كتاب التفسير من صحيح البخاري 168

كتاب التفسير من صحيح البخاري 168

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 168، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سند حديث الفتح المبين وقصة عبد الله بن مسلمة مع مالك

يستعرض المقطع سند الإمام البخاري لحديث «إنا فتحنا لك فتحا مبينا» مروراً بعبد الله بن مسلمة القعنبي، مبيناً قصة توبته على يد شعبة بن الحجاج ورحلته للأخذ عن الإمام مالك. يؤكد الدرس أن العبرة في الإسلام بالعمل والتقوى لا بالنسب والقبيلة مستدلاً بأقوال النبي ﷺ وأقوال السلف.

قصة عمر بن الخطاب في الحديبية ونزول سورة الفتح

يسرد المقطع واقعة سيرة عمر بن الخطاب مع النبي ﷺ في سفر الحديبية حيث سأله فلم يجبه لنزول الوحي، ثم نزلت سورة الفتح فقال النبي إنها أحب إليه مما طلعت عليه الشمس. يذكر المقطع أيضاً ضعف رواة حديث زيد بن أسلم الوارد في هذا السياق.

تفسير الفتح المبين وإسناد حديث أنس في صلح الحديبية

يوضح المقطع أن النبي ﷺ لم يكن يعلم مصيره حتى نزلت سورة الفتح مبشرة بغفران ذنبه، ويستعرض إسناد حديث أنس بن مالك المفسر للفتح المبين بصلح الحديبية. يبرز المقطع مكانة شعبة بن الحجاج العلمية ويبين أن الصلح كان فتحاً عظيماً مهّد لفتوحات خيبر ومكة.

