الدرس في التعليق على كتاب العلم 21، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
التقوى تُعدّ أعظم الأسباب المعينة على طلب العلم لأنها تطهر القلب وتشرح الصدر لقبول العلم النافع. وقد أوصى الله تعالى بها في كتابه، وأوصى بها النبي ﷺ والسلف الصالح، مؤكدين أن الله لا يقبل العمل إلا من المتقين.
يُعرّف ابن عثيمين التقوى لغةً واصطلاحاً بأنها وقاية من غضب الله بطاعته واجتناب معصيته، ويوضح الفرق بين البر والتقوى عند الاقتران والافتراق. ثم يذكر ثمار التقوى كدخول الجنة، وجعل الفرقان، وتكفير السيئات، مستشهداً بقصة الشافعي مع وكيع.
ترك المعاصي هو الدواء الناجع لحفظ العلم وفهمه، والبعد عن فتن المدن يعين الطالب على الحفظ والإتقان. فالمعاصي تسبب النسيان وتضعف الفهم، بينما التقوى تجلب الفراسة وتزيد في العلم كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾.
يختتم المتحدث الدرس مؤكداً أن الاستدلال المذكور ليس ببعيد ويمكن الاستدلال به على المسألة المطروحة. ثم يختم بالحمد لله رب العالمين.
الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: قال العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله في كتابه "كتاب العلم": قال: الفصل الثاني: الأسباب المعينة على طلب العلم. قال: الأسباب المعينة على طلب العلم كثيرة، نذكر منها أولًا: التقوى، وهي وصية الله للأولين والآخرين من عباده. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131]، ﴿وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء: 131]. وبدأ بالتقوى لأنها من أعظم الأسباب المعينة على طلب العلم؛ فإن طالب العلم إذا كان متقيًا لله عز وجل انشرح صدره للعلم، وصار كالوعاء الذي لا يقبل إلا الطيب؛ لأن القلب قد طاب، وقد نُقِّي وصُفِّي من أدناس المعاصي والذنوب، فلذلك يكون قلبًا منشرحًا ومهيئًا لقبول العلم. والشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله بدأ بهذه الآية: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، ليبين أن الله عز وجل إذ يوصي الأولين والآخرين بهذه الوصية، فدل ذلك على أن التقوى خير، على أن التقوى خير ما يعين على طلب العلم؛ لأن طلب العلم به يكمل الإنسان، وبه يعبد الله عز وجل على علم وبصيرة. فبدأ بهذا ليبين لك أن الله عز وجل إذ يوصي بالتقوى، فإنه سبحانه وتعالى يريد لك الكمال؛ فإن بالتقوى تنال الأسباب التي ترقيك إلى هذا الكمال، ألا وهو العلم النافع. قال: وهي أيضًا وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته. انظر لعظيم فضل التقوى، فكذلك أوصى الله عز وجل، وكذلك أوصى النبي عليه الصلاة والسلام الأمة بها. قال: فعن أبي أمامة صُدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع، فقال: «اتقوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أمراءكم، تدخلوا جنة ربكم». وهذا الحديث رواه الترمذي، وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (768). والشاهد منه: «اتقوا ربكم». وكذلك الحديث الذي يحسنه بعض أهل العلم، ووصية النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذر ومعاذ، وقال: «اتق الله حيث ما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». فهذا أيضًا الحديث فيه وصية النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه بهذا الأمر العظيم، ألا وهو تقوى الله عز وجل. قال: وكان صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرًا على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا. ولم يزل السلف الصالح يتواصون بها في خطبهم ومكاتباتهم ووصاياهم عند الوفاة. انظر: تقوى الله وصية الله للأولين والآخرين، تقوى الله وصية النبي