الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 103، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع قولين في تفسير آية القصص 85 حول المراد بالمعاد، إما الرجوع إلى مكة أو إلى الآخرة، وكلاهما محتمل. ثم يفسر لفظ «مستبصرين» في سورة العنكبوت بأنهم الذين يظنون أنفسهم مهتدين وهم في ضلال، مستشهداً بأقوال مجاهد وقتادة ومطبقاً ذلك على التيارات المعاصرة التي تحصر الدين في العبادات.
شبه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن بقامة الزرع اللينة التي تميل مع الريح ثم تعود، والكافر بشجرة الأرز الصلبة التي تقتلعها الريح العاصفة. ويبين أن الابتلاء يميز الصادق من الكاذب في الإيمان، وأن من دعا إلى ضلالة حمل إثمه وإثم من تبعه.
توضح الآية أن آثام التابعين لا تنقص من آثامهم شيئاً، بل يتحمل الداعي وزره ووزر من اتبعه. وقد ذُكرت هذه الآيات ضمن سورة العنكبوت لتأكيد المسؤولية المشتركة في الضلال.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: 85]، الآية". قال: حدثنا محمد بن مقاتل، قال: أخبرنا يعلى، قال: حدثنا سفيان المسقري عن عكرمة عن ابن عباس. هو محمد بن مقاتل، هو أمير وزي. قال: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾، قال: إلى مكة. فهذا تفسير قول الله عز وجل: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾، قال: إلى مكة، وعنى أن الله عز وجل سيردك إلى مكة وتكون تحت إمرتك وتكون تحت ملكك وتصرفك. فهذا وجه تفسير هذه الآية بأنها مكة: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. وفسرها بعض أهل التفسير أنها المعاد الآخرة، المعاد الآخرة، وجاء ذلك عن الحسن والزهري أنهم قالوا: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي موعدك وهو الآخرة، أنك ترجع إلى الله. وفسرها ابن عباس إلى مكة، وكما قلنا له وجه من ناحية أنه: أنك أخرجت من مكة فسترجع إليها، فهذا الذي نزل عليك القرآن وهو الله سبحانه وتعالى ﴿لَرَادُّكَ إِلَى بَلَدِكَ وَإِلَى مَكَانِكَ﴾، ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. وكما قلنا الآية تحتمل الأمرين، وكلاهما صحيح، أنه إما تقول: إلى المعاد يوم القيامة، أو إلى مكة، فلها وجه كذلك. ثم قال: "سورة العنكبوت". قال مجاهد: "مستبصرين" أي: ضللة. وقال غيره: أنا ضللة، وكانوا مستبصرين، أي: ما عجزوا عن الاستبصار للحق، فلهذا صاروا ضللة. أو أن المراد أنهم كما قال قتادة: كانوا مستبصرين في ضلالتهم، معجبين بها، معجبون بهذه الضلالة، وكانوا مستبصرين يرون أنفسهم على هدى وعلى حق، كما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103-104]. فهذا الذي أوقع كثيرًا في الضلال، أنه يحسب أنه على هدى، وأن من خالفه على ضلالة، يحسب أنه على شيء، على فكر، وأنه أخذ هذا القول بعد بحث وبعد كذا وكذا. فتجد أهل الضلالات، بل بعضهم من الملاحدة، وبعضهم أيضًا من أصحاب الحزاب المنحرفة كالعلمانية أو الليبرالية أو غيرهم من هؤلاء، يظنون أنفسهم أنهم أصلح للناس، وأنهم ينشرون الخير في الدنيا. فلهذا جعلوا الأديان في أماكنها، أنهم يقولون: الدين في مكانه، في المسجد، في معنى اليهودية في صوامعهم وبيعهم، كذلك النصارى، أو معنى اليهودية في كنيسهم، وهؤلاء في صوامعهم وغيرها. فكل أحد يعبد الله على ما أراد، وأما أمور المجتمعات والسياسة وغيرها فليس الدين الذي يديرها. فظنوا أن هذا يصلح الناس ويصلح البلاد، فهم يتفاخرون أنهم على شيء أو على هدى، لكنهم على ضلال. بل إن هؤلاء الذين دعوا إلى هذه الدعوة أوائلهم كانوا من النصارى، لما انقلبوا على الكنيسة، فجعلوا الكنيسة في أوروبا أنها في البيئة، في الكنيسة، أو في الدين في الكنيسة فقط، وخارج الكنيسة لا دخل لهم في شؤون الناس. فأرادوا كذلك أن يطبقوها في العالم، فجعلوا ذلك أيضًا عند المسلمين، واقتفى بعض المسلمين بكلامهم، بعض المسلمين اقتفى بكلامهم، حتى أنه لم يجعلوا لدين الله عز وجل شيء في مجتمعاتهم، كذلك في أمورهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فهذا كلهم من نزعات هؤلاء الكفرة، هؤلاء العلمانية. فقال الله عز وجل: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾. قال عباس: ضلل. أو جاء مجاهد، وقال قتادة: كانوا مستبصرين في ضلالتهم، معجبين بها. ثم قال رحمه الله: "وقال غير الحيوان، والحي واحد، أنا الله