قراءة النبي ﷺ سورة الفتح يوم فتح مكة

ذكر الراوي أن النبي ﷺ قرأ سورة الفتح في يوم فتح مكة ثم رجع فيها، وأشار المتحدث إلى تأجيل تفصيل ذلك للدرس القادم مختتماً بقوله والله أعلم. يختم هذا المحور سلسلة الأحاديث الواردة في أسباب نزول السورة ووقائعها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاهما. بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: إنا فتحنا لك فتحا مبينا». قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة. عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، وهو بصري لكن علمه مدني. هو بصري وعلمه مدني. ماذا معنى علمه مدني؟ أخذ من مالك. هو بصري أصلا لكنه أخذ العلم عن مالك. ذكر له قصة أنه كان من أهل الأغاني والطرب وهو في البصرة، فذات مرة مرّ شعبة معه طلابه، الطلب بين يديه، فقام عبد الله بن مسلمة لما رأى شعبة، وقال: «حدثنا حديثا». أنا قام من فرقة، يعني من المكان الذي يغنون فيه، فلما رأى شعبة قام إليه وقال: حدثنا. فقال: فحدثه شعبة بحديث شداد بن أوس: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت». إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت. وأنا يقول له: أنا كيف تأتي من مكان غناء وتقول: حدثنا، وترى الناس أمامه؟ فحدثه بهذا الحديث، فأدرك عبد الله بن مسلمة أنه في هذا المقام أنه لم يستحِ: «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت». فقال: فاستنصح بعض الناس في العلم، فقال: إذا أردت العلم فاذهب إلى المدينة إلى مالك. فذهب إلى مالك. ولهذا معنا عبد الله بن مسلمة لم يروِ عن شعبة إلا هذا الحديث فقط، مع أنه بصري لكن لم يروِ عن مشايخ أهل البصرة، ومنهم شعبة، لم يروِ عنه إلا هذا الحديث: «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت». فذهب إلى المدينة وأخذ العلم من مالك، وبسبب نيته الحسنة صار من حفاظ أصحاب مالك. اعتمده بعض العلماء في الموطأ، يعتبر من حفاظ أو من مقدمي الموطأ، من رواة الموطأ. لهذا اعتمده الإمام مسلم في صحيحه في رواية الموطأ. والبخاري اعتمد ممن في رواية الموطأ. من يذكر اعتمد من البخاري في رواية الموطأ؟ معنا أكثر فيها رواية الموطأ. البخاري يرويها عن من؟ أكثر ما يروي عن مالك عن الليث... لا، لا، الليث عن عبد الله بن يوسف التنيسي. قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي عن مالك. مالك هو إمام دار الهجرة، مالك بن أنس الأصبحي، وأبوه مالك بن أبي سهيل، وعمه نافع بن أبي سهيل. ومالك عربي كما قاله ابن إسحاق، أنه من الموالي، وهذا لا يضيره، حتى لو كان من الموالي فأكثر أئمة الإسلام من الموالي. لكن غضب مالك لأنه تكلم بشيء لا يعلمه. فالمهم أن مالكا أصبح، وما كانوا يهتمون بهذه الأشياء. ولهذا قال رجل للإمام أحمد رحمه الله: «أنت من شيبان، أليس شيبان من قريش؟» فقال له أبو عبد الله أحمد محمد: «وهل ينفع هذا؟» أنا حتى لو كنت من قريش هل هذا ينفعك؟ لا ينفع العبد إلا عمله. «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه». صحيح أن الإنسان يبحث عن نسبه لأجل أن يصل أرحامه: «احفظوا أنسابكم لكي تصلوا أرحامكم». لكن ليس معنى ذلك أنه يفتخر أنهم بني فلان، وأن هذه قبيلة عريقة، وأنها كذا. هذا يدخله في الفخر الذي نهى عنه الإسلام، وأيضا يدخله في الطعن في الأنساب. فيقول: أنا من بني فلان الذين هم كذا وكذا، مثل ما كانت أهل الجاهلية يطعنون في بعض القبائل ويرفعون بعض القبائل. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اثنتان في أمتي هما بهم كفر: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب». وأيضا في الحديث الآخر: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية». فهذا ليس من أمر أهل الإسلام، وإنما من أمر أهل الجاهلية: الافتخار بأنه من قبيلة فلان، وأنه من قبيلة فلان، وأنهم فعلوا وفعلوا. فالمرء ليس إلا بدينه. لهذا لا ينفع الإنسان، كما قال بعض الشعراء: «فالمرء ليس إلا بدينه، فلا تترك التقوى اتكالا على النسب، فقد رفع الإسلام سلمان فارس، وقد وضع... وقد وضع... وقد وضع الشرف النسبي أبا لهب». قال: عن مالك، عن زيد بن أسلم. وزيد بن أسلم من فقهاء المدينة