كتاب التفسير من صحيح البخاري 178

كتاب التفسير من صحيح البخاري 178

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 178، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مكانة علي بن المديني ومحنة خلق القرآن

يُبرز المحور مكانة علي بن المديني إماماً في علم العلل ومحبته لدى شيوخه، ثم يستعرض موقفه في فتنة خلق القرآن حيث أجاب مكرهاً وضعيفاً. ويناقش الفرق بين إكراه الفعل والتهديد في موافقة الإمام أحمد أو رفضه لعذر ابن المديني مع التنبيه على اجتهاد كلا الإمامين.

قصة ثابت بن قيس ونزول آية خفض الصوت

يسرد المحور قصة افتقاد النبي لثابت بن قيس وخوفه من حبط عمله لجهرة صوته، فبشره النبي بالجنة. ويوضح سبب نزول آية النهي عن رفع الصوت في الأعراب من بني تميم، والفرق بينهم وبين ثابت، مع استعراض أقوال العلماء في تفسير الآية ظاهراً وباطناً.

أدب الصحابة في خفض الأصوات عند النبي

يبيّن المحور التزام الصحابة رضي الله عنهم بخفض أصواتهم عند النبي صلى الله عليه وسلم توقيراً واحتراماً، بينما كانوا يتحدثون فيما بينهم بأصوات طبيعية. ويشير إلى أن هذا السلوك يعكس عظيم أدبهم وتوقيرهم للرسول الكريم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا علي بن عبد الله، وهو أبو الحسن ابن المديني، علي بن عبد الله بن جعفر بن المديني رحمه الله، وكان إمامًا من أئمة العلم، وهو المقدم في علم اختلاف الحديث والعلل، حتى قدم على أحمد في ذلك، وقيل: أعرف الناس بعلم العلل هو علي بن المديني رحمه الله. حتى قال الإمام النسائي رحمه الله: كأن الله عز وجل خلق عليًّا لذلك، أي لعلم العلل، لمعرفته بهذا العلم. وكان مشايخه يقدمونه، كان سفيان بن عيينة يروي عنه، ويقولون: يلومونني في حب علي، وأنا أستفيد منه أكثر مما يستفيد مني. وهكذا قال أيضًا يحيى بن سعيد: إنا لنستفيد من علي أكثر مما يستفيد منا. وكان يحيى بن سعيد يقول: علي صاحبي. حتى أنه مرة حلف أن لا يحدث شهرًا، فجاء في تلك الأيام عليٌّ عنده فحدثه، قالوا له: إنك قد حلفت شهرًا أن لا تحدث، قال: أستثني عليًّا. وحيانا يخرج، قالوا: يقول: ما أخرجني إلا علي. علي بن عبد الله، وهذا مما يدل على أن العلماء كانوا يميزون الطالب الذي هو مجتهد في العلم، وأيضًا يصرفون له أوقاتهم. ولهذا كان سفيان بن عيينة يحبه أيضًا كثيرًا، حتى كان يقول إذا سُئل عن اختلاف الحديث: لو حيت الوادي هنا. وكان يلقبه بحية الوادي، أي: سفيان بن عيينة كان يلقب عليًّا بحية الوادي؛ لأنه يعرف مخارج الحديث ومداخله، مثل ما تعرف الحية مخارج الوادي ومداخله، فلذلك كان يسميه بحية الوادي أو يلقبه بحية الوادي. وعليٌّ رحمه الله ممن أجاب في فتنة خلق القرآن، بل أنه بسبب ضعفه حتى أنهم استخدموه في بعض الأشياء، وكان يقول: لو ضربوني سوطًا لمت، وعلى من شدة نحافته، وكان رجلًا فقيرًا ما عنده ما يعيش به، فلذلك كان نحيلًا جدًا، فقال: لو ضربوني سوطًا لمت. وأما أبو عبد الله فقد أقدره الله على السياق، على السياق أنا تحمل، مع أنه أيضًا أحمد كان نحيلًا لكن تحمل السياق، حتى قال بعض من رأى السياق: ضربت أحمد حتى لو ضرب جبلًا لهد من كثرة الضرب، لكنه ما تحرف، وهذا كرامة له رحمه الله. فعليٌّ رحمه الله أجاب في فتنة القرآن مكرهًا، والله عز وجل قد أجاز الكفر عند الإكراه، كما قال الله عز وجل: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾ [النحل: 106]، ولكن من شرح بالكفر صدرًا... فمن أكره على الكفر... مع أن عليًّا رحمه الله كان يقول: القول بخلق القرآن كفر، لكنه أجاب مكرهًا. لكن الإمام أحمد رحمه الله لم يستقبل ذلك منه، وهجر الذين أجابوا، هجرهم رحمه الله، وهذا اجتهاد أيضًا منه. ولما