الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 167، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
سورة الفتح مدنية نزلت عند انصراف النبي ﷺ من الحديبية، وتضمنت بشائر بغفران ذنبه وفتح مكة ورضوان الله على أهل بيعة الشجرة. وفسر المقطع قوله تعالى (وكنتم قوما بورا) بأنهم الهالكون بسبب ظنهم السوء بالله أن لا ينصر رسوله ولا أولياءه.
يشرح المقطع معنى ظن السوء بالله، ويفسر "سيماهم في وجوههم" بالتواضع والخشوع أو أثر السجود. ثم يبين مثل النبي وأصحابه في التوراة والإنجيل كزرع قوي ينبت شطأه فيستغلظ ويستوي على سوقه، ويختم بذكر السابقين الأولين ورضوان الله عليهم.
يفسر المقطع آية ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ بوصفها مثلاً لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين آزروه ونصروه، ويرد على ادعاء الروافض بارتداد الصحابة مستدلاً بآيات الثناء عليهم. وينقل عن الإمام مالك أن من يسب الصحابة لا حظ له في الإسلام، ويوضح تشبيه الحبة التي تنبت سبع سنابل بمضاعفة الله لأجر المنفقين.
تعد سورة الفتح بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عند عودتهم من الحديبية، حيث خففت عنهم ما عانوه من ضيق جراء صلح الحديبية. وستتناول السورة تفاصيل ذلك الصلح وآثاره لاحقاً في الدروس القادمة.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: سورة الفتح. على ما ذُكر من التفسير في سورة الفتح، وسورة الفتح هي من السور المدنية، تعتبر من السور المدنية، ونزلت على قول أكثر العلماء نزلت والنبي عليه الصلاة والسلام منصرف من الحديبية، نزلت منصرفه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الحديبية، منصرف النبي عليه الصلاة والسلام من الحديبية نزلت هذه سورة الفتح. ولهذا كما سيأتي بالحديث فَرِح بها النبي عليه الصلاة والسلام فرحًا عظيمًا؛ لأنها نَفَسَتْ، أولًا: أخبر النبي عليه الصلاة والسلام ربه جل وعلا أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذه بشارة عظيمة لرسول الله صلوات الله وسلم عليه. وأيضًا البشارة الأخرى: أن الله عز وجل بشرهم بالفتح، بشرهم بالفتح الأكبر وهو فتح مكة، وهذه بشارة عظيمة أيضًا للنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في ذلك الوقت، بعدما أصابهم الغم وأصابهم الهم في الحديبية، فإن الله عز وجل فرج عليهم بهذه السورة العظيمة. وكذلك فيها بشارة أيضًا لأهل الشجرة الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة، ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾، فجازاهم بهذا العمل العظيم والنية الحسنة، جازاهم بأن يفتح لهم مكة التي كانوا يتمنون فتحها، بل كانوا يتمنون دخولها فلم يدخلوها عام الحديبية، واتفق النبي عليه الصلاة والسلام مع قريش أنه يدخلها في السنة التي بعدها، فدخلها عليه الصلاة والسلام في السنة السابعة في عمرة القضاء أو عمرة القضية. ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك رجع وذهب إلى خيبر، وفتح الله عز وجل عليه خيبر. ولهذا قال بعض العلماء وبعضهم للتفسير: أن الفتح هذا هو فتح خيبر وليس فتح مكة. لكن قد جاء أن جمعًا من الصحابة، ومنهم جاء في الصحيح عن جابر « أن الفتح هذا هو فتح مكة »، هذا الفتح الذي بشر به الصحابة هو فتح مكة. وجعل صلح الحديبية الذي كان يرى أهل الإيمان أنه غمط عليهم وأنه كذلك شيء من النقص عليهم، لكن بيّن الله عز وجل لهم أن هذا بداية الفتح، أن هذا فتح عظيم، أنهم قبلوا هذا الصلح، أنهم قبلوا هذا الصلح. طيب، قال رحمه الله: وقال مجاهد: « بورا » أي هالكين. في قول الله عز وجل: ﴿ وَظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا ﴾، أي هالكين. أي أن هلاككم هذا بسبب ظنكم ظن السوء، فلو أنكم أهل صلاح وأنتم أهل خير لظننتم بالله عز وجل ظنًا حسنًا، لكنكم أهل خراب وأهل فساد