الذين كانوا يعلمون الناس ويفقهونهم، وكان كما قال أبو حازم: «كنا نجتمع عند زيد بن أسلم أربعون فقيها». قال: عن زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم مولى عمر. وأسلم ليس له إلا زيد، وزيد له ثلاثة أولاد. زيد بن أسلم له ثلاثة أولاد، كلهم محدثون لكنهم ضعفاء: أسامة، وعبد الله، وعبد الرحمن. أكبرهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، مفسر لكنه أضعفهم في الحديث. أما في التفسير فهو موفق بحمد الله. عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أقواله موفقة في التفسير، لكنه في الحديث ضعيف جدا، أضعف إخوانه. وكذلك أسامة، بعده بعده عبد الله. فعبد الله أصحهم حديثا، لكن كلهم فيهم ضعف. وعبد الرحمن كما قلنا أضعفهم وأكبرهم، لكنه مفسر. قال: عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره، وعمر بن الخطاب يسير معه. هذه صورتها صورة مرسل، لأن أسلم مولى عمر لم يدرك هذه الحادثة، فهو تابعي ليس صحابيا، لكنه روى هذا الحديث عن عمر كما في روايات أخرى. وأيضا يبين من هذه الرواية: قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره، وعمر بن الخطاب يسير معه ليلا. وهذه السفرة هي سفرة الحديبية. قالوا: عمر بن الخطاب يسير معه ليلا، فسأله عمر، فسأله عمر بن الخطاب عن شيء، فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم. أنا عمر سأل النبي عليه الصلاة والسلام، لكن النبي لم يجبه عن سؤال. قال: ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه. ولعل هذا ما حصل من عمر رضي الله عنه في الحديبية، أليس لما كان يقول: «ألسنا يا رسول الله على الحق، وعدونا على الباطل؟» فكان النبي صلى الله عليه وسلم لم يجبه إلا في آخر، قال: «أنا رسول الله ولست بعاصٍ». أنا رسول الله ولست بعاصٍ، أي أن هذا الأمر أمر من الله عز وجل، ولا أعصي الله. قال: فقال عمر: «ثكلت أم عمر، نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، كل ذلك لا يجيبك». نزرت معناه: سألت أو كلمت. نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا بالزاي والراء، معناها المراد أنك أغضبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلامك. قال عمر: «فحركت بعيري، ثم تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل فيّ القرآن». وهذا لصفاء قلبه رضي الله عنه، لم يعقد في نفسه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكلمه، وإنما أخذ في نفسه أنه أغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلامه، وهو يظن هذا. قال: «فحركت بعيري، ثم تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل فيّ القرآن، فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي، فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل فيّ القرآن، أو فيّ قرآن». فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلمت عليه. أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إليه رجلا يناديه. وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان لم يرد على عمر، لأنه كان يوحى إليه، فلذلك لم يرد على عمر سؤاله، ولما انتهى الوحي أمر من ينادي عمر رضي الله عنه. قال: «فسلمت عليه، فقال: لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس». ثم قرأ: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾. وهذا هو الذي كان النبي عليه الصلاة والسلام مشغولا به، لم يجب عمر. وفيه أن هذه سورة عظيمة كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعظم ما فيها بدايتها: أن الله عز وجل غفر لنبينا عليه الصلاة والسلام ما تقدم من ذنبه وما تأخر. ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر * ويتم نعمته عليك * ويهديك صراطا مستقيما﴾. فهذه بشارات عظيمة في أولها: أولا الفتح، والثاني المغفرة، وثالثا إتمام النعمة، والرابع الهداية. أربع بشارات في بداية هذه السورة العظيمة. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد أنزلت علي الليلة سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس». أي: أحب من الدنيا كلها، كل شيء في الدنيا، فهذه سورة أحب إلي مما طلعت عليه الشمس. لأن الله عز وجل أعلم نبيه بمصيره، وهو أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وإلا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما جاء في البخاري في حديث من العلاء، يقول عليه الصلاة والسلام: «لا أدري ما يفعل بي ولا بكم، وأنا رسول الله». جاء في رواية: «قال: وأنا رسول الله، لا أعلم ما يفعل بي ولا بكم». أنا يقول: أنه نبي الله ورسوله، لكنه لا يعلم ما سيفعل الله عز وجل به يوم القيامة. لكن بعد ذلك، كما قال العلماء، أن هذا قبل نزول الفتح. أن هذه الآية نزلت، وقول النبي عليه الصلاة والسلام هذا في بداية مجيئه للمدينة، عندما آخى بين الأنصار والمهاجرين، ثم مات عثمان بن مظعون. قيل هذا في موت عثمان بن مظعون، وعثمان مات قبل بدر، قبل غزوة بدر. فلهذا أعلم الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام بأمره يوم القيامة، وأنه قد غفر الله عز وجل له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. ومعنى ذلك أنه لا إثم عليه عليه الصلاة والسلام. قال: حدثنا محمد بن بشار. قال: حدثنا غندر. أمم بشار هو غندار، وهو من التسعة الذين روى عنهم أهل الكتب الستة مباشرة. قال: حدثنا غندر، وهو محمد بن جعفر، أبو بكر بغدادي. قال: حدثنا شعبة، وهو من الحجاج، العتكي الأزدي، العتكي أو العتكي، العتكي الأزدي، أبو بستام، أمير المؤمنين في الحديث، وهو إمام أهل البصرة، وهو أول من فتش في الرجال في البصرة. لكن علمه كوفي، كما ذكر العلماء أن شعبة بصري لكن علمه كوفي. وذكرنا معنى علمه كوفي: معناه أنه تعلم أول ما تعلم عند علماء الكوفة. كما أنه قلنا: عبد الله المسلم القعنبي، علمه مدني لأنه تعلم في المدينة. وهو أيضا شعبة تعلم في الكوفة. أكبر مشايخه في الحديث هم أهل الكوفة: الأعمش، وأبو إسحاق، وجامع بن شداد، وغيرهم من هؤلاء الذين سمع منهم بالكوفة. وسمع أيضا من أئمة ومن علماء في البصرة، كالقتادة وغيره. لكن أول ما سمع الحديث كان وهو بالكوفة من مشايخ الكوفة. ولهذا كان يقول: «لولا الشعر لجئتكم بالشعبي». لولا الشعر لجئتكم بالشعبي. معناه: لولا أني شغلت بالشعر لأتيتكم بالرواية عن الشعبي. لكنه لم يروِ عن الشعبي مباشرة، وإنما روى عن أصحابه. قال: سمعت قتادة. قتادة بن دعامة، أبو الخطاب السدوسي البصري، الأعمى، وهو أكمه، أن ولد أعمى، لكنه كان حفظه عظيم، لا يسمع شيئا إلا حفظه. وكان إذا لم يحفظ شيئا، أو إذا لم يحفظه يأخذه في العون، لا يرفع الصوت حتى يحفظ ذلك الذي أراد أن يحفظه. قال: سمعت قتادة عن أنس رضي الله عنه يقول: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾. قال: الحديبية. أنا أنس يقول: أن هذا الفتح هو فتح الحديبية. وقد تكلمنا على هذه المسألة، فالمراد: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾ هو صلح الحديبية. لكن المراد أنه مبشر إلى فتح أعظم. فتح الحديبية أو صلح الحديبية بشارة إلى الفتوحات العظيمة. فبعده كان فتح خيبر، وبعده كذلك الفتوحات العظيمة، هو فتح مكة. فصلح الحديبية كان فتحا بالنسبة لأهل الإسلام، وإن كان ظاهره أنه فيه شيء من الإجحاف على أهل الإسلام، لكن كان فتحا عظيما لأهل الإسلام. تفرغ أهل الإسلام للدعوة إلى الله، وتفرغ كذلك لليهود الذين يمكرون بأهل الإسلام. ثم بعد ذلك غزا النبي عليه الصلاة والسلام مكة وفتحها. وهل فتحها عنوة أو صلحا؟ الصحيح أنه هذا وهذا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل ولم يلقَ حربا، لكن بعض أصحابه الذين جاءوا من الجنوب دخلوا في أسفل مكة في كداء، لقيوا بعض أهل الشرك، أنا خالد بن الوليد رضي الله عنه ومن معه، قابلهم عكرمة بن أبي جهل ومن كان معه من المشركين، لكنه لم يستطيعوا أن يقفوا أمام جيش خالد رضي الله عنه وتفرقوا، ثم أسلم بعد ذلك عكرمة رضي الله عنه. قال: وحدثنا مسلم بن إبراهيم، وهو الفراهيدي. قال: حدثنا شعبة. قال: حدثنا معاوية بن قرة، عن عبد الله بن مغفل. معاوية مدني، وعبد الله بن مغفل صحابي جليل. قال: قرأ النبي عليه الصلاة والسلام يوم فتح مكة سورة الفتح، فرجع فيها. طيب، هذا لعلنا نتركه في الدرس اللاحق. طيب، نكتفي بهذا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.