عليه الصلاة والسلام لأمته وأصحابه وأمرائه، تقوى الله وصية السلف بعضهم لبعض. فدل ذلك على عظيم هذا الأمر، وأنه من أعظم الأسباب التي ينال بها العبد الكمال والسعادة في الدنيا والآخرة. قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ابنه عبد الله: «أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل؛ فإنه من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده». وهذه الآثار ذكر بعضها ابن رجب الحنبلي في "جامع العلوم والحكم"، وهي مشهورة مبثوثة في كتب أهل العلم. قال: وأوصى علي رضي الله عنه رجلًا فقال: «أوصيك بتقوى الله عز وجل الذي لا بد لك من لقائه، ولا منتهى لك دونه، وهو يملك الدنيا والآخرة». وكتب أحد الصالحين إلى أخ له في الله تعالى: «أما بعد، فأوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في سريرتك، يعني الذي تناجيه في السر، نجيك في سريرتك، ورقيبك في علانيتك. فاجعل الله من بالك على كل حال في ليلك ونهارك، واخف الله بقدر قربه منك وقدرته عليك، واعلم أنك بعينه، لا تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره، ولا من ملكه إلى ملك غيره، فليعظم منك حذرك، وليكثر وجلك، والسلام». وهذه وصايا ثمينة، وقد يقول قائل: ألفاظ يسيرة وسهلة، لكن تحمل في طياتها معاني عظيمة وغزيرة. ولذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل فقال له: «أوصيك بتقوى الله عز وجل الذي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها». انظر إلى عظم ثمرات التقوى: التقوى لا يقبل الله غيرها، إذا أتيت الله عز وجل بعمل ليس فيه تقوى فلا يقبله الله، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]، ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، فلا يقبل ربنا سبحانه وتعالى غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها. ثم قال: «فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل، جعلنا الله وإياك من المتقين». فهذه وصايا عظيمة، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من العاملين بها. ثم قال ابن العثيمين رحمه الله: ومعنى التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه وقاية تقيه منه. هذا في اللغة: في اللغة التقوى بمعنى الوقاية، التقوى بمعنى الوقاية، أي الحماية، أن تجعل بينك وبين ما تخافه وقاية. قال: وتقوى العبد ربه، يعني اصطلاحًا وشرعًا: أن يجعل بينه وبين من يخشاه من غضبه وسخطه وقاية تقيه من ذلك، بفعل طاعته واجتناب معاصيه. فهذا هو مجمل معنى التقوى: العمل بالطاعة، واجتناب المعصية، واجتناب المعصية. قال: واعلم أن التقوى أحيانًا تقترن بالبر فيقال: بر وتقوى، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]، وتارة تذكر وحدها، يعني التقوى وحدها دون أن تقترن بالبر. قال: فإن قرنت بالبر صار البر فعل الأوامر، والتقوى ترك النواهي. وإذا أفردت صارت شاملة تعم فعل الأوامر واجتناب النواهي. يعني يمكن أن نعبر بقولنا: إذا اجتمعا افترقا، فإذا اقترنت التقوى بالبر فالمراد بالبر فعل الأوامر، والمراد بالتقوى ترك النواهي، كما في هذه الآية: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ﴾ يعني على فعل الأوامر، ﴿وَالْتَّقْوَى﴾ يعني على ترك النواهي. فهذا أفادنا تفسير معنى هذه الآية، تفسير معنى هذه الآية. وإذا ذكرت التقوى وحدها فالمراد بها الأمران: فعل الأوامر واجتناب النواهي. قال: وقد ذكر الله في كتابه أن الجنة وعدت للمتقين. الآن شرع العلامة ابن العثيمين في ذكر ثمارات التقوى، ما هي ثمارات التقوى التي يتحصل عليها المتقون؟ فقال: وقد ذكر الله في كتابه أن الجنة أعدت للمتقين، فأهل التقوى هم أهل الجنة، وهذا أعظم ثمار التقوى. وهل حولها إلا ندند؟ فمن أعظم ثمارات التقوى أن يدخل صاحبها الجنة. قال: «وَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ يَتَّقِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ وَطَلَبًا لِثَوَابِهِ وَالنَّجَاهِ مِنْ عِقَابِهِ». وهذا معنى قول طلق بن حبيب لما قالوا له: أجمل لنا التقوى، فقال: «أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله». أي أنك تعمل الطاعة إخلاصًا لله عز وجل من أجل الله، لا من أجل ريا ولا سمعة ولا شيء من أغراض هذه الدنيا الفانية. وكذلك تترك النواهي خوفًا من الله، لا من البشر لأنهم يراقبونك ويشاهدونك، وإنما تركت هذه المعاصي خوفًا من الله. فهذا معنى قوله: امتثالًا لأمره، وطلبًا لثوابه، والنجاة من عقابه. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: 29]. هذه الآية فيها ثلاث ثمارات من ثمار التقوى، ولذلك قالوا: هذه الآية فيها ثلاث فوائد مهمة، يعني من فوائد وثمار التقوى. قال: الفائدة الأولى: يجعل لكم فرقانًا، أي يجعل لكم ما تفرقون به بين الحق والباطل، وبين الضار والنافع. وهذا يدخل فيه العلم، وهذا هو وجه الشاهد. قال: وهذا يدخل فيه العلم، بحيث يفتح الله على الإنسان من العلوم ما لا يفتح لغيره؛ فإن التقوى يحصل بها زيادة الهدى، وزيادة العلم، وزيادة الحفظ؛ لأنه كما تقدم: إذا كان القلب نقيًا صافيًا كان وعاءً مهيأً لقبول العلم والحق والهدى والدين؛ لأن هذا العلم نور، ونور الله لا يؤتاه عاصم، كما سيأتي من كلام الشافعي. قال: ولهذا يذكر عن الشافعي رحمه الله أنه قال: «شكوت إلى وكيع سوء حفظي، فأرشدني إلى ترك المعاصي، وقال: اعلم بأن العلم نور، ونور الله لا يؤتاه عاصي». وهذه الأبيات أثبتها بعض أهل العلم، وأثبت سماع الإمام الشافعي من وكيع رحمه الله تعالى، وفيها هذا المعنى: أن هذا العلم نور، ونور الله لا يؤتاه عاصي. فلا يستطيع طالب العلم أن يحفظ، وأن يفهم العلم، وأن ينور قلبه بالعلم، وقد أطلق لنفسه العنان في ارتكاب المعاصي، إما بالنظر، إما بالسماع، إما بالغيبة، إما بالنميمة، إما بالشهوات، وإلى غير ذلك. أبدًا. وكثير من طلاب العلم، وكثير من طلاب العلم يسأل عن دواء للحفظ، قل: أنا حفظي ضعيف، أريد دواء. يجيبك وكيع رحمه الله تعالى فقال: علي بن خشرم رحمه الله: ما رأيت بيد وكيع كتابًا قط، إنما هو حفظ. كان ما يكتب، وكيع آية في الحفظ، يضرب به المثل في الحفظ. قال: فسألته، علي بن خشرم سأل وكيع. قال: فسألته عن أدوية الحفظ، أعطني دواء للحفظ. فقال له وكيع رحمه الله: «إذا علمتك الدواء استعملته». قال: سأعطيك دواء لكن ستستعمله. ففرح علي بن خشرم، فقال: قلت: إي والله، أعطني هذا الدواء سأستعمله. فقال له وكيع: «ترك المعاصي، ما جربت مثله للحفظ، ما جربت مثله للحفظ». هذا هو الدواء، ما يحتاج أن تذهب إلى صيدلية أو إلى طبيب، لا، الدواء موجود وهو ترك المعاصي. وهذا الأثر ذكره الإمام الذهبي رحمه الله في "سير أعلام النبلاء"، المجلد التاسع، المجلد التاسع، برقم أو صفحة (151)، واحد وخمسين ومئة، واحد وخمسين ومئة. ولذلك انظر إلى بركة تركت مراكز أهل السنة البعيدة من المدن ومن فتن المدن، ترى هذه المراكز تؤتي ثمارها، لماذا؟ لأنك في مجتمع ما ترى فيه المعاصي ولا تسمع فيه المعاصي، بعيد من فتن المدنية، ما ترى امرأة متبرجة، وما تسمع أغني ماجنة، ولا تسمع السب والشتم واللعن، ولا كذلك تمر على تلفاز، ولا على كذلك سينما، ولا على ضجيج، ولا شيء من هذا. ولذلك كلما كان الطالب بعيدًا من فتن المدنية، كلما كان أوعى للعلم، وكلما كان أكثر حفظًا وفهمًا وإتقانًا للعلم. وهذا مجرب، وهذا مجرب. فلذلك يحرص الطالب على أن يبتعد عن تلك الفتن. قد الإنسان ما يريد هذه الفتن لكن تأتي إليه، حتى وأنت في بيتك أحيانًا، أنت نائم في بيتك فإذا بجارك يفتح لك ما يغضب الله عز وجل من الغناء المحرم، أو أنت في سيارتك، في سيارتك، منت في سيارة غيرك، تقف عند الإشارة فإذا بسيارة بجوارك تفتح هذا الغناء. فتن، سبحان الله، تريد أن تهرب منها وهي تأتي إليك، وهي تأتي إليك. تمشي في الشارع فإذا بامرأة كاسية عارية أمامك، تصرف بصرك، فإذا عن يمينك أخرى. أي تفعل؟ تنظر في السماء. فتن، فتن المدنية هكذا. فالسلام لا يعادلها شيء. فمن استطاع أن يبتعد عن مثل هذه الفتن فليفعل، وما ذاك إلا بالالتحاق بالمراكز العلمية المهيئة لطلاب العلم، والتي يعيش فيها طالب العلم في مجتمع سلفي مسلم، لا ترى فيه شيئًا من فتن هذه المدنية. فهذه نعمة عظيمة، ونحن نشعر بهذا لما كنا في دماج، لما تخرج إلى المدينة تشعر بضيق، وتشعر كذلك بعدم ارتياح، لماذا؟ لأنك ما كنت ترى مثل هذه الفتن، كنت في مجتمع ما فيه، من المسجد إلى السكن إلى الدرس، وما ترى شيئًا من هذه الفتن، مجتمع سليم. فلا شك أن البعد عن المعاصي من أعظم أسباب طلب العلم، وهو من تقوى الله سبحانه وتعالى. قال: ولا شك أن الإنسان كلما ازداد علمًا ازداد معرفة وفرقانًا بين الحق والباطل، والضار والنافع. وكذلك يدخل فيه ما يفتح الله على الإنسان من الفهم، لأن التقوى سبب لقوة الفهم. ولذلك كان بعض العلماء إذا استشكلت عليه مسألة، استشكلت عليه مسألة ولم يفهمها، أكثر من الاستغفار، أكثر من الاستغفار، فيفتح الله عز وجل عليه، كما ذكر ذلك عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وعن غيره. والمعاصي سبب لنسيان العلم. ذكر الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه "الداء والدواء" و"الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي" أن رجلًا نظر إلى صبي أمرد نظرة شهوة، فرآه صديق له، فقال له: «لتعلمن أثر هذه المعصية ولو بعد حين». فقال: «هذا نسيت القرآن». انظر، يعترف أنه نسي القرآن. فالمعصية لها أثر سيء، ولو بعد حين، ولو بعد حين. قال: «فإنك»... قال: «لأن التقوى سبب لقوة الفهم، وقوة الفهم يحصل بها زيادة العلم، فإنك ترى الرجلين يحفظان آية من كتاب الله، يستطيع أحدهما أن يستخرج منها ثلاثة أحكام، ويستطيع الآخر أن يستخرج أكثر من هذا، بحسب ما آتاه الله من الفهم. فالتقوى سبب لزيادة الفهم». ويدخل في ذلك أيضًا الفراسة، أن الله يعطي المتقي فراسة يميز بها حتى بين الناس، فبمجرد ما يرى يميز، ويحكم، ويحكم أنه كاذب أو صادق، أو بر أو فاجر، حتى أنه ربما يحكم على الشخص وهو لم يعاشره ولم يعرف عنه شيئًا، بسبب ما أعطاه الله من الفراسة. وهذا قد يقع، ولكن لا يتوسع في هذا الباب، أن بعضهم قد يقول لك: فلان عنده فراسة، فيحكم على الناس بالباطل وبالأحكام الجائرة. ليس المراد هذا، وإنما المراد أن بعض الصالحين المتقين يوفق إلى الإصابة في معرفة البر من الفاجر، والصادق من الكاذب، لما أعطاه الله عز وجل من العلم والفهم. واستدل بعض أهل العلم أن التقوى أيضًا سبب لتحصيل العلم، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]. وإن كان الفعل «يعلمكم» ليس هو جواب الشرط، لأنه ليس بمجزوم، لم يقل: «واتقوا الله ويعلمكم الله»، ليس هنا من باب الشرط. لكن أهل العلم قالوا: اقتران التقوى بقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ دليل على أن التقوى سبب لتحصيل العلم النافع. فبسبب التقوى يحصل الإنسان على العلم. هذا بالاستنباط، بدلالة الاقتران بين التقوى وبين تعليم الله عز وجل للعبد: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾. وهو استدلال ليس ببعيد، وهو استدلال ليس ببعيد، فيستدل به كذلك على هذه المسألة. والله تعالى، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين.