أحاديث قيام الليل 3

أحاديث قيام الليل 3

الدرس في أحاديث قيام الليل 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

باب ترك القيام للمريض ونزول سورة الضحى

ترك النبي ﷺ قيام الليل ليلة أو ليلتين بسبب المرض، فاحتبس الوحي وقال قائلون: أبطأ عليه شيطانه، فأنزل الله سورة الضحى تكذيباً لهم وتثبيتاً لرسوله. أكدت السورة أن الله لم يودعه ولم يقله، وبشرته بالرضا والعطاء.

عذر النبي ﷺ في ترك قيام الليل وحكم قضائه

بيّن العلماء أن للمريض أجر عمله المعتاد، وأن قضاء قيام الليل يكون بالنهار كما فعلت عائشة رضي الله عنها. ردّ المقطع قول من زعم أن الله قلى نبيه بأنه قول زوجة أبي لهب لا خديجة.

فضل الآخرة على الدنيا وجواز ترك قيام الليل للمريض

أكد المقطع أن نعيم الآخرة لا يقاس بنعيم الدنيا لفناء الدنيا وبقاء الجنة، مستشهداً بآيات وأحاديث تصف عظمة ما في الجنة. اختتم ببيان جواز ترك قيام الليل للمريض مع وجوب قضائه فيما بين طلوع الشمس وزوالها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب ترك القيام للمريض"؛ أي: ترك قيام المريض، أي: قيام الليل. قال رحمه الله: حدثنا أبو نعيم، وهو الفضل بن دكين، قال: حدثنا سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله، عن الأسود، وهو ابن قيس النخعي، قال: سمعت جندبًا يقول: اشتكى النبي عليه الصلاة والسلام، فلم يقم ليلة أو ليلتين. قال: حدثنا محمد بن كثير، وهو العبد، قال: أخبرنا سفيان الثوري، عن الأسود بن قيس، عن جندب بن عبد الله، قال: احتبس جبريل... قال: احتبس جبريل على النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت امرأة من قريش: "أبطأ عليه شيطانه"، فنزلت: ﴿ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾. فهذا الحديث ذكر عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام اشتكى بعد ما أمره الله عز وجل بالقيام وبالصلاة، فلم يقم ليلة أو ليلتين. وقواه بعضهم أنه احتبس جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أو ليلتين، وهذا بعدما تتابع الوحي، وبعد ما جاء جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، اعترضه وهو آت من غار حراء، فناداه: "يا محمد"، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه فلم يجد أحدًا، والتفت عن يساره فلم يجد أحدًا، ولا أمامه ولا خلفه، ثم رفع بصره، فإذا الملك الذي جاءني بغار حراء جالس بين السماء والأرض على كرسي، فأخذتني رعدة حتى غشي عليّ، عليه الصلاة والسلام، خاف من هذا المنظر حتى غشي عليه، قال: فحملت إلى خديجة، وقلت: "دثروني، دثروني"، فأنزل الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾، فقام النبي عليه الصلاة والسلام، وتتابع الوحي بعد ذلك، فدعا الناس إلى دين الله جل وعلا، واجتهد عليه الصلاة والسلام وحرص حرصًا عظيمًا على دعوة الناس إلى هذا الخير، فتتابع عليه الوحي، وجاءه جبريل كل ليلة، ثم أنه احتبس عليه فلم يأتِ ليلتين، فعرف ذلك في طبع النبي عليه الصلاة والسلام أو في خلقه، فقالت امرأة من قريش، قيل: إنها زوجة أبي لهب، زوجة عمه أبي لهب، لأنها كانت قريبة منه، كان بيت أبي لهب بجانب بيت النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت هذه المرأة هذا الكلام، قالت: "أبطأ عليه شيطانه"، وجاء في رواية أنها قالت: "ما أظنه... ما أظنه إلا قلى"، أي: قذبه، وجاء في رواية أنها خديجة التي قالت هذا، لكن لم يصح ذلك. فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: "إن ربك قد قلاك"، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾، لم يتركك ربك ولم يغضب عليك. ووجه الشاهد هنا في هذا الحديث الرواية الأولى، وهو قوله، قول جندب: "فلم يقم ليلة أو ليلتين"، فلم يقم ليلة أو ليلتين، أي: أنه لم يقم الليل لأن جبريل يأتيه في ذلك الوقت، فلم يقم النبي عليه الصلاة والسلام لعدم إتيانه، وقد أمر الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقوم الليل: ﴿ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴾، و﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ ﴾. وقيل: أن البخاري رحمه الله أراد أن يبين أن من اشتكى في الليل فله عذره، فقوله: "أن اشتكى النبي عليه الصلاة والسلام"، أي: مرض، أي: مرض عليه الصلاة والسلام، فلم يقم ليلة أو ليلتين. وجاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا اشتكى في الليل فلم يقم، صلى 12 ركعة في النهار، صلىها شفعًا، 12 ركعة، وهذا قضاء صلاة الليل. فمن