كتاب التفسير من صحيح البخاري 62

كتاب التفسير من صحيح البخاري 62

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 62، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

قصة موسى وفرعون وصيام عاشوراء

يروي المقطع حديث البخاري عن نجاة موسى وقومه بغرق فرعون وجنده في البحر، مبيناً سبب صيام النبي صلى الله عليه وسلم لعاشوراء اقتداءً بموسى عليه السلام. ويؤكد أن المسلمين أحق بموسى من اليهود.

ثقة المؤمنين بوعد الله بالنصر في غزوة الأحزاب

يشرح المقطع كيف وثق الأنبياء والصحابة بوعد الله بالنصر رغم شدة الابتلاء، مستشهداً بآيات تؤكد أن النصر يأتي بعد استيئاس الرسل. ويضرب مثال غزوة الأحزاب حيث قال المؤمنون: هذا ما وعدنا الله ورسوله، فزادهم إيماناً وكان النصر حليفهم.

فتح مكة ويوم عاشوراء وأحقية المسلمين بموسى عليه السلام

بعد نقض قريش صلح الحديبية ونصر النبي لحلفائه، تحققت بشارة الفتح المبين بفتح مكة. وفي يوم عاشوراء نجى الله موسى وأغرق فرعون، فصامه اليهود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نحن أولى بموسى منهم وأمر بصيامه.