وأهل هلاك، وهذا بسبب أنكم ظننتم بالله ظن السوء. والظن بالله عز وجل ظن السوء هو أنواع وأشكال، لكن هنا المقصود به: أن الله عز وجل لن ينصر رسوله، ولن يؤيد أولياءه. فظن هذا الظن وهو ظن سوء، بل ربنا جل وعلا يؤيد أولياءه ويؤيد أنبياءه، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾. فربنا جل وعلا ينصر رسوله ويدافع عن الذين آمنوا، لكن هؤلاء أهل النفاق وأهل الفساد يظنون بالله عز وجل هذا الظن. ومن أعظم الظن السيء بالله جل وعلا أن يظن به العبد أنه لا ينفعه ولا يضره، وإنما ينتفع بأناس من المخلوقين، فهذا أيضًا من أعظم الظن السيء بالله جل وعلا. ولهذا أشرك به هؤلاء المشركون، ظنوا أن هناك من ينفعهم غير الله ومن يضرهم غير الله، فاعتقدوا النفع والضر في غير الله جل وعلا، وهذا ظن السوء. ومن ظن السوء أيضًا ما ذكره الله عز وجل في سورة فصلت: أن يظن العبد أن الله عز وجل ليس مطلعًا عليه، سواء كان ظن ذلك بظن حقيقي أم بحاله، معنى أنه يفعل ما يريد وكأن الله عز وجل لا يراقبه، لا يطلع عليه، ﴿ ذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. وقال: وقال مجاهد: « بورا » هالكين. وقال مجاهد: « سيماهم في وجوههم »، السحنة، السحنة بالسين المشددة، السحنة، والمراد بالسحنة هي العلامة التي في الوجه، علامة السجود. وقال منصور عن مجاهد: التواضع. وقد ذكر أكثر من روى عن مجاهد أنه فسرها بالتواضع والخشوع. وهنا قال: السحنة، المراد به العلامة التي تكون في الوجه لكثرة السجود، مثلًا فينقشر أو تكون علامة في الوجه، وهذا يكون لبعض الناس، بعض الناس تكون جبهته رقيقة فإذا أكثر السجود أو حتى سجد مرة ليس كثيرًا فتكون فيه علامة. وبعضهم قال: المراد به النظرة التي تكون في وجهه لأجل السجود. لكن كما قال مجاهد: المراد به التواضع والخشوع، التواضع والخشوع يكون في وجهه، يراه أهل الإيمان، ﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ﴾. وقد يكون المراد به هذه العلامات التي تكون يوم القيامة. وقال منصور عن مجاهد: التواضع. وقال: « شطأه » أي فراخ. « شطأه »، شطأه أي فراخه، معنى الشطأ هو الصغار التي تنبت معه أو تنبت بعده، والفراخ هو فراخ الدجاج أو غيره عن الصغار، فهذا شطأه أي فراخه، أي صغار التي تنبت معه، التي تنبت في السنبل، السنبل ينبت فيه عدة شطأ ونبات صغيرة. فالله عز وجل يقول: ﴿ مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ﴾، هذا مثل أهل الإيمان، أي مثل نبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في التوراة، أن سيماهم في وجوههم لأجل السجود، كثرة السجود، سيماهم في وجوههم من أثر السجود. ﴿ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ﴾. أنا يقول الله عز وجل أن الله عز وجل وصف، يخبر أنه وصف أهل الإيمان ووصف أصحاب محمد صلى الله عليه عليه وسلم في الإنجيل بأنهم كالزرع، الزرع أول ما يطلع يطلع ثم يطلع معه السنابل، أو في كل سنبلة سبع سنابل أو ست، يعني كل سنبلة تطلع معها ما يقويها، هذه كأنها مؤازرة لها لأنها لوحدها إذا كانت السنبلة وحدها ما تستطيع أن تستقيم في الساق، لكن لما تكون سبع سنابل تشتد بعضها ببعض. فهكذا محمد عليه الصلاة والسلام كان وحده ويدعو وحده عليه الصلاة والسلام، ثم آزره الله عز وجل بهؤلاء الصحابة، وشد عضده بهؤلاء الأخيار رضي الله تعالى عنهم، فنصروا نبيهم عليه الصلاة والسلام وقاموا معه أشد القيام. فقال الله عز وجل بعد ذلك: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾، فلهذا فهؤلاء يصفهم الله عز وجل بهذا الزرع الذي يشتد بإخوانه، ثم يغلظ، يعني إذا كبر يسيرًا يغلظ. قال: ﴿ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ﴾، شطأه هذا كما قلنا الصغار مثله، ﴿ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ ﴾، عازر العصر، ﴿ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ ﴾، أنا جاء السوق هنا الجذع، ﴿ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ ﴾ بعدما يطلع ينبت هذا الحشيش أو هذا الزرع يستوي على سوق الشجرة، يستوي على سوق الشجرة والساق هذا الذي هو حامل الشجرة، فتستوي هذه الزرع عليه. قال: ﴿ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ﴾، فهذا الزرع الذي حصل لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي أنهم جاءوا مع النبي عليه الصلاة والسلام وآزروه وعظموه، فعزروه ووقروه كما قال النبي، كما قال الله عز وجل، فلهذا قال: ﴿ فَآزَرَهُ ﴾ أي قواه، ﴿ فَآزَرَهُ ﴾ أي قواه، اشتد وقوي به، ﴿ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ ﴾، فهذا مثل ضربه الله عز وجل لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهم نصروا دين الله عز وجل، نصروا دين الله عز وجل. فأين الروافض من هذا؟ أين الروافض من هذا الذي ذكره الله عز وجل عن أصحاب محمد؟ هؤلاء الروافض أخزاهم الله، يقولون أن أصحاب محمد ارتدوا، كيف ارتدوا والله عز وجل بين أنهم آزروا نبي الله ونصروه؟ فكيف يكونون ارتدوا؟ أخزاهم الله. وهذا يدل على أنهم ليسوا، ليس لهم في الإسلام شيء، فهم كما ذكر غير واحد، مع العلم أنهم كفار، ليس لهم حظ في الإسلام. ولهذا الإمام مالك رحمه الله في هذه الآية قال: « فكل من تكلم في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله سلم فليس له من الفيء شيء، وليس له حظ من الإسلام »، ويريد به الروافض الذين تكلموا وسبوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله سلم. وقال: « دائرة السوء »، كقولك: رجل السوء. « دائرة السوء » أي العذاب عليهم، « دائرة السوء » أي عليهم العذاب، أي دار العذاب عليهم. وقال: ﴿ وَيَعْزِرُوهُ ﴾ أي ينصروه، ﴿ وَيُوَقِّرُوهُ ﴾ ينصروه كما ذكر الله عز وجل. قال: « شطأه »، شط السنبل. أنا كرر هنا: « شطأه » أي شط السنبل، وهو الفراخ التي أو ما ينبت مع الأصل. قال: تنبت الحبة عشرة أو ثمانية وسبعة، أن يكونوا في سنبل واحد في حريز واحد أو شيء ما، طبق واحدة، تكون سبع سنابل أو ثمان، أقصد سبع زروع في السنبل الواحدة. قال: فيقوى بعضه ببعض. ولهذا الله عز وجل يضاعف لمن ينفق في سبيل الله عز وجل، في السنبل الواحدة يجعل مئة حبة، هذا تكثير، الغالب السنبل تكون عشرًا أو ثمانية سبعة، لكن الله عز وجل جعلها مئة حبة، مثل الذين ينفقون في سبيل الله، ﴿ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ﴾، أنبت سبع سنابل والسنبلة الواحدة تكون فيها مئة حبة، معنى سبع مئة ضعف. قال: تنبت الحبة عشرًا أو ثمانية أو سبعة، فيقوى بعضه، فيقوى بعضه ببعض، أو فيقوى بعضه ببعض. فذاك قوله جل وعلا: ﴿ فَآزَرَهُ ﴾ أي قواه، ولو كانت واحدة لم تقم على ساق، لو كانت واحدة فقط ما تستطيع أن تقوم على الساق، ستسقط، لكن لما كانت ثمانية أو تسع أو عشر، فتقوي بعضها بعضًا وتؤاجر بعضها بعضًا. قال: قال وهو مثل ضربه الله للنبي عليه الصلاة والسلام، إذ خرج وحده، ضربه في الإنجيل كما ذكر الله، ثم قواه بأصحابه كما قوى الحبة بما ينبت منها. فهذا، هذا وصف لله عز وجل، أو وصف الله عز وجل لأصحاب رسول الله صلوات الله وسلام عليه. وهذا يدل على أن الله عز وجل أثنى على الصحابة رضي الله عنه بما قاموا به وما أيضًا كابدوه في الفتح، فنفس الله عز وجل عليهم، أثنى على نبيهم عليه الصلاة والسلام في أول سورة بأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ثم في آخر سورة أثنى على أصحابه رضي الله عنهم، وأنهم أنصار رسول الله ومن آزره أو من يآزره عليه الصلاة والسلام. فلهذا كانت هذه سورة البشارة للنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه من رجوعهم من الحديبية، وتفريج عما وجدوه في ذلك الموقف، في ما حصل في صلح الحديبية مما قد علمتم وقرأتم في ذلك، وسيأتي إن شاء الله شيء من ذلك، والله تعالى أعلم.