كان مواظبًا على الوتر مثلًا ثلاث ركعات، فله أن يصليها إذا لم يستطع أن يقوم، أو مرض، أو أصابه عذر فلم يستطع أن يصلي، فإنه يقضيها ما بين طلوع الشمس قدر رمح إلى زوالها، أو إلى قرب زوالها، يصلي أربع ركعات، هذا إذا كان يداوم على ثلاث، وإذا كان يداوم على أحد عشر مثل النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه يصليها 12 ركعة، 12 ركعة. وفي هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: أن المريض يتحصل على أجره إذا لم يعمل العمل لعذر المرض، كما جاء في حديث أبي موسى: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا"، وجاء نحوه أيضًا من حديث عبد الله بن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "ما من عبد يكون له صلاة يغلبه عليها نوم إلا كتب له أجرها، وكان نومه عليه صدقة". والظاهر أيضًا أن هذه المرأة لم تسمع النبي عليه الصلاة والسلام يصلي، وعرفت شكواه، فلهذا قالت: "إن ربك قد قلاك"، أو قالت امرأة من قريش: "أبطأ عليه شيطانه"، أما هذه الكلمة فبعيد أن تقولها خديجة، ولهذا جاء في بعض الطرق في السيرة أن التي قالت هذه الكلمة هي زوجة أبي لهب، لأنهم كانوا جيران النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، أيضًا في هذا الحديث فيه أن الله عز وجل أكرم نبيه عليه الصلاة والسلام بهذه الرسالة العظيمة، وأنه رضي عنه وأحبه، وأنه سبحانه وتعالى يريد هواه ورضاه، أي: يحب أن يرضي النبي عليه الصلاة والسلام، حتى قال في هذه السورة: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ ﴾، أي: سيعطيك حتى يرضيك، سيعطيك ربك حتى يرضيك، لكن قال الله عز وجل: ﴿ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ ﴾، أي: قدّم هذه على تلك، وللآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى، معنى أن الله عز وجل سيعطيك حتى يرضيك من هذه الدنيا، لكن الآخرة خير لك من هذه الدنيا، فالآخرة فيها أعظم، ولا يقاس عليها الدنيا، وإن كانت هذه الدنيا ضرتها ومقابلتها، لكنها لا تستوي أبدًا، لا في وقتها وعمرها، معنى الآخرة لا تفنى، الجنة لا تفنى، بخلاف هذه الدنيا فانية، أيضًا كذلك ما فيها من هذه الدنيا لا يساوي شيئًا بالنسبة لما في الجنة، فعن كل النعيم الذي في الدنيا هذا لا يساوي شيئًا بما يكون في جنة الله جل وعلا. لهذا النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة يبين أن الأشياء التي قد تكون أقل شيء في الجنة هي خير من الدنيا وما فيها، أحيانًا يذكر المناديل، وأيضًا أحيانًا يذكر الروحة والغدوة في الجنة خير من الدنيا وما فيها، وغير ذلك مما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، فلا يستوي نعيم الجنة بنعيم الآخرة أبدًا، حتى كما قال ابن عباس: حتى الأسماء التي توجد في الدنيا إنما هي تتشابه الأسماء، مجرد اسم فقط يشبه هذا الاسم الذي في الدنيا، مثلًا الفواكه التي في الدنيا أسماءها موجودة في الجنة لكن ليست مثلها. عن النبي عليه الصلاة والسلام: "طُفت في الجنة، فرأيت نبقها كأنه قلال هجر"، النبق والدوم التمر في السدر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "في الجنة رأيت نبقها كأنه قلال هجر"، وقلال هجر هي من أكبر القلال التي تفعل في ذلك الوقت، وهجر هذه منطقة قريب مكة، معنى الدوم: الواحدة مثل القلة كبيرة جدًا، فلذا فلا يستوي، فلذا قال الله عز وجل: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ ﴾. وأيضًا فسرها بعضهم العلم، أن المراد: ﴿ فَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ ﴾ أي: في الجنة، فقال بعض عن ابن عباس أنه قال: "فأعطاه ألف قصر في الجنة من لؤلؤ، ترابها المسك، في كل قصر ما ينبغي له، مكاء متكامل أو كامل، كل ما يحتاجه". أيضًا في هذا الحديث فيه صبر النبي عليه الصلاة والسلام على الأذى، كان يؤذى حتى من بعض من يكون قريبًا له من أهله من الكفار، فكان يصبر عليه الصلاة والسلام. وأيضًا في هذا الحديث أن الله عز وجل ذكر أنه لا يغضب على نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ﴾. وخلاصة وجه الشاهد في هذا الحديث أو في هذا الباب: أن المريض له أن يترك قيام الليل لأجل المرض، لكنه إن كان مواظبًا عليه فإنه يقضي ذلك اليوم، أو تلك الصلاة، قد جاء في حديث عمر في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "من نام عن حزبه في الليل، أو قال: عن وكره في الليل، فليقضه ما بين طلوع الشمس وزوالها"، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر