الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 299، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث هذا الفصل عن الأعمش، أحد حفاظ الحديث الكبار، وعن طريقة حفاظ الحديث في الرواية وعدم إعطاء الحديث لكل أحد. كان الأعمش معروفًا بعسره في الرواية وكان حفاظ الحديث يتبعون طريقة دقيقة في نقل الحديث.
يُظهر هذا الفصل خوف الصحابة من النفاق واتهامهم لأنفسهم بالتقصير، حيث كانوا يخافون على أنفسهم من الوقوع في النفاق أو ما يغضب الله. يُدلل على ذلك بأحاديث لعمر وحذيفة وأبي بكر.
يذكر هذا الفصل خوف السلف من النفاق، حيث سأل عمر بن الخطاب حذيفة هل سماه النبي من المنافقين. ويبين أن النبي أخبر حذيفة بأسماء المنافقين الذين تآمروا عليه في العقبة.
يشير هذا الفصل إلى اكتفاء الراوي بما ذكر في الحديث، ويعبر عن علم الله تعالى الشامل. يشكل هذا خاتمةً للحديث السابق ويُظهر أهمية الرضا بعلم الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال شيخنا مقبل -رحمه الله- من هذه الوارد في مسند حديثه: قال البزار -رحمه الله- كما في كشف الأستار. قال البزار: هو أحمد بن عبد الخالق، كان حافظًا، حفاظ الحديث، وألف كتاب البحر الزخار، وهو مسند مسند على طريقة مسانيد الصحابة. وهنا الشيخ -رحمه الله- في فترة لما كان يكتب لم يرَ البحر الزخار، أي لم يطبع بعد، فكان يأخذ من كشف الأستار، وكشف الأستار هو للهيثم، كشف الأستار للهيثم في زوائد البزار، زوائده على الكتب الستة. قال البزار -رحمه الله- كما في كشف الأستار: حدثنا عبد الواحد بن غياث، وهو من مشايخه الثقات، قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم، وهو القسملي، وهو ثقة، قال: حدثنا الأعمش، وهو سليمان بن مهران أبو محمد الكوفي. والأعمش لقب؛ لأنه كان يعمش في عينيه، وكان حافظًا من حفاظ الحديث الكبار، وكان عسرًا في الرواية، لا يعطي الحديث بالشدة، ولا يعطيه لأي أحد. ولهذا حصلت له قصص كثيرة بسبب عسره في الحديث، حتى إنه مرة قال لبعض أصحابه: ائتني بحلاق، ليس من أهل الحديث، ولا يتكلم كثيرًا. وجاء له بحلاق، ثم حلق له نصف رأسه. فلما حلق له نصف رأسه، قال له: قم. وسأله عن بعض الأحاديث أو عن الحديث، فغضب وخرج وترك نصف رأسه محلوقًا، والنصف الآخر لا يزال فيه. وهكذا أيضًا حصلت له أيضًا أن بعض شباب أهل الحديث من أهل الكوفة لقي الأعمش في الطريق، يريد جنازة، يريد جنازة يحضرها، فأخذه هذا الشاب إلى هذه الجنازة. ثم لما رجع؛ لأنه ما يرى عنده عمش شديد حتى لا يكدره. فلما رجع من الجنازة، أخذه إلى خارج المدينة، ثم قال له: الآن أنت خارج المدينة، أطلعني على أحاديث. وسأرجعك إلى أهلك. فحدثه بأحاديث في لوح، فكتبها، ثم أرجعه إلى المدينة. وفي السوق أمر هذا الشاب أعطى الألواح لرجل يعرفه. ثم لما ذهب به إلى بيته، مسكه الأعمش، قال: هات الأحاديث التي حدثتك بها على الألواح. فقال: قد أعطيتها لمن يأخذها إلى أهلك. فقال له: كلها كذب. قال: أنت أتقى أن تكذب على رسول الله ﷺ. فتركه. وغيرها من القصص الكثيرة في تراجمه من عسره للحديث؛ لأنه ما كان يحدث إلا من يعرفه. وهذه طريقة عنده في العلم، ليس بخلًا، ولا أيضًا كذلك شيئًا، وإنما هي طريقة من طرق أهل العلم، يرون أن هذا الحديث دين يتدين به، فلهذا لا يعطى إلا من هو أهل لذلك. فلا يعطى إلا لمن هو أهل لذلك. ولهذا أحيانًا يصر بعض الناس، كان الأعمش إذا جاءه سفيان الثوري حدثه وحده، وحدثه وحده، وكان يقول لهم: لما لا تكونوا مثل صاحبكم؟ فكان بعضهم يقول: وهل نستطيع مثل صاحبنا؟ لأن سفيان كان يحفظ، فيحدثه مرة فيحفظ، ويذهب، ولا يسأله عن شيء، ولا يقف في شيء. فلهذا فقلنا: إن طريقة بعضهم في الحديث عسر من هذا الباب؛ أنهم لا يريدون أن يحدثوا كل أحد، وإنما يريدون أن يضعوا هذا الحديث في أهله. انظر إلى هذا الأعمش مع ما يذكرونه من عسره، إلا أنك إذا نظرت إلى حديثه فهو كثير. إذا نظرت إلى حديث الأعمش هو كثير، بل هو لعله أكثر أهل الكوفة حديثًا، يعني لا أحد من أهل الكوفة أكثر منه حديثًا إلا ما كان من سفيان الثوري، يعني. وسفيان الثوري يعتبر من كبار الأئمة، لكن في طبقاته، حتى أبا إسحاق السبيعي -رحمه الله- لا يأتي الأعمش، أو لا يصل إلى الأعمش في حديثه، مع أن أبا إسحاق كان كثير الحديث. وهذا يدلك على أنهم ما كانوا يمنعون الحديث لأجل شيء، وإنما لأجل أن يضعوه في أهله. فما يحدثون إلا من يرون أنه أهل لهذا الحديث، سيحمل هذا الحديث كما أعطي، وسيحافظ عليه؛ لأنه دين. فلهذا كانوا -رحمهم الله- يفعلون ذلك. قال: حدثنا الأعمش عن أبي وائل، وهو شقيق بن سلمة الثقفي من ثقيف من الطائف، وهو مخضرم. أبو وائل مخضرم، وإيش معنى مخضرم؟ كما نكرر أكثر من مرة: أبي وائل مخضرم، فإن كما نكرر مخضرم أو أسلم بعد موت النبي ﷺ أو في حياته، لكنه لم يره. المخضرم هو الذي أدرك الجاهلية قبل بعثة رسول الله ﷺ، قبل أن يبعث النبي ﷺ، يسمى جاهلية. فأبو وائل أدرك سبع سنوات من بعثة رسول الله ﷺ، أي قبل أن يبعث النبي ﷺ، وأبو وائل أي لما بعث النبي ﷺ، وأبو وائل له سبع سنوات، فهو قد أدرك الجاهلية وأدرك أيضًا الإسلام، لكنه هو أسلم في عهد النبي ﷺ، لكنه لم يأتِ إلى المدينة إلا في عهد عمر، أتى إلى المدينة في عهد عمر، ثم لزم ابن مسعود، ودخل الكوفة، وكان من حفاظ أصحاب عبد الله بن مسعود. ولزم أيضًا حديث علقمة بعدما مات عبد الله بن مسعود، كان أصحاب حديثه تحولوا أو أصحاب عبد الله بن مسعود تحولوا إلى حديث علقمة، وسمعوا منه الأحاديث. قال عن علقمة: منهم من تحول إلى مسروق، ومنهم من تحول إلى مسروق بن الأجدع. قال عن علقمة: قال: دعيت عمر لجنازة، فخرج فيها أو يريدها، فتعلقت به، أنا مشيت معه. فقلت: اجلس يا أمير المؤمنين -أو كأنه مسكه- فقلت: اجلس يا أمير المؤمنين؛ فإنه من أولئك. فقال: نشدتك بالله، أنا منهم؟ فقال: لا، ولا أبرئ أحدًا بعدك. قال: هذا حديث حسن، وهذا الحديث في الصحيحين حديث عمر، لكن هنا من حديث علقمة. أخرجه البزار. أنا أصل الحديث موجود في الصحيحين، لكن ليس بهذه القصة، وإنما أن عمر لقي علقمة، فقال: يا علقمة، أنشدك بالله، هل سماني رسول الله ﷺ من المنافقين؟ فقال: لا، ولا أبرئ أحدًا بعدك، ولا أبرئ أحدًا بعدك. فهذا الحديث فيه ما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم- من خوف شديد. عمر قد بشره النبي ﷺ بالجنة، إلا أنه يخاف على نفسه النفاق. وكما قال أبو رجال العطاردي -رحمه الله-: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ، كلهم يخاف على نفسه النفاق، ليس فيهم من يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل. فالصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يخافون. وانظر إلى الحديث الذي يخرجه الإمام مسلم، حديث حذيفة: أنه قال: يا أبا بكر، قال: يا أبا بكر، نافق حذيفة. قال: وما ذاك؟ قال: كنا نكون عند رسول الله ﷺ فيعظنا، فكأننا نرى الجنة والنار رأي عين. فإذا ذهبنا إلى أهلينا لاعبنا الأبناء، وعافسنا الزوجات، ونسينا. فقال أبو بكر -رضي الله عنه-: كلنا نجد ذلك. فذهبوا إلى النبي ﷺ، فقال: يا حذيفة، لو أنكم تدومون على ذلك لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن يا حذيفة، ساعة وساعة. وقد جاء أيضًا هذا الحديث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، أخرجه المخرجون، أخرجه الإمام محمد. وفيه أن الصحابة -رضي الله عنهم- جاءوا إلى رسول الله ﷺ، وقالوا: يا رسول الله، النفاق، النفاق. قالوا: ما ذاك؟ وذكروا مثل حديث حذيفة. فهذا يدل على أن الصحابة كانوا يتهمون أنفسهم. وهذا كما ذكر الإمام الحافظ ابن رجب، كذلك ذكره الإمام ابن القيم: من أعظم الأشياء في تربية النفس أن الإنسان يتهم نفسه، يتهم نفسه، لا يجعل مجالًا للعجب والغرور وغيرها من هذه الأمراض التي تتسلل إلى نفسه، وإنما يجعل الاتهام على نفسه، وأنها مقصرة، وأنها كذا، ويخاف على نفسه أن يقع في النفاق، يخاف على نفسه أن يقع فيما يغضب الله، لا يأمن على نفسه. يقول: أنا طالب علم، أنا كذا، أنا آمن على نفسي. لو وضعوني في مكان في فتنة، ما سأفتتن. بعض الناس يظن هذا، وإن كان لا يقوله، لا يقوله بلسانه، لكن يقوله في نفسه، يظن أنه لأنه ابتلي مثلًا من أماكن الفتن قوي قلبه، فهو يظن أنه لو وضع في أماكن الفتن لنجا، ولفعل كذا وكذا. لكن هذا لم يكن السلف على هذا، بل يتهمون أنفسهم. سعيد بن المسيب، وهو إمام من أئمة التابعين، بل بعضهم فضله في العلم على سائر التابعين، أنا في العلم على أنه أعلم التابعين. فهذا سعيد بن المسيب قال: لو أمنوني على امرأة سوداء، أو على جارية سوداء، ما أمنت نفسي، ما أمنت نفسي. والحق أنه مثل هؤلاء قد لو أمنوه على امرأة جميلة، لا أمن، ولم يفعل بها شيئًا؛ لأنهم أصحاب دين، لكن يتهمون أنفسهم؛ لأن النفس إذا غررت، والنفس إذا أعطيت ما أمنت، فإنها تفسد بسرعة. ولهذا كان السلف -رحمهم الله- يغمطون أنفسهم ويتهمونها. فهذا عمر -رضي الله عنه- وهو قد بشر بالجنة، يقول لحذيفة: هل سماني رسول الله ﷺ من المنافقين؟ وهذا يدل كما قلنا على خوف السلف -رحمهم الله-. عمر -رضي الله عنه- وهو في آخر حياته، ودخل عليه ابن عباس، ويقول: يا أمير المؤمنين، قد نصر الله بك الأمصار، وفعل الله بك، وفعل. يعني الله عز وجل نصر بك الإسلام. فأنت على قدم راسخة. فقال: وددت أنه لا لي ولا عليَّ، وددت أنه لا لي ولا عليَّ، لا لي شيء، ولا عليَّ شيء. فكانوا على خوف شديد. قد ذكر الإمام ابن القيم عدة نصوص عن السلف في خوفهم من الله جل وعلا، وكذلك خوفهم من النفاق. وقد قال البخاري عن الحسن: ذكر البخاري عن الحسن بن أبي الحسن البصري، أبو سعيد: أنه كان يقول: ما أمنه إلا منافق، أو قال: ما أمنه إلا منافق، وما خافه إلا مؤمن. أي النفاق. ما