الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 160، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
كان محمد بن جعفر غندر من أدق الرواة ضبطاً لكتبه، ولازم شعبة بن الحجاج عشرين سنة وكتب عنه رغم كراهية شعبة للكتابة في مجلسه، حتى أصبح كتابه مرجعاً يُحتكم إليه عند الاختلاف. وقد اختبر يحيى بن معين كتبه فلم يجد فيها خطأ، مما يدل على إتقانه، مع وجود غفلة منه في التصرف بكتابته أمام شعبة.
يتناول المقطع حديثاً عن رجال الإسناد في رواية آية (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) مع الثناء على عبادة الرواة، ثم يستعرض استدلال العلماء بهذه الآية على كراهة أو عدم جواز أخذ الأجر على العبادات المحضة كالحج والصوم وقراءة القرآن والدعاء. لأن الرسل جردوا دعوتهم لله تعالى دون طلب مال أو جاه، والأولى بالمسلم الاقتداء بهم في الإخلاص وترك الأجر في القرب الخالصة.
يستعرض المقطع موقف الأنبياء من عدم طلب الأجر على الدعوة، ثم يروي قصة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على قريش بسبع سنين عجاف حتى أكلوا الجلود والميتة، وطلب أبي سفيان كشف العذاب فاستجاب الله لهم. ويوضح أن ذلك العذاب كان دنيوياً وليس أخروياً، ويذكر قول ابن مسعود في تفسير الآيات الخمس التي مضت: اللزام، والروم، والبطشة، والقمر، والدخان.
يُعلن المتحدث انتهاء العرض للسند والمتن المذكورين، ويكتفي بما تم طرحه في هذا المجلس، مفوضاً العلم لله تعالى. بذلك يُختتم المجلس بالاكتفاء بما ذُكر دون إضافة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون». قال: حدثنا بشر بن خالد، وهو العسكري، أبو عبد الله الفرائض البصري، قال: أخبرنا محمد... محمد عن شعبة. من محمد هنا؟ محمد عن شعبة... هذا من مشايخ البخاري، محمد المتنى من مشايخ البخاري يروي عنه مباشرة. لكن محمد من هنا؟ محمد بن جعفر، محمد بن جعفر بن عباد، أبو بكر البغدادي، الذي قال له غندر: «يلقب غندر، وكان ضابطًا لكتابه على طريقة البصريين». البصريون كانوا في ذلك الزمان في طلب علم الحديث من أكثر الناس عناية بالكتب. الكتاب الذي فيه الحديث، أو الجزء الذي فيه الحديث، يعتنون به عناية عظيمة من ناحية الضبط، يضبطون كتابهم. ولهذا قال ابن المبارك وابن مهدي وغيرهم: «إن كتاب محمد بن جعفر حكم على أصحاب شعبة، إذا اختلفوا أتوا إلى كتاب غندر، ورأوا وتحاكموا إليه». معنى «تحاكموا إليه»: أي إن كان فيه معنى أن الصواب فيه، يحتكمون إليه، أي يرجعون إليه؛ لأنه كان ضابطًا لكتابه، وقد لازمَ شعبة عشرين سنة؛ لأنه كان ربيبًا له، إن شعبة زوجة أمه، فكان يكتب. وكان شعبة لا يحب أحدًا أن يكتب عنه، لكن كان يتجاوز عن محمد بن جعفر في كتابته لأجل غفلة فيه، فكان يتجاوز عنه. حتى أنه مرة، كما قال عبد الرحمن بن مهدي: «كنا عند شعبة فحدث شعبة بحديث، قال: فأشرأب محمد بن جعفر وتطاول بعنقه، فرآه شعبة، فقال: انظروا كيف ينظر! إني أمقتك، قد أخذ حديثي كله». يعني: كتب حديثي كله، وهو يفعل مثل هذا. وهذا يدل على حرصه رحمه الله. يعني: يقول شعبة: «قد أخذ حديثي كله، وانظروا كيف ينظر» أو «كيف يفعل». يعني: يريد أن يستمع إيش هذا الحديث. وهذا لحرصه رحمه الله. وكان ملازمًا لشعبة، بل كتبه أيضًا. كتابه عن سعيد بن أبي عروبة صحيح، بل وكتبه عن المشايخ. حتى قال محمد بن جعفر ليحيى بن معين: «أنتم تقولون: محمد في شعبة فقط؟ أنا أقول: محمد يضبط حديث شعبة». فقال: «هذا كتابي»، أو قال له: «هذان كتابان من حديث سفيان بن عيينة». يقول ليحيى بن معين: «انظر فيهما، إن رأيت خطأ فأنت... أنت... أنا رأيت خطأ في كتابي هذين عن ابن عيينة فأنت... أنت... معنا أنت الذي لا مثله». قال يا ابن معين: «فنظرت في الكتاب الأول، نظرت إلى آخره، فما وجدت فيه خطأ. قال: ثم نظرت إلى الكتاب الثاني، قال: حتى كنت أن أنتهي، رأيت حديثًا خطأ، أو قال: كنت حتى خجلت أني لم أجد فيه خطأ». فقال يحيى: «فرأيت حديثًا خطأ، فقلت: هذا يا أبي عبد الله، هذا حديث خطأ». فقال: «هذا ليس مني، هذا من سفيان بن عيينة، أن هذا الخطأ ليس مني، كتبته عن سفيان هكذا». ثم قال محمد بن جعفر: «وانظر إلى آخر الكتاب، ستجد هذا الحديث صحيحًا». قال: «فنظرت فوجدته كذلك». أي أن الخطأ كان من سفيان بن عيينة. وهذا يدل على ضبطه لكتبه. ويحيى رحمه الله، يحيى بن معين، كان ناقدًا قويًا، لم يستطع أن يمر عليه الخطأ، لكن لأجل ضبط محمد بن جعفر كتبه فلم يعثر على خطأ، حتى في حديث سفيان، فضلًا عن حديث شعبة. ولهذا كان ضابطًا، إلا أن فيه غفلة من ناحية التصرف. ولهذا لما قال إمام أحمد: «قال محمد بن جعفر: كتب حديث شعبة ثم يريه إياه». نقل ذلك عن عبد الرحمن بن مهدي: «يكتب ويريه إياه». قال: «وهذا من غفلته، أو من بلادته». لأن شعبة ما كان يحب أن يكتب في مجلسه، حتى يستمع الناس إلى الحديث، يعني يركزوا على الحديث، ولا يكتبوا مع تحديثه. ولهذا كانوا الذين يكتبون، مثلًا: سليمان بن بلال، وهاشم بن القاسم، وكذلك النضر بن شميل، وجماعة، كانوا يكتبون، لكنهم كانوا يكونون في الأطراف حتى لا يراهم شعبة؛ لأنه لو رأى أحدًا يكتب، يغلق كتابه ويدخل إلى بيته. ولهذا كانوا يبتعدون ولا يكتبون أمامه. وكان بعض أصحابه المقربين إليه يكتبون بعد أن ينتهي المجلس. قال يحيى بن سعيد: «كنا نسمع من شعبة، فإذا انتهى من مجلسه، جلس معاذ بن معاذ في ركن من أركان المسجد، وجلس خالد كذلك، خالد بن الحارث. قال: أما أنا فأذهب إلى البيت وأكتب ما سمعت من شعبة». وهذا لحفظهم رحمهم الله الله عز وجل. كما قلنا: هؤلاء لذلك يعني يكتبون الحديث بعد المجلس بفترة، بعد ما ينتهي المجلس يكتبون الأحاديث التي سمعوها. ممكن يكتبون عشرة أحاديث، وممكن أكثر، وممكن أقل. قال: «أخبرنا محمد عن شعبة». شعبة بن الحجاج، بن الورد، أبو العتكي، أبو بستان، أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش عن الرجال في البصرة. وكان يقول لبعض أصحابه: «تعالَ نغتاب في الله ساعة». نغتاب في الله، عن غيبة، لكنها لله، وليست من الغيبة المحرمة. والمراد بكلامه: أي نتكلم في رجال الحديث، عمن الذي يصلح أن يكون، أن يقبل منه الحديث، ومن لا يصلح. فكان يقول: «تعالَ نغتاب ساعة». قال: «عن سليمان ومنصور». سليمان هو الأعمش، ومنصور هو ابن المعتمر. قال: «عن أبي الضحى ومنصور». كان من عباد الكوفة، وكان إذا صلى كان كسارية لا يتحرك