أراد قول الله عز وجل: ﴿وَلَكِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: 64]، الحيوان، الحيوان: أي الحياة المستقرة، فقال: حيوان لأنها حياة مستقرة ومستمرة". فقال أبو عبيد: الحيوان والحياة واحد. وجاء مجاهد أنه قال: الحيوان، أي: لا موت فيها، أنا حياة دائمة. ثم قال الله عز وجل: ﴿فَلْيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾. قال المؤلف: "فليعلم الله"، أي: علم الله ذلك، إنما هي بمنزلة "فليميز الله". ﴿فَلْيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العنكبوت: 3]، أي: فليميزن الله، لأن الله قد علم ذلك من قبل، أن هذا في علم الله عز وجل الأزلي. ولهذا فقول: ﴿فَلْيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾، أي: ليميزن الله بين الصادق والكاذب. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت: 3]، أي: يميز الله عز وجل بينهم بسبب الاختبار، أن يختبر الله عز وجل أهل الناس، فيعلم بهذا الاختبار من الصادق ومن الكاذب، كما قال الله عز وجل في بداية السورة: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2-3]. ﴿فَلْيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾، أي: ميز الله عز وجل الصادق من الكاذب بهذه الامتحانات وهذه الابتلاءات، فيتمحص الصادق من الكاذب. فأما الصادق فيثبت في هذه الابتلاءات، ويعلم أنها كلها من عند الله، فيعالجها بما جاء به في الشرع. وأما الكافر والكاذب، فتجد إما أن يدخل في هذه الفتن ويكون رأسًا فيها، وإما أنه يكون صلبًا على ما هو عليه، لا يمشي مع البلاء مثل المؤمن، بل يريد أن تكون حياته واحدة فقط، ليس فيها بلاء وليس فيها كذا، فيتقوى مع البلاء ويعارض حكم الله عز وجل. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين، حديث أبي هريرة، جاء أيضًا من حديث أبي بن كعب في البخاري: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «المؤمن كخامة الزرع، تكفؤها الريح تارة وتكفؤها تارة، وتعيدها تارة، والكافر كشجرة الأرز، صلبة صماء، حتى يجتثها الله، كذا، أو قال: حتى يجتثها الله، معنى أن الله عز وجل يأتي بهذه الرياح فتقلعها من أصلها، اجتثها من أصلها، اجتثها كما جاء في الحديث، والكافر كالشجرة الأرزة صلبة حتى يقضمها الله، حتى يقضمها الله، معنى: اجتثها الريح». وهذا المثال ضربه النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمن والكافر. المؤمن مثل قامة الزرع، قامة الزرع: الزرع اللطيف، الحشائش، إذا جاءتها الريح مالت معها، وإن ذهبت الريح رجعت، معنى: ما تحركها، ولو كانت هذه الريح شديدة جدًا ما تمسها بشيء، تكون معنى: تذهب مع الريح وترجع، فهي لينة. وهكذا المؤمن يكون لينًا في البلاء، ما أصابه فهو يعلم أنه من الله، فلهذا لا يؤثر عليه، بل يزداد أجرًا ورفعة عند الله. وأما الكافر ومن يفعل مثله من الفجرة، فإنه مثل هذه شجرة الأرز، شجرة الأرز يقال أنها شجرة الصنوبر، شجرة الصنوبر شجرة عظيمة كبيرة، صلبة، تأتيها الريح من كل مكان، فإذا جاءتها ريح قوية قلعتها من مكانها. وهكذا الكافر لا يلين مع أمر الله ومع الابتلاء، فذلك بعد ذلك يهلكه ويجعله من أهل النار. أهل النار. فلهذا فالمؤمن كما قلنا يميزه الله عز وجل بالبلاء، حتى بين أهل الإيمان، حتى بين أهل الإيمان يميزهم الله عز وجل، من الصادق من الكاذب، الصادق في إيمانه من الكاذب في إيمانه، كذلك بالبلاء. قال: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: 37]. قال: قال أعلم الله ذلك، إنما هي بمنزلة "فليميز الله". ﴿كَمَا قَالُوا مَعَ أَقْوَالِهِمْ أَوْ زَادُوا مَعَ أَوْزَارِهِمْ﴾ [العنكبوت: 13]، معنى: هؤلاء الضللة، والدعاء على بواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها، فإنهم يوم القيامة يحملون أوزارهم وأوزار من أضلوه، ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: 13]، فلهذا يأتون بهذه الأثقال وهذا الجرم وهذه الذنوب لأنهم أضلوا غيرهم. وهذه ليست في الكفار، بل حتى في المسلمين، المسلم الذي ينشر الرذيلة، ينشر الفاحشة، ينشر كذلك ما يغضب الله بين الناس، فإنه يتحصل على وزره، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا». فيتحمل وزره ووزر من اتبعه. فهذه بعض الآيات التي ذكرها في سورة العنكبوت. إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.