الدرس في كتاب النكاح 28، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن طعام اليوم الأول من الوليمة واجب الإجابة، واليوم الثاني سنة، والثالث فيه خلاف ولا يصح حديث النهي عنه. كما يوضح أن دعوة العامة والذميين لا تكره الإجابة لهما، وأن الصائم واجباً يستحب له الإفطار وجبر خاطر الداعي ثم القضاء.
تعتبر إجابة دعوة العرس واجبة عند الجمهور بخلاف العقيقة والوكيرة والنقيعة، مستدلين بامتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن تلبية دعوة الفارسي. ويوضح الفرق بين وجوب الإجابة واستحباب الأكل، مشدداً على أن الأكل لا يحل إلا بإذن صريح أو عرفي من صاحب الطعام.
يجب حضور الوليمة لإزالة المنكر إن أمكن، وإلا وجب الامتناع، وإن حضر ثم علم بالمنكر أزاله إن استطاع وإلا انصرف. كما يكره نثر الطعام والتقاطه لامتهانه، ويجوز للنساء ضرب الدف في إعلان النكاح دون الرجال.
يُعتبر الدف أدنى من آلات اللهو المحرمة وقد أُجيز استخدامه في الأعراس، حيث أجازه النبي صلى الله عليه وسلم للنساء فيبقى مباحاً لهن.
طيب، الجهلة معنا، دعوة العامة معنا. اليوم الأول هو الواجب معنا، إذا دعا في أول مرة معنا، كأن اليوم الثاني والثالث إجابته سنة، وبعضهم كره اليوم الثالث. جاء حديث في الترمذي: «طعام اليوم الأول حق، وطعام اليوم الثاني سنة، وطعام اليوم الثالث سمعة، ومن سمع سمع الله به». لكن الحديث لا يصح، واستدل به جماعة من الشافعية والحنابلة على كراهة اليوم الثالث. وبعض السلف يفعل أكثر، حتى جاء عند ابن أبي شيبة بسناد صحيح عن حفصة بنت سيرين قالت: لما تزوج أبي دعا الصحابة سبعة أيام. ولهذا البخاري قال: لم يوقت، لم يوقت النبي صلى الله عليه وسلم يوما ولا يومين. وجاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم في البناء على صفية صنع ثلاثة أيام. قال: فإن دعاه الجفلاء، الجفلاء هي دعوة العامة، يعني دعا الناس: يا أيها الناس حضروا، وعلق ورقة مثلا عند فلان: غدا كذا وكذا. معنا هذا دعا عام. قال: أو في اليوم الثالث، أو دعاه ذمي، كرهت الإجابة. معناه يقول: إنه إذا كان في اليوم الثالث، أو دعاه ذمي، تكره الإجابة. وكذلك دعوة الجفلاء. معناه: دعوة العامة. بعضهم خص ذلك بأهل العلم وأهل الفضل، طلبة العلم. ما نخصه بهم، أنهم لا يأتون في الدعوات العامة حتى لا يتهمون أنهم يريدون طعاما وكذا. وهذا لا دليل عليه. من ذهب مثلا حتى في دعوة عامة لا بأس، لا بأس أن يذهب. ولا دليل يدل على كراهية الدعوة العامة أو الإجابة الدعوة العامة. لهذا جاء قول ثان في نفس مذهب الحنابلة، حتى أنها مباحة، بل لو قيل إنها سنة لما بعد، ما في شيء أنه يأتي إلى دعوة العامة؛ لأنه يعتبر من هؤلاء الذين دعاهم. فإن أراد أن يذهب ذهب. وأما دعوة الذمي فقالوا: إنها تكره؛ لأنه مطالب بإذلاله، مطالب بإذلاله؛ لأنه كافر. وهذا التعليل قد يكون ضعيف، معنى لا يقوى على الكراهية، ولعل الإباحة معنى يقال: إنه مباح، أفضل من أن يقال إنه مكروه. إذا أراد أن يذهب يذهب، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يجيب دعوة اليهود، يجيب دعوة اليهود. لهذا فلا يقال إنه يكره، يقال: إنه لا بأس أن الإنسان يذهب. قال: من كان صومه واجبا دعي فانصرف. من كان صومه واجبا يعني يدعو، يدعو لصاحب الوليمة وينصرف. لقول النبي عليه الصلاة والسلام في مسلم: «إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائما فليصل، وإن كان