في صلاته. حتى ذكر في ترجمته أنه لما مات كانت بنت جاره تقول: «أين العمود الذي نراه في الليل في بيت منصور؟» ظنته أنه عمود، وإنما كان يصلي ولا يتحرك، فظنت هذه البنت أنه عمود قائم. فقالت: «أين العمود الذي كان في بيت منصور نراه؟» فقالت لها أمها: «يا ابنتي، ذلك إنما هو منصور، وليس عمودًا». قال: «ومنصور عن أبي الضحى، وهو مسلم بن صبيح الكوفي الأعمى، قال: عن مسروق، قال: قال عبد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾». وهذه دعوة الرسل، دعوة ليست لدنيا ولا لغرض، وإنما دعوة لله عز وجل، لا يسألون الناس أجرًا ولا مالًا. ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾. ولهذا استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على أن القرب المحضة لا يجوز للمسلم أن يسأل بها أجرًا. القرب المحضة لا ينبغي للمسلم أن يسأل بها أجرًا، وإنما تكون تبرعًا. مثالًا: إنسان يحج لآخر، فقال كثير من العلماء: إنه لا ينبغي له أن يأخذ أجرًا على الحج. مثلًا: إنسان كبير أو قد مات، فعينوا إنسانًا أن يحج له، فالأولى له أن لا يأخذ أجرًا على هذه العبادة؛ لأن عبادة محضة. لكن إذا كان هناك نفع، مثلًا مثل العلم، فلا بأس أن يأخذ إذا أعطي، أو أعطاه السلطان والحاكم. وأما أنه يشترط على كل من يطلب العلم أن يأخذ منه، فهذا الذي كرهه العلماء. وأما إذا كانت منفعة ينتفع بها الإنسان نفسه، مثل العلاج وغيره، فهذا لا بأس. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله». وأما إذا كان كما قلنا عبادة محضة، ليس فيها شيء من المنفعة للإنسان، فالأفضل والأولى أن لا يأخذ فيها أجرًا، وإنما تكون تبرعًا. تكون تبرعًا، مثلًا: أن يعلم القرآن، وهذا عبادة محضة غالبًا، فالأفضل أن لا يأخذ من المتعلم. لكن كما قلنا: نعطي... نعطيه مثلًا، مثل الآن الذين يدرسون في المدارس الحكومية، يعطون من قبل الحكومة، هذا ما في شيء، هذا ما في شيء؛ لأنه لا يأخذه على الطالب. وإنما الذي يكره أنه يأخذ على الطالب نفسه. فالأمور التي تكون فيها منفعة، ما في شيء لو أخذ. وإن كان بعض الأشياء الأولى أن يتركها. وأما مثلًا إذا صام لإنسان، هذه عبادة محضة. مثلًا: إنسان عليه صيام، مات ولم يصم بعض رمضان، أو لم يقض بعض رمضان، أو عنده صيام نذر أو غيره، فلا ينبغي، بل بعضهم يقول: لا يجوز أن يوكل من يصوم عنه بمال. يأتي إلى إنسان يقول له: «تصوم عنه عن فلان، سنعطيك كذا وكذا». مثل أيضًا ما يفعله بعض المتصوفة، أو بعض من تعثر بأهل التصوف، يأتي مثلًا يقول له: «ادعُ لفلان ليجل»، مثلًا: أن ينجح في الاختبار، أو أن يتزوج، أو أن يفعل كذا، وسأعطيك مالًا. هذا يفعلونه بعض أهل التصوف وغيره. يجلس الرجل، معناه قد أعد نفسه، وهي نفسه لمثل هذه الأمور. يقرأ... يقرأ مثلًا: «قل هو الله أحد» حتى ثلاث مرات، ختم القرآن، فيعطى عليه كذا وكذا. أيضًا كذلك يسبح ويهديها لفلان بكذا وكذا: سبحة، أو عشر سبحات، أو قراءة كذا سور، أو قراءة القرآن، أو كذلك دعاء. كل ذلك بمال. وهذا الذي ذكره العلماء: أن العبادات المحضة لا يأخذ عليها أجرًا. هذا عبادة محضة، لا يجوز له أن يأخذ عليها أجرًا. واستدل بهذه: ﴿لَا