حكم صيام يوم عاشوراء وعدم اتخاذه عيداً

يوضح المقطع أن بعض العلماء ذكروا أن الله أراد من اليهود معاقبة أنفسهم بتحويل يوم عاشوراء إلى يوم حزن، بينما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصيامه وعدم اتخاذه عيداً تشبهًا باليهود أو الرافضة. ويختتم بالتأكيد على أن هذا هو ما ورد في الحديث والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾، فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ، وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى». قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، وهو الدورقي البصري، قال: حدثنا روح، وهو ابن عبادة، أيضًا هو بصري. قال: حدثنا شعبة، وابن الحجاج، أبو بسام، أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش عن الرجال في البصرة، هو إمام أهل البصرة، لكن كما ذكرنا قبل أن علمه كوفي، علم شعبة علمه كوفيًا وهو بصري، بمعنى أن مشايخه أول مشايخ له كانوا من الكوفيين كأبي إسحاق السبيعي والأعمش وغيره. قال: حدثنا أبو بشر، هو جعفر بن أبي وحشية، جعفر بن إياس بن أبي وحشية الكوفي، عن سعيد بن جبير، وهو أبو محمد رحمه الله، إمام من أئمة المسلمين، وهو أعلم أصحاب عبد الله بن عباس. قال: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة واليهود تصوم عاشوراء، فسألهم، فقالوا: هذا اليوم، هذا اليوم الذي ظهر فيه موسى على فرعون. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نحن أولى بموسى منهم، فصوموه». فهذا الحديث أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، وقبل هذا أنه ذكره في تفسير هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾. وهذا وهذا من أمر الله جل وعلا العظيم الذي دبره لموسى لما حصرهم فرعون وقومه، فقال الله: ﴿قَالَ مُوسَى إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، فدخلوا يمشون في يابس ليس فيه بلل، بل هو يابس: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾، أي: بعد دخولكم هذه الطريق لا تخافوا أحدًا يضركم، ولا تخشون ذلك أبدًا، لأن الله عز وجل هو الذي جعلكم وشق لكم هذه الطريق. ولهذا لما أتبعهم فرعون بجنوده قال الله عز وجل: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾، وقال في الآيات الأخرى: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾، فأغرق الله عز وجل فرعون وقومه: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾، فدخلوا في تلك الطريق فأغلق الله عز وجل عليهم الماء، ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾، فهو كان يعدهم أنه سيهديهم إلى الطريق الصحيحة: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، فأضل فرعون قومه وما هدى، أن ذهب ذلك الكلام سدى، ولم يصدق في كلامه، لأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، وليس هو مؤيدًا من عند الله. فالمؤيد من عند الله ممكن أن يقول مثل هذا الكلام لأنه يعلم أن الله عز وجل سينصره. ولهذا تجد في كلام الأنبياء وكلام الصحابة من ما يكون من الوعد العظيم في وقت الشدة، كما قال الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾. فحتى كما قال الله عز وجل: ﴿وُزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. هم منتظرون لنصر الله لأن الله عز وجل نصره أو وعدهم بنصره فهم منتظرون لهذا النصر، لكن لما اشتد عليهم البأس تباطأ عليهم نصر الله، لكن جاءهم بعد ذلك النصر، جاءهم بعد ذلك النصر. وانظر إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكيف أنهم أخذوا موعد الله ورسوله بالجد، فقال الله عز وجل: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾. انظر إلى هذا الموقف العظيم: تجمعت الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه في المدينة وحاصروهم، فلما رأى الصحابة رضي الله عنهم الأحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله. قال ابن عباس: الذي وعدهم الله ورسوله هو النصر، وهو قوله جل وعلا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. هكذا يقول ابن عباس: هذا هو النصر الذي وعدهم الله، فلما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا. ولهذا كانت غزوة الأحزاب كانت الفتح العظيم، فبعدها قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الآن نغزوهم ولا يغزونا، الآن نغزوهم ولا يغزونا». غزوة الأحزاب كسرت شوكة قريش، قال: كسر الله عز وجل شوكته فما قامت لهم قائمة بعد ذلك، وجاءهم النبي عليه الصلاة والسلام في الحديبية، ولولا أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد تعظيم شأن الكعبة لدخل إلى مكة، لكن تعظيمًا للكعبة، لبيت الله جل وعلا، فقال: «لا يسألون خطة يعظمون فيها بيت الله إلا وافقتهم عليها». فعقد بعد ذلك الصلح، فلما نقضوا، نقضوا في السنة الثامنة، وقتلوا خزاعة وكانوا حلف رسول الله، قتلوهم في الحرب، فاستنجدوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنصرهم النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «لقد نصرت يا عمرو بن سالم». وسار النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك وفتح مكة، وكان الحديبية هذا الفتح العظيم كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، وكانت هذه الآية نزلت بعد الحديبية، جعله الله عز وجل فتحًا. فالمهم أن نصر الله جل وعلا ينتظره أهل الإيمان، ويعلمون أن الله عز وجل سينصرهم مهما تكالبت عليهم الأعداء، ومهما غشيهم من الكفار ما غشيهم، لكن يعلمون أن نصر الله عز وجل قريب. لكن كما قال الله عز وجل: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾، فإن نصرنا دين الله جل وعلا نصرنا الله سبحانه وتعالى. فهؤلاء اليهود أو الذين كانوا مع فرعون دخلوا ذلك البحر فأغرقهم الله عز وجل فيه، فقال الله عز وجل: ﴿فَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾، وأضل فرعون قومه وما هدى. ثم ذكر المؤلف رحمه الله هذا الحديث ليبين أن في ذلك اليوم، يوم عاشوراء، نجى الله عز وجل موسى ومن معه، وأغرق فرعون ومن معه، فكان اليهود يصومون عاشوراء لأجل ذلك. فلما سألهم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: هذا اليوم الذي ظهر فيه موسى على فرعون. جاء في رواية: الذي نجى فيه موسى وأغرق فرعون. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نحن أولى بموسى منهم». لماذا؟ لأننا أهل إيمان، أهل التوحيد، وموسى من أهل التوحيد ومن أنبياء الله عز وجل، فأهل الإيمان هم أولى به من هؤلاء الكفرة اليهود الذين خالفوا شريعة موسى. فقال: «نحن أولى بموسى منهم». وقال عليه الصلاة والسلام: «أنا أولى بعيسى بن مريم، الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد وأمهاتهم شتى»، أي شرائعهم. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أنه أولى بموسى؛ أولًا لأنه من أهل التوحيد والإيمان، وأهل الإيمان بعضهم من بعض، أو بعضهم أولياء بعض، وأما اليهود فهم كفرة لا يمدون لموسى عليه السلام بشيء. فقال عليه الصلاة والسلام: «نحن أولى بموسى منهم، فصوموه». وجاء في حديث أبي موسى قال: «فصوموه ولا تتخذوه عيدًا». في رواية النسائي، الحديث في صحيح البخاري ومسلم، لكن في رواية النسائي وهي رواية صحيحة قال: «فصوموه ولا تتخذوه عيدًا»، أي: لا تتشبهوا باليهود، فإنهم يتخذون يوم عاشوراء عيدًا، فلا تتشبهوا به. وجاء الرافضة وجعلوا ذلك اليوم عيدًا، وهم يقولون يوم حزن، لكن يجعلونه كيوم العيد، فإنهم يوسعون على أنفسهم في ذلك اليوم، وإن كانوا يفعلون بعض الأشياء التي كأنهم يفعلونها ندمًا وتأسفًا، لكن صارت كالشعارات لهم، يضربون أنفسهم بالحديد. وكما قال بعض العلم: أن الله عز وجل أراد منهم أن يعاقبوا أنفسهم، وجعلوا هذا العاشوراء يوم حزن وهو يوم عيد عندهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فصوموه ولا تتخذوه عيدًا». فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.