أمن النفاق إلا منافق، وما خاف النفاق إلا مؤمن؛ لأن الذي يأمن على نفسه مثل هذه الأشياء فهو سيقع فيها لا محالة. فلهذا فإن من تربية النفس على الطاعة، ومن تربيتها على الأخلاق والتدين، أن الإنسان يغمط نفسه ويتهم نفسه، لا ينبغي أن يأمن على نفسه، لا ينبغي أن يأمن على نفسه. لكن إذا وقع في شيء من الفتن، فالواجب أن يتق الله عز وجل، الواجب أن يتق الله عز وجل. قال: دعيت عمر لجنازة، فخرج فيها أو يريدها، فقلت -أو فتعلقت به- فقلت: اجلس يا أمير المؤمنين. وفيه أيضًا إنكار المنكر، ولو كان النصيحة كذلك ولو كان للأمراء، وهو من أعظم النصيحة أن ينصح للأمراء. فقال: اجلس يا أمير المؤمنين؛ فإنه من أولئك. أي من أولئك الذين كانوا في يوم العقبة، بعدما رجع النبي ﷺ من تبوك، تآمر بعض المنافقين، أرادوا أن يقتلوا النبي ﷺ، فكان النبي ﷺ لعله قد أوحي إليه شيء عنهم، أو كذا، حتى يفتضحوا. فصعد النبي ﷺ العقبة، وجعل الجيش يمشي من تحت العقبة، وجعل بعض أصحابه معه، وكان حذيفة معه. فطلع هؤلاء إلى العقبة، مع أن النبي ﷺ نهى أن يصعد. فرأى حذيفة أولئك القادمين يريدون أن يصعدوا إلى العقبة، وهم ملثمون، فأخبر النبي ﷺ بذلك، وأبطل الله عز وجل تدبيرهم. فبعد ذلك سماهم النبي ﷺ لحذيفة، وكانوا ثلاثة عشر، كانوا ثلاثة عشر. ولهذا قال حذيفة: قال لرجل كان سيئًا: هل أنا من أهل العقبة؟ قال: إن كنت فيهم، فهم أربعة عشر. يعني يقول له: أنا أعرف أنهم ثلاثة عشر، لكن إن كنت فيهم أنت، فهم أربعة عشر. وقد مر معنا الحديث في البخاري. قال: فقال: نشدتك بالله، أنا منهم؟ فقال: لا، ولا أبرئ أحدًا بعدك. أنا لا. ليس معنى على ظاهره، كما قال شيخ الإسلام. قد ذكر الإمام ابن القيم كلام شيخ الإسلام في الجواب الكافي. فقول: ولا أبرئ أحدًا بعدك، أي: أنني لا أزكي أحدًا بعدك، لا أزكي أحدًا بعدك، لا أقول لأحد: أنك لست منهم. حتى لا أزكي أحدًا. ويصير ولأن أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه- كان أميرًا لأهل الإيمان، وكان أيضًا خليفة خليفة رسول الله، وكان أيضًا من المبشرين بالجنة. لهذا أخبره حديث. وقال: لا أبرئ أحدًا بعدك، أي: لا أخبر أحدًا أنه ليس منهم، لا أخبر أحدًا أنه ليس منهم. لماذا؟ حتى لا يتكل الشخص على ذلك، يقول: أنا لست من المنافقين. ولأنه أيضًا كذلك ليس المنافقون إلا هؤلاء، بل هناك منافقون كثر في المدينة، ولم يكونوا في أيام العقبة، بل إن في تبوك قد جلس كثير من المنافقين، بل سورة التوبة سماها ابن عباس الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين، أكثر علامات المنافقين، وما كانوا يفعلونه في زمن رسول الله ﷺ. وفي سورة التوبة والأنفال والتوبة فيها أكثر. فلهذا حصل ذلك بعد رجوعه من غزوة تبوك، ولما أمر الله عز وجل بتكسير مسجد الضرار، وكشف أفعالهم، وكذلك الذين اعتذروا للنبي ﷺ، وحلفوا على كذب، حلفوا على كذب. فخلاصة ما يذكر: أن أهل النفاق كانوا كثر، وليس هؤلاء ثلاثة عشر. فلهذا فلو قال علقمة مثلًا: لو قلت لأحد: أنت منهم؟ ما سأقول لأحد: أنك لست منهم. أو لأن المنافقين كثير، فلا أبرئ أحدًا بعدك، لا أبرئ أحدًا بعدك. فهذا شيء مما يذكر في هذا الحديث. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.