يَقُولُ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾. فلهذا الرسل ابتعدت عن هذه الأمور؛ لأن هذه أغراض يتهم فيها الإنسان عن أغراض شخصية، يتهم فيها الإنسان في الدنيا. معناه: يريد شيء آخر. ولهذا الأنبياء، لما كانت معناه جاءت هؤلاء الرسل وجردوا أنفسهم من هذه الأمور، حتى لا يتهموا لأجل أنهم أرادوا مالًا، أو أرادوا رئاسة، أو أرادوا كذا وكذا. لهذا عُرضت على النبي عليه الصلاة والسلام مثل هذه الأمور: عُرضت عليه الرئاسة، وعرضت عليه المال، وعرضت عليه مثل هذه الأشياء؛ لأنه لو قبل، عرفوا أنه ما أراد الله، وإنما أراد غرض من أغراض الدنيا. فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام لم يقبل شيء من هذا أبدًا، وإنما كان يقول: «أريد منكم كلمة واحدة، تقولون كلمة واحدة: قولوا لا إله إلا الله». فنفروا ولم يتقبلوا هذا. وجاء في... لما كان عند أبي طالب، قالوا: «والله نعطيك عشرًا، أنت تريد كلمة، نعطيك عشر كلمات». فقال لهم: «قولوا لا إله إلا الله». فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. فلهذا جاءت الأنبياء بتجريد الأمر لله عز وجل، أن لا يطلبون شيء من مطامع الدنيا. ولهذا هذا الكلام قاله أكثر الأنبياء: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾، و﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾، وغيرها. تجد أن الأنبياء يقولون هذا لأجل أن يعلم هؤلاء أنهم ما أرادوا الدنيا، وإنما يدعون لله عز وجل. ولو أرادوا الدنيا لطلبوها من هذا الباب أو من غيره. فلهذا الداعي إلى الله عز وجل لا يسأل الناس الأجر، لا يسأل الناس الأجر؛ لأن هذا فيه تنقص. ولهذا عد علماء الحديث أن الذي يسأل الناس الأجر ويسألهم ويشترط عليهم المال، يعد هذا من خوار المروءة. يعد هذا من خوار المروءة. وقد رد بعضهم، كإمام أحمد وغيره، بعض... أو بعض حديث بعض من كان يأخذ علىحديث أجرًا، حديث أجرًا. وكان السلف، يحيى بن كثير وغيره، يقولون: «علم مجانًا كما علمت مجانًا». أنا الأولى للإنسان وللمسلم أن يعلم مجانًا، أي لا يسأل الناس الأجر. لكن إن جاء به إنسان، أو جاء به حاكم أو غيره، يعطيه أجرًا من عنده، فهذا ما في شيء، هذا ما في شيء. لكن المراد: اشتراط الأجر من عند الناس، أو من عند المتعلمين. فقلنا: إن العلماء استدلوا بهذه الآية على أن العبادات المحضة إذا فعلها الإنسان تقربًا إلى الله، لا ينبغي له أن يأخذ عليها أجرًا، لا ينبغي عليها. بل كما قلنا: بعض صرح بالتحريم. وقد جاء عند أبي داود وأحمد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اقرؤوا القرآن قبل أن يأتي أقوام لا يقيمونه كما يقام القدح، يتعجلون أجره ولا يتعجلونه». يقيمونه، أو قال: «لا يقيمونه، يقيمونه كما يقام القدح، يتعجلون أجره ولا يتعجلونه». يعني: يريدون أجر الدنيا، يتعجلون أجره ولا يتعجلونه، أي: لا يتعجلون أجره في الآخرة، وإنما يطلبون به الناس. يقرأون القرآن لأجل أن يأخذوا أموال الناس. قال رحمه الله: «فإن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم، وقال: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾». فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما رأى قريشًا استعصوا عليه، قال: «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف». فأخذتهم السنة، أي: الجوع، حتى حَصَّت كل شيء. والنبي عليه الصلاة والسلام طمع أن يرجعوا إلى دينه، وأن يبصروا إلى الدين الإسلام، وأن يتوبوا. لكن الله عز وجل أعلمه أنهم عائدون: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾، أو قال الله عز وجل: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾. ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾، أنا سنكشف عنهم هذا العذاب. قال: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾. أي: ستعودون إلى ما أنتم عليه. وصدق الله عز وجل، فإنهم عادوا بعد هذا، كما سيأتي في كلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. قال: «حتى حَصَّت كل شيء». معناه: هذا الدعاء الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم كان في المدينة. كان النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وكان يدعو على قريش؛ لأنهم كانوا يقتلون المستضعفين. فقال: «اللهم أعني عليهم»، وقال: «اللهم عليك بقريش»، وقال: «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف». وهذا كان يقوله في الدعاء في الصلاة، كما جاء في حديث أبي هريرة. قال: «حتى أكلوا...»، وقال: «حتى أكلوا العظام والجلود». وقال: «حدّثهم حتى أكلوا الجلود والميتة». وقال: «ويخرج من الأرض كهيئة الدخان، يرون مثل الدخان وكثرة الجو». قال: «فأتاه أبو سفيان، فقال: يا محمد، إن قومك قد هلكوا، فادعُ الله أن يكشف عنهم». وجاء في بعض الروايات عند ابن إسحاق: أن أبا سفيان قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا محمد، إنك جئت تدعو إلى صلة الرحم، فكيف بقومك وهم رحمك؟» فأراد أنه يدعو لهم بأن يكشف الله عز وجل عنهم. وهذا دليل على أنهم علموا أن هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام متصل بربه. قال: «فدعا»، أي: نبي صلى الله عليه وسلم، أن يكشف عنهم هذا العذاب. وإكرامًا من الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام، وتعظيمًا له، إجلالًا له، كشف الله عز وجل عنهم؛ وإلا فربنا جل وعلا يعلم أنهم سيعودون. فقال عبد الله بن مسعود: ثم قال: «تعود بعد هذا». في حديث منقول. ثم قرأ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ إلى ﴿عَائِدُونَ﴾. أيكشف عنهم عذاب الآخرة؟ أنا كيف يكشف عنهم عذاب الآخرة؟ وإنما كشف الله عز وجل عنهم عذاب الدنيا. قال: «فقد مضى الدخان، والبطشة، واللزام». وقال أحدهم: «القمر»، وقال الآخر: «الروم». هذا قد تقدم، إن شاء الله تعالى. وأيضًا هذا الحديث: «باب: يوم نبطش البطشة الكبرى، إنا منتقمون». قال: حدثنا يحيى، وهو أبو زكريا البلخي، وليس يحيى بن معين. في درس قلت: يحيى بن معين، وليس هو، وإنما هو أبو زكريا البلخي، يسمى أو يلقب ببخت. قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله، قال: «خمس قد مضين: اللزام، والروم، والبطشة، والقمر، والدخان». وهذا وهذا قد مر بسنده ومتنه، إن شاء الله نكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.