك، إخواني في الله، ننتقل إلى مسألة أخرى، نحاول أن نقف عند ما جاءت به النصوص الشرعية بعد ذلك. يحيى وجد بين قومه نبيًا يسير بسيرة الأنبياء، فقط يسيسون الناس بالشريعة الموجودة، الكتاب موجود والشريعة موجودة، يسيسونهم بالموجود، إلى أن حان موت يحيى عليه السلام. يحيى عليه السلام مات صغيرًا، أي في شبابه، لم يطلبه العمر. والروايات تدل على أن يحيى قتل عليه السلام، لكن ما عندنا في كتاب الله ولا في السنة الصحيحة الصريحة ما يدل على سبب مقتله، على كيفية قتله. فأصح ما ثبت في هذا الباب، في مسألة قتل يحيى عليه السلام، ما جاء من الآثار المنقولة عن الصحابة. ومن أصح ما ثبت، ما جاء عند ابن أبي شيبة عن أسماء رضي الله تعالى عنها، أن ابن عمر دخل عليها، أراد أن يعزيها في الزبير عندما قتل، أراد أن يعزيها وأن يصبرها، فكان من قولها رضي الله تعالى عنها قالت: «وما يمنعني من الصبر؟ كيف لا أصبر على هذا المصاب؟ وقد قدم رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل». وجاء كذلكم من حديث عروة بن الزبير أنه قال: «ما قتل يحيى بن زكريا إلا في امرأة بغي». قالت لصاحبها: «لا أرضى عنك حتى تأتني برأسه». قال: «فذبح فأتاها برأسه في طست». هذه آثار، صحيحة من حيث الإسناد، وفيها إشارة إلى تأكيد هذه المعلومة، أولًا: أن يحيى عليه السلام قتل، وأن قتله كان لأجل امرأة، امرأة بغي، بغت وتطاولت عليه. نستأنس في جمع شتات القصة بما رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أنه يبين لنا حقيقة ما صار في مقتل يحيى عليه السلام. إذ أن يحيى، وهذه شريعة التوراة، كان يعلمون الناس الواجبات والحرمات، ومما حرم الله عليهم نكاح المحارم. فكان في هذا العهد ملك يقال عنه هيرودس، وكان هذا الملك معجبًا ببنت أخيه، وكان يميل إلى الزواج منها، إلا أن يحيى، لأنه النبي في بني إسرائيل، كان يمنع، وأن هذا ما يصير، وأن هذا لا يجوز، حرام في شريعتنا. فأخذت تغري بنتها أن لك حظًا عند هذا الملك، ولا زال معجبًا بك، حاول أنك إن دخلت عليه أن تغريه في أن يقتل يحيى، أن يذبح. فدخلت هذه المرأة على الملك، فاستغلت وقت ضعفه، وكان يمنيها: «ماذا تريدين؟» فقال: «إن كان من طلب، أطلب منك أن تقدم لي رأس يحيى». فقال: «أو غير ذلك؟ أنا ما أستطيع»، يعرف من يحيى النبي من أنبياء بني إسرائيل له وجاه عند الله. فقال: «ما أرى إلا ذاك، ما عندي إلا هذا الطلب تؤديه». فكان الرجل من شدة فتنته أن استجاب لها، فدعا بيحيى عليه السلام إليه، ودعا بطست، فذبح، وجعل رأسه في هذا الطست. هكذا نقل ابن عباس، فالله أعلم بالصواب. هذا، كما قلنا، أكثر ما يتداوله العلماء في مقتل يحيى عليه السلام. هنا مسألة أختم بها هذا المبحث، حتى لا يأتي الإشكال في الأذهان، وهو قد يقول قائل: كيف يحيى يصل إلى هذا الحال؟ ألم تذكر لنا أن الله عز وجل قال: ﴿وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا﴾؟ والسلام بمعنى الأمن والأمان، ربنا أمن يحيى عند موته، فأي أمان؟ وأنتم يا أهل الإسلام توردون هذه الروايات؟ وقد ذبح يحيى بهذه الطريقة البشعة. رد العلماء على هذه المسألة بأن المقصود بأن الله عز وجل إنما أراد السلام والأمن والأمان من الناحية الدينية الشرعية، لا من الناحية الدنيوية. أي أن الله عز وجل أمن يحيى في دينه عند مولده، حتى قال: ﴿وسلام عليه يوم ولد﴾، أي سلمه الله وأمنه من الشيطان. وهكذا عند موته، أمنه الله عز وجل من الافتتان، أن يموت وهو على دينه، فلا يفتتن، أو يموت إذا مات في قبره، لا يخاف الضيم. قال علماء: ما هناك تعارض أصلا، فالله عز وجل ما أراد من السلام بمعنى أنه لا يؤذى في دنياه، يؤذى هذا لابد من الأذية، وإنما السلام أن الله أمن يحيى من الناحية الدينية، أنه أمنه على دينه، لا يغير ولا يبدل، أي اطمئن على دينك، فإن الله عز وجل سيسلمك في كل أحوالك، عند مولدك وعند موتك وعند مبعثك. هذا خلاصة ما يذكر عن يحيى عليه السلام. ننتقل إلى أبيه زكريا، زكريا خضنا معه في مقام، وأن الله استجاب له بيحيى، يحيى لم تدم به العشرة، مات أو قتل. طب، ما مصير زكريا؟ زكريا عليه السلام، نعم، وقع الخلاف بين أهل العلم في مصيره. أشار إلى هذا ابن كثير رحمه الله تعالى في تاريخه حول مصير زكريا عليه السلام، هل مات حتفًا أم مات قتلا؟ حتفًا يمكن، لأنه قد ذكرنا في الآيات السابقة: ﴿إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبة﴾، خلاص أصبح قاب قوسين من الموت، يمكن أن يكون مات حتفًا، فيه يمكن، ويمكن أنه قتل، الاحتمالات واردة. لكن أكثر العلماء يذهبون إلى مقتله، أكثر العلماء من علماء التاريخ والتفاسير وهكذا. ولهذا عندما يذكرون في قوله تعالى حاكيًا عن بني إسرائيل: ﴿تكفرون بالله وتقتلون الأنبياء بغير حق﴾، عند هذا الموطن من الكتاب، أن العلماء عندما يمثلون بقتل بني إسرائيل لأنبيائهم، يمثلون بيحيى وزكريا، كثيرًا يمثلون بيحيى وزكريا، أي أن هؤلاء قتلوا على يد بني إسرائيل. بقي ما سبب المقتل على القول بأنه قتل؟ نعم، ما عندنا روايات صحيحة تدل على هذا الباب، لكن أكثر العلماء يتداولون هذه القصة، مفادها أن سبب مقتل زكريا عليه السلام بسبب مريم، عندما وضعت، بأنه هو وراء إنجابها، لأن من الناس أتى معنا طعنوا في مريم، ورموا مريم بأنها بغي، بأنها زنت. طيب، من فعل بها الزنا على قول هؤلاء الكفرة؟ رموا زكريا، وسيأتي معنا علاقة زكريا بمريم، سيأتي معنا. فقالوا: الذي فعل بها هو زكريا. ولهذا أخذ يبحثون عنه لقتله، فتأتي الروايات تحكي على أن زكريا عندما هرب من بني إسرائيل، وأراد أن يجد ملجأ، فوجد شجرة فتحت له، فدخل إلى داخلها، وانغلقت عليه، حتى ينجيه الله عز وجل من تآمر قومه عليه. إلا أن الشيطان، كما في الرواية، استطاع أن يأخذ شيئًا من ثوبه، فانسدت الشجرة، وهذا الثوب متدلي من زكريا، وأراد الشيطان من ذلكم أن يوري بني إسرائيل مكان زكريا، فعلموا أن زكريا مختبئ تحت الشجرة أو داخل الشجرة، فأتوا بالمنشار، فشقوا الشجرة، فانشقت، وزكريا ماذا بداخلها؟ فشق إلى نصفين عليه السلام. هذه رواية، نعم، يذكرها أكثر العلماء. ولهذا من يعبر عن هذا الإمام القيم رحمه الله تعالى، عندما تحدث عن ابتلاء الأنبياء، قال: «ونشر بالمنشار زكريا». فشاهد أن الكثير من العلماء على هذه الروايات، من أن زكريا عليه السلام كذلكم قتل. فزكريا وهو الأب، وابنه يحيى قتلوا على يد بني إسرائيل، على ما سمعتم من الروايات التي ذكرتها لكم آنفا، ولها شهرة في كتب التفاسير. ننتقل الآن إلى بقايا آل عمران، ننتقل إلى مريم، كما ذكرت هذه الشخصيات مترابطة، زكريا، يحيى، مريم، عيسى، بينهم ترابط، بل حتى ليس فقط في الأحداث، بل حتى في الآيات. ولهذا تذكر عندما يذكر زكريا يذكر معه مريم، كما في سورة آل عمران، وكما في سورة مريم. وحتى نجمع شتات الأمر، نبدأ من أول ما نبدأ به. ذكرنا أن عندنا رجلًا صالحًا اسمه عمران، يحتمل أنه نبي، ويحتمل أنه من الصالحين، يحتمل هذا ويحتمل هذا، لكنه على العموم رجل على خيرية. هذا الرجل الصالح كانت له زوجة، زوجته أنجبت بنتًا، هذه البنت كبرت، تزوجت من زكريا عليه السلام، فكانت هذه الفتاة الكبيرة تزوجها زكريا. وكان كبيرًا. عمران رزق أيضًا ببنت أخرى، وهذه البنت الأخرى اسمها مريم. ومريم هذه أنجبت غلامًا من عيسى. واضح السلسلة الآن؟ فعندي رأس الهرم عمران، عمران له فتاة بنت أولى، بنت ثانية، البنت الأولى تزوجت من زكريا، أنجبت من يحيى، البنت الثانية آية من آيات الله، مريم، أنجبت من غير زوج، أنجبت من عيسى عليه السلام. إذن فإذا أردنا أن نربط، فإذن زوجة زكريا ما الذي تقرب لمريم؟ أختها، زكريا تزوج أخت مريم، إذا نزلنا عندي عيسى وعندي يحيى، ما الذي يقرب للثاني؟ ابنا خالة، ابنا خالة، ولهذا جاء في أكثر من حديث، منها حديث المعراج، عندما قال عليه الصلاة والسلام: «ثم إلى السماء الثانية فأذن له، قال: فإذا أنا بابني خالة، عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا، ابنا خالة». فأبن خالته لأن أمهما أخوات، زوجة زكريا ومريم أخوات، واضح؟ هذا يعني آل عمران، آل عمران أسر مترابطة، ولهذا أحداثهم متداخلة، فتجد يحيى هنا، وزكريا هنا، ومريم هنا، تجد أن يحيى يلتقي بعيسى، وأن زكريا يلتقي بمريم، كلهم كما قلنا في زمن واحد، في مكان واحد، وبينهم رابطة. إذن هذا سنسير على هذا، تحدثنا عن زكريا، تحدثنا عن يحيى، وسنعود إليهما، لأن كما قلنا سنحتاج في فهم قصة مريم، سنحتاج إلى زكريا عليه السلام، وسنعيده مرة أخرى في بعض أحداث وقائع مريم. نبدأ الآن، إخواني في الله، في أمر مريم، نبدأ مع أمها، أمها، أمها، نقول: نبتعد من الاحتمالات، نقول: زوجة عمران، هل هي الزوجة الأولى التي أنجبت الفتاة، أم هي امرأة ثانية؟ يحتمل هذا، يحتمل هذا. لكن نتفق على أنها زوجة عمران، حملت من عمران، عمران مات، توفاه الله عز وجل. هذه المرأة، وهي أم الأم، زوجة عمران، امرأة صالحة، وكان من صلاحها أنها دعت ربها في هذا النذر: ﴿إني نذرت لك ما في بطني محررا﴾، نذرت أن ما في بطنها هذا الجنين هو سيكون لك يا رب، معنى متفرغًا للعبادة والتعبد. انتظرت إلى أن وضعت، هي كانت تؤمل ماذا من هذا الدعاء؟ أن الله يعينها على أن تنتج، وأن تأتي بذكر، لأنها قد نذرت: ﴿هو لك﴾، هو لك يا رب، فكانت ترجو من الله أن يجعله ذكرًا، حتى ينتفع أكثر وأكثر في التعليم والخروج والبيان، وأن يكون نبيًا كذلكم. فلما وضعتها قالت: ﴿ربي إني وضعتها أنثى﴾، وتجد من كلامها أنها تريد الذكر، والله أعلم بما وضعت، وليس الذكر كالأنثى، والله أعلم بما وضعت، والله أعلم بما وضعت على قراءة ثانية، أي تتحدث عن نفسها، والله أعلم بما وضعت، الله يعلم بما وضعت. إذن وإني سميتها مريم، سمتها وتكفلت بتسميتها مريم. فحينها قامت زوجة عمران بأخذ هذه الطفلة المولودة، أخذتها إلى أين؟ أخذتها إلى بيت المقدس، وهي في خرقتها، لأنها قد نذرت: ﴿ما في هذا الصبي﴾، ما في هذا الجنين، هذا هو لله، لله نذر، فحملته وأخذت فحملت هذا الصبي، وهذه الجارية المولودة، وذهبت به إلى بيت المقدس، عند من؟ عند الأحبار والرهبان، هنا لكم وسلمتهم إياه. حينها تسارع هؤلاء إلى أخذها، وكيف لا يأخذونها؟ وقد علموا أن هذا الصبي، هذه الفتاة، هي وقف لبيت المقدس، هذا لله. في ذن أعطوه اهتمامًا عظيمًا، فتزاحم على تربيتها، وأيضًا هذه البنت تعود لمن؟ تعود لعمران، وعمران كما قلنا: قيل أنه نبي، وإلا قيل أنه من صالحيهم، فهذا أقل درجة، فهذه بد تعود إلى أسرة صالحة. ولهذا ماذا صار؟ تنازع فيما بينهم، وصل التنازع في مسألة ماذا؟ الكفالة، الكل يحب أنه يقوم بكفالتها، عندي يقول: عندي أنا، عندي أنا، سأتقوم بالعناية، أو بالتربية، تكون تحت ناظري، تحت كفالتي. حتى تنازع فيما بينهم، وصل الحل في هذه القضية إلى ماذا؟ إلى القرعة. وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم، وما كنت لديهم إذ يختصمون. يا محمد، ما كنت هناك أن تحاضر في ذلكم الزمن، حين تخاصم العباد والرهبان من بني إسرائيل من علمائهم في كفالة مريم. وما كنت لديهم إذ أن الأمر وصل إلى القرعة، حينها اتخذت القرعة، فصار الأمر إلى من؟ صار الأمر إلى زكريا عليه السلام. الآن رجعنا لنتبه لحد يقول لي: كيف أنت قد قتل قبل ما اقتل؟ الآن نرجع إلى زكريا، هذا لازال حي، لأن كما قلنا: لا أحداث مترابطة، هذا في وقت زكريا حي. الآن سنعود، نذهب ونرجع، نذهب وسنعود بيحيى مرة ثانية، كما قلنا، هنا نبدأ، لأنني عندي عبارة عن قصص منفصلة في زمن واحد، قصة زكريا مع يحيى تمشي، وقصة مريم مع عيسى تمشي، هذه تمشي وهذه في وقت واحد، وهذه آية من آيات الله، لهذا نجمع بينهما. نأتي الآن إلى مريم، مريم في صغرها، عندما تنازع الناس في كفالتها، جاء السهم إلى زكريا، كما قاربنا، وكفلها زكريا، وقعت الكفالة زكريا. نرجع وما قرابت زكريا بمريم؟ مريم ما الذي تقرب لزكريا؟ أنه متزوج من أختها، متزوج من أختها، هذه العلاقة. فقام زكريا عليه السلام برعاية مريم. ننتقل الآن إلى مسألة ثانية، وهي مسألة نشأة مريم، أصبحت مريم تنشأ في بيت المقدس، وتكبر وتترعرع في هذا الباب. وأصبحت من العابدات ومن الشابات القانتات، ففعلت أمرًا، وهو ما ذكره ربنا: ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ اتخذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا﴾. بيت المقدس كبير، كبير، فيه أهل الربانية والعباد، ومن منقطعين بالعبادة من بني إسرائيل، من عبادهم، من علمائهم، ومنهم مريم، في المكان الشرقي من المسجد، اتخذت محلا، لكن هذا المحل ليس مكشوف، بل عليه حجاب، عليه حجاب، سدته بمسد. ما المراد من هذا الحجاب؟ التفرغ التام، تتفرغ لله جل في علا، لا أحد يدخل عليها، ما أحد يشغلها، وإنما تنكب على كتاب الله، وهي التوراة، وعلى تعليمه، وعلى ذكر الله، قم في التعبد والتبتل، حبب ذلك إليها. وكان من يدخل عليها كفيلها من زكريا، فكان زكريا يتفاجأ من أمر غريب عجيب، كلما دخل عليها زكريا المحراب، وجد عندها رزقًا، قال: ﴿يا مريم أنى لك هذا﴾، قالت: ﴿هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾. كانت هذه، كما سيأتي معنا بإذن الله في درس غد، من أوائل الإرهاصات، الإشارات التي تأتي وتذهب إلى مريم، وهو ما يكون من أمر الرزق، يأتيها من عند الله، يأتيها فاكهة يأتيها في غير موسمة، يجد تجد الرزق تحتها. زكريا الآن سنعيد قصته قبل فترة، زكريا لم يرزق بيحيى، حينها تذكرون في قصة زكريا، قلنا أن زكريا دعا ربه في المحراب: ﴿ربي إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبة﴾، كان من أعظم دوافع هذا الدعاء شيء رآه في مريم، قد ذكرت هذا لكم، ما هذا الشيء الذي وجده في مريم؟ جعله يتعلق بالله أكثر فأكثر. هذا كلما دخل زكريا دخل عليها زكريا المحراب، وجد عندها رزقًا، قال: ﴿يا مريم أنى لك هذا﴾، قال: ﴿هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾، هناك دعا زكريا ربه، لما رأى زكريا عظيم قدرة الله، وأن الله يرزق من يشاء بغير حساب، حينها زاد طمعه بربه: ﴿رب هب لي وارزقني ذرية طيبة﴾، هنا دعا زكريا ربه، ثم جاءت الآيات القرآنية في بيان ما صار لزكريا. الشاهد ترعرعت مريم على هذا الخير، فاتخذت من دونهم حجابة، وأصبحت تشتغل بذكر الله. بينما هي في هذا المقام، ظهر الأمر الثالث من الإرهاصات، انتبه، الأمر الأول هو ماذا؟ هو التحبب للتعبد، الأمر الثاني الرزق، الأمر الثالث خطاب الملائكة، أصبحت الملائكة تنزل وتتكلم معها، تخاطبها، وكل ذلك تمهيد لما سيأتي لمريم. وهذه تسمى إرهاصات، كما وقع للأنبياء، وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام، أنه كان تأتيه أشياء، وهذا سيأتي معنا بإذن الله في درس غد. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.