مفطرا فليطعم». فهذا إذا كان صوما واجبا. أما مثلا صوم كفارة أو صوم نذر، فجمهور العلماء يقولون: إنه لا يجوز الإفطار في الصوم الواجب. يعني إذا كان صوم واجب لا يجوز أن يفطر. قالوا: المتطوع يفطر، انجبر، أو انجبر، أو انجبر، آه، انجبر، انجبر. معناه: يريد أنه يجبر غيره، معناها: جبر خاطر الداعي فيفطر. يعني إذا كان جبرا لخاطر الداعي. واستدل، واستدل بعض بحديث جاء عند ابن حبان والبيهقي: أن أبا سعيد صنع طعاما للنبي صلى الله عليه وسلم، وجاء بعض أصحابه، فقال رجل: إني صائم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «دعاكم أخوكم وتكلف لكم، فأفطر وصم يوما مكانه إن شئت». وهذا الحديث حسنه بعض العلماء. وفيه أنه أفضل أن يفطر. لكن إذا كان مثلا شيء يؤثر عليه في صيامه، مثلا مواظب على الصيام وكذا، فلا بأس أنه يترك، يعني يذهب ويدعو، يجيب الدعوة، لكن لا يلزم أنه يأكل. أحيانا مثلا قد يضره هذا الطعام. أيضا كذلك يجيب الدعوة ويعتذر من صاحب الطعام، أو يدعو له أو كذا. وفصحيح أنها واجبة، إجابة الدعوة. لكن هل كل الدعوات؟ الذي عليه جمهور العلماء أنه يجب إجابة دعوة العرس، وأما غير العرس فلا يجب. سواء كانت دعوة مثلا دعوة عقيقة، ايش تسمونها؟ لها تسمية كذا في اللغة: أيضا الوكيرة، الوكيرة هي عندما ينتهي البناء، إذا انتهى بناء البيت يعملون وليمة، مع من باب الفرح يسمونها الوكيرة. وأيضا النقيعة، النقيعة، النقيعة: طعام الغائب، إذا إنسان غائب أو جاء من سفر يسمونها النقيعة. والأحاديث التي جاءت في مسألة إجابة الداعي أكثرها عامة: «إذا دعاك أخاك فأجب، إذا دعاك أخاك فأجب». هذا يدل على أنه عام. لكن العلماء أخرجوا الدعوات الأخرى، في بعض الأحاديث التي جاءت تدل على عدم الوجوب. فمن ذلك ما جاء في مسلم، حديث عائشة: أنه كان فارسيا كان طيب المرق، يعمل مرق طيب جدا، فصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما، ثم جاء يدعوه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «وهذه؟» أي عائشة. فقال: لا، أنا كأن خصصت لك هذا الطعام. فقال: «إذا لا». ثم جاءه يدعوه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «وهذه؟» فقال: لا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا لا». ثم قال في الثالثة: وهذا قال: نعم. فقام النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة حتى ذهب إلى منزله. فلو كان واجبا لأجابه النبي عليه الصلاة والسلام، لأن هذا الحضور لا يقوى لترك واجب. فلو كان واجبا لأجابه النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا قول جمهور العلماء. قال: ولا يجب الأكل. أن إذا حضر الوليمة فإنه لا يجب عليه أن يأكل. الحديث الذي تقدم: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، ثم إن شاء فليطعم، وإن شاء فليترك». هذا أيضا في مسلم، من حديث جابر: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، أو فليجب، ثم إن شاء فليطعم، وإن شاء فليترك». فالأكل، فرق بين إجابة الدعوة وبين الأكل. الأكل مستحب، وإجابة الدعوة واجبة. قالوا: إباحاته متوقفة على صريح إذن أو قرينة. يعني لا، إباحاته متوقفة، إباحة الطعام متوقفة على صريح إذن أو قرينة. معنى لا يعقل إلا بإذن صاحب. إذا ما قال لي: كل، لا، لا يأكل إلا بإذن صاحب الطعام. وسواء كان هذا الإذن عرفي أو إذن لفظي. مثل مثلا الآن الناس يتوزعون في الأماكن ويأتون لهم بالطعام، فهذا إذن عرفي. أو إذن لفظي، مثلا يقول لهم: كلوا، تفضلوا، هذا إذن لفظي. وأما يأتي مثلا ويأكل بدون إذن وكذا، فهذا عند كثير من أهل العلم أنه لا يباح، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه». لهذا يأكل بعد إذنه. لكن هل يعتبر دعوته إذنا؟ فكأن كثير من أهل العلم لم يعتبر دعوته إذنا، لم يعتبر دعوته إذنا في الطعام، وإنما الإذن شيء آخر، إما إذن عرفي كما قلنا، أو إذن لفظي. قال: وإن علم أنه ثم منكر يقدر على تغييره حضر وغيره، وإلا أبى. يعني إذا كان هناك منكر يقدر على تغييره، فإنه يحضر لعجل أن يغير هذا المنكر، يحضر وجوبا: أولا لوجوب إجابة وليمة العرس، والثانية لإزالة المنكر. فإن كان، معنى، معنى كلامي: فإن كان فيه منكر لا يقدر على إزالته، كأن يكون فيه سماع محرم كغناء رجال أو نساء، أو اختلاط، أو غير ذلك، فهنا لا يحضر، لا يحضر. واستدل العلماء بحديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر». وهذا الحديث حسن، جاء من طرق. وأيضا كما ذكرنا أيضا، جابر بن سمرة، أو أبو مسعود البدري الأنصاري، صنع له طعاما فدعي إليه، فقال: في البيت صور. قيل له: نعم. فأبى أن يدخل حتى نزعت الصور. قالوا: إن حضر ثم علم به فأزاله، أن إذا علم بعد ذلك بعدما حضر واستطاع أن يزيل هذا المنكر أزاله. فإن دام لعجزه انصرف. فإن دام هذا المنكر لعجزه عن الإنكار وعن التغيير، يعني هو غير قادر على إزالة هذا المنكر، وإن كان أنكر بلسانه أو أنكر بقلبه، لكنه لم يقدر على إزالة هذا المنكر، فإنه ينصرف. ما يجلس عندهم وهم يفعلون منكر، يقول: لأجل الوليمة. قال: وإن علم به ولم يره ولم يسمعه، خير، أو خير. إذا علم أن هناك منكر، لكنه لا يراه ولا يسمعه، كان يكون مثلا في مجلس بعيد من مكان الغذاء، لكنه في نفس المكان، لكن في مجلس آخر. فهنا قال: يخير، معنى بين الجلوس وبين الانصراف. فإن شاء انصرف لوجود هذا المنكر الذي علم به، وإن شاء جلس لأنه لم يره ولم يسمعه. وهنا ظاهر أنه إذا علم أن هناك منكر يجب عليه إنكاره، فالعلم بالمنكر يقوم مقام الرؤية، فهو ينكره بلسانه. فإن أراد أن يجلس جلس في المكان الذي ليس فيه منكر، لا بأس. وإن أراد أن يذهب فهو بالخيار. قال: وكره النثار والتقاطه. النثار بالتشديد، له النثار، النثار بالتشديد، النثار، النثار: معنى ينثر الطعام، يطرحه في العرض، أو يرمي، مثلا تمر، يقول لهم: خذوا هذا. معنى يكره أن يكون يفعل هذا صاحب الوليمة، يفعل بالطعام هكذا، ويكره التقاطه؛ لما في ذلك امتهان للطعام، ولما في ذلك أيضا من الدناءة، أنه يرمي بالطعام هكذا، فهذا خطأ. قال: ومن أخذه وقع في حجره فله. من أخذه، أخذ من هذا الطعام، أو وقع عنده فأخذه، فهو له. إذا كان فلوس، ها فلوس، ينثر فلوس، ها فلوس، هذا من أيضا من الإسراف. إذا كان يريد الناس مساكين يعطيهم، أما أن ينثر هكذا مثل ما يفعلون في بعض العرسات، فهذا خطأ. طيب، قال: بقي، ويسن إعلان النكاح. أنا هذا قد تقدم الكلام عليه. والدف فيه للنساء، تقدم أيضا الكلام على الدف، وأنه يجوز الدف للنساء، وقد أجازه النبي صلى الله عليه وسلم. ومذهب جمهور العلماء أنه يجوز للنساء. وهناك رواية في مذهب أحمد، وأيضا في مذهب الشافعي، أنه بالتسوية بين الرجال والنساء. والصحيح أنه لم يأت أن الرجال، أن الرجال استعملوا الدف. والدف يعتبر أدنى من آلات اللهو المحرمة، لكن أجيزت في الأعراس، وأجازه النبي صلى الله عليه وسلم للنساء، فتبقى للنساء.