أحاديث قيام الليل 4

أحاديث قيام الليل 4

الدرس في أحاديث قيام الليل 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

رؤيا عبد الله بن عمر وتحريض النبي له على قيام الليل

يروي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما رؤيا اقتيد فيها إلى النار فاستعاذ بالله، فلقيه ملك وبشره بالأمان، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل"، فالتزم قيام الليل بعد ذلك.

تفسير النبي لرؤيا عبد الله بن عمر وفوائد قيام الليل وآداب الرؤيا

فسر النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا بأن عبدالله رجل صالح من أهل الجنة ينقصه قيام الليل، واستنبط الحديث جواز قص الرؤيا على العالم، وفضل قيام الليل، وأن الرؤيا المخيفة قد تكون إنذاراً من المعصية، ومشروعية الاستعاذة من النار.

فضل قيام الليل وطول سجود النبي صلى الله عليه وسلم فيه

يبرز المقطع فضيلة عبدالله بن عمر وأهمية قيام الليل كدليل كمال العبودية، مستشهداً بحديث عائشة عن صلاة النبي إحدى عشرة ركعة وإطالة السجود قدر قراءة خمسين آية، جامعاً بين وقت النزول الإلهي وحال السجود الأقرب للإجابة.

فضل الدعاء في السجود وقيام الليل وختام الفوائد

يشير الحديث إلى أن السجود وقت مستجاب فيه الدعاء، فيكثر العبد من الدعاء في قيام الليل، ويعد هذا من فوائد الحديث التي سيكمل شرحها لاحقاً.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإِن شاء الله تعالى نأخذ لهم قراءة في الصحيح البخاري، نجعل الصحيح المسند يوم الاثنين فقط. قال البخاري رحمه الله: «باب فضل قيام الليل». قال: حدثنا عبد الله بن محمد، وهو المسند الجعفي، قال: حدثنا هشام، قال: أخبرنا معمر. وهشام هو ابن يوسف القاضي الصلعاني. هشام إذا -كما ذكرنا قبل- إذا رأيت هشامًا وبعده معمر أو ابن جريج فهو هشام ابن يوسف الصلعاني، وإذا رأيت هشامًا قبل عروة فهو هشام بن عروة، وإذا رأيت هشامًا قبل قتادة أو يحيى بن أبي كثير فهو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وإذا رأيت هشامًا قبل ابن سيرين أو الحسن فهو هشام بن حسان. وهناك أيضًا هشام آخرون ممن يسمى بهشام لكن روايتهم قليلة، مثل هشام بن جبير وهكذا. طيب، قال: أخبرنا معمر، وهو ابن راشد أبو عروة اليماني البصري، أو البصري اليماني، أنا أصله بصري لكن نزل اليمن. وقال: حدثني محمود، وهو ابن غيلان، قال: حدثنا عبد الرزاق، وهو ابن همام الصنعاني، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما. «قال: كان الرجل في حياة النبي عليه الصلاة والسلام إذا رأى رؤية قصها على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال عبد الله بن عمر: فتمنيت أن أرى رؤية فأقصها على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكنت غلامًا شابًا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار. قال: فلقيني ملك آخر فقال لي: لم ترع، لم ترع، لا تخف، أو لا تخف، لم ترع، لا يجعل الله لك خوفًا. قال: فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل. نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل». قال سالم: فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا. فهذا الحديث ذكر فيه عبد الله بن عمر أن الرجل في حياة النبي عليه الصلاة والسلام إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال عبد الله بن عمر: فتمنيت أن أرى رؤيا. كان الناس من الصحابة إذا رأى أحدهم رؤيا يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بها حتى يفسرها له. فقال عبد الله بن عمر: فتمنيت أن أرى رؤيا، فرأى هذه الرؤيا التي ذكرها في الحديث، رأى كأن ملكين أخذاه فذهبا به إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، ليست مفروشة ولا مبسوطة بل مطوية، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، أنا لعله عرفهم عندما كانوا في الجاهلية أو غير ذلك، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار. قال: فلقيني ملك آخر فقال: لم ترع. ففسرها النبي عليه الصلاة والسلام أنه رجل صالح، وأنه ليس من أهل النار بل من أهل الجنة، لكنه ينقصه قيام الليل، ينقصه قيام الليل. وهذا لا شك أنه فضل عظيم لقيام الليل وفضله يبلغ هذا المبلغ. وفي هذا الحديث عدة مسائل: أولًا: أن الرؤية كانت تقص على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنها كانت من الوحي، فهي كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام جزء من ست وأربعين جزءًا من النبوة، فلذلك كانوا يقصونها على رسول الله حتى يفسرها لهم. أيضًا فيه استحباب تمني الرؤية الصالحة ليعرف العبد مقامه عند الله، وأيضًا يتمنى فيها الخير حتى يرجو بهذه الرؤية الخير. وأيضًا في هذا الحديث فضل قيام الليل. وقبل ذلك أيضًا فيه رؤية العبد الملائكة في المنام كما جاء في هذا الحديث. وفيه أيضًا أنه قد يرى الإنسان رؤية أو رؤيا لأمور مهولة، أمور مفزعة، لكن لأجل الحذر حتى لا يقع فيها، وكأنه إنذار من الله عز وجل أنك إن استمررت على هذا الأمر فإن موعدك هذا النار، فتكون تخويفًا على هذا الأمر الذي تراه مفزعًا في هذا المنام. بعض الناس مثلًا يرى بعضهم أنه يسقط من شاهق من مرتفع، بعض الناس يرى أيضًا أشياء سيئة، لكن في الأخير ينصرف عنها ويبتعد عنها، وهذا هو الخير، أنك تبتعد عن هذه الأمور، أو يكون كما قلنا تحذيرًا لك وتخويفًا لك من الاستمرار في شيء معين، إما في أخذ أموال ليست لك، أو في تمشي على طريق ليست صحيحة، وغير ذلك مما قد يستفاد من هذه الرؤى. وأيضًا في هذا الحديث الاستعاذة من النار، استعاذ بالله عز وجل من النار. وفيه أيضًا التبشير بالخير وعدم الخوف، فقال الملك لعبد الله بن عمر: لم ترع، أي لم تخف، أي لا روعة عليك ولا ضرر، فلا تخف بل آمن قلبك. وأيضًا في الحديث شأن عبد الله بن عمر أن يقصها بنفسه على النبي عليه الصلاة والسلام، فأخبر أخته أم المؤمنين حفصة حتى تقص هذه الرؤيا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأيضًا فيه فضيلة عبد الله بن عمر، أما قال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم الرجل عبد الله، نعم الرجل عبد الله، ففيه فضيلة عبد الله بن عمر، وأن النبي عليه الصلاة والسلام أثنى عليه، لكن ذكره بشيء يكمل به صلاته. وجاء في رواية مسلم: «عبد الله بن عمر، عبد الله رجل صالح، رجل صالح، لو كان يقوم من الليل». فدل على أن كمال الصلاة وكمال العبودية أن العبد يواظب على قيام الليل. فلذلك فهذا الحديث فيه فضيلة لقيام الليل، وأن قيام الليل هو من صلاح العبد وكمال صلاحه، وأيضًا استمرار صلاحه. لماذا؟ لأن العبد إذا قام الليل دعا الله فثبته الله عز وجل على الخير، فثبته الله عز وجل على الخير، فلذلك كان هذه فضيلة لقيام الليل. قال: حدثنا أبو اليمان، وهو الحكم بن نافع، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عروة، عن الزبير، أن عائشة رضي الله تعالى عنها أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي إحدى عشرة ركعة. قال البخاري: «باب طول السجود في قيام الليل». وذكر هذا: «كانت تلك صلاته، يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للصلاة». فهذا الحديث ذكره هنا، وسيذكره إن شاء الله تعالى، ونتكلم على مسألة صلاة الليل وعدد ركعاتها فيما سيأتي إن شاء الله. لكن هنا ذكر صفة من صفات قيام الليل، وهو طول السجود، طول السجود في قيام الليل. فكانت قالت: كانت تلك صلاته، يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه. أي: النبي عليه الصلاة والسلام كان يسجد السجدة في صلاة الليل قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية. وأنا كما ذكر بعض العلم: خمسين آية المتوسطة، ليست بالطويلة ولا بالقصيرة، وهذا يستغرق ثلث ساعة أو أكثر أو أقل، أنا في هذا الحدود، فيسجد ذلك الوقت كله عليه الصلاة والسلام، أي كان سجوده طويلًا. وهذه صفة من صفات قيام الليل، أن السجود يكون فيها طويلًا، لأنه وقت دعاء، وأقرب ما يكون العبد من ربه جل وعلا وهو ساجد، فيجتمع أنه ثلث الليل عند نزول الرب جل وعلا، ويجتمع أنه ساجد، وهو وقت من أوقات الدعاء واستجابة الدعاء. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فإنه حري أن يستجاب لكم». فيستكثر العبد في دعائه في قيام الليل. طيب، إن شاء الله تعالى نكمل بقية فوائد هذا الحديث فيما سيأتي، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.