دخل عليه يحيى بن معين في آخر عمره، أو في مرض موته، وهو حلف أن لا يكلمه، فكان يقول: يا أبا عبد الله، ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾، وحديث عمار معناه، يذكّرون بهذا، نحن ما أجبنا إلا اضطرارًا. فقال أحمد رحمه الله عن إجابة، ولم يواجههم، لكن قال: ما ضربوكم حتى أجبتم، وإنما قالوا إنهم سيضربونك. كأن أحمد يفرق بين الإكراه أن الإنسان يكره بفعل، أما الإكراه بالتهديد فكأنه لا يراه إكراهًا، الإكراه بالتهديد لا يراه إكراهًا، أو أنه في رواية عنه أنه إن كان الإكراه تهديدًا فقط وليس فعلًا فليس يعد من الإكراه الذي يجيز الكفر. وأكثر أهل العلم على أنه يجوز، يجوز أن الإنسان يقول كلمة الكفر ولو بالتهديد، وهذه مسألة كما هو معلوم مختلف فيها بين أهل العلم. واجتهد أولئك الذين أجابوا خوفًا من العذاب وخوفًا من الإهانة، وصمد الإمام أحمد رحمه الله، وأزال الله عز وجل به الفتنة. وكان علي رضي الله عنه يقول: رجلان من أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لولاهما لذهب هذا الدين: أبو بكر في الفتنة، أبو بكر في الردة، وأحمد بن حنبل في الفتنة. هذا قول علي بن عبد الله المديني رحمه الله. قال: رجلان أقام الله عز وجل بهما الدين، أو قال: لولاهما لذهب هذا الدين: أبو بكر يوم الردة، وعلي يوم الفتنة، أو أحمد يوم الفتنة، فتنة خلق القرآن. فلذلك فهم مجتهدون في ذلك، وهما إمامان كبار، فلا يبغي لأحد أن يعيرهم بمثل هذا. سمعنا في بعض الناس، أحد من سمع مثل هذا، أو لعله قرأ في شيء من كتب التاريخ، أو تأثر بشيء بأحد من تكلم في علي، خاصة في بعض الكتب التي تكلموا فيها عليه، فظاهر أنه قرأ مثل هذه الكتب، فقام وعمل خطبة جعلها في علي المديني، وهذا جهل، وأيضًا عدم معرفة لقيمة هؤلاء العلماء. فالمهم أن هذا اجتهاد كان منهم رحمه الله، وإلا فهم أئمة، وكذلك من أعرف الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وحتى أن عليًّا قال: رأيت رؤية أن الثرية كانت معلقة، ثرية بمعنى النجم، قال: فتناولتها وأخذتها. قيل: إنه كما فسره بعض المعبرين له: أنك تبلغ شأنًا عظيمًا، أو يبلغ شأنك شأن عظيم في العلم، وفعلا فإنه لا يشق أحد غباره في علم العلل. قال: حدثنا أزهر بن سعد، وهو الباهلي مولاهم البصري. أزهر بن سعد الباهلي، وهو مولى، ويقال أنه ليس مولى أصلًا، معنى: جده لم يكن عبدًا وإنما كان عربيًا، لكن سرقته الترك، سرقته الترك، ولما فتحت بلاد الإسلام صار أسيرًا، فأخذه بعض أهل باهلة فصار مولى له. وأزهر بن سعد يعتبر من حفاظ أهل البصرة، وإن كان قليل الحديث. قال: أخبرنا ابن عون، وابن عون هو عبد الله بن عون بن أرطأة البصري، الإمام عبد الله بن عون، إمام من أئمة أهل البصرة، مقامه كمقام أيوب بن أبي تميمة السختياني، وهو من مشايخ سفيان الثوري الذين كان سفيان على يدهم من أهل السنة، كان سفيان على عقيدة بعض الفرق الشيعية، لكن لما جاء لهؤلاء الأئمة وطلب العلم عندهم فإنهم دلّوه على السنة. وعبد الله بن عون يعتبر من أوثق الناس في محمد بن سيرين، وأعرف الناس بحديثه، وهو وأيوب بمنزلة واحدة. كان أئمة سنة في البصرة ثلاثة بعد الحسن البصري، بعد ما مات الحسن البصري، كان أئمة البصرة ثلاثة: أيوب، وعبد الله بن عون، ويونس بن عبيد، رحمة الله عليهم. كانوا أئمة سنة في البصرة، وحفاظ الحديث، وفقهاء الحديث، وفقهاء العلم. كانوا أئمة أهل البصرة في ذلك الوقت، وهم الذين نشروا العلم في البصرة حتى جاءهم الناس من كل مكان، ثم كثر الحفاظ في البصرة. ولهذا تجد حفاظ أهل البصرة الكبار كابن علية، وحماد بن زيد، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وخالد الحذاء، وكذلك يزيد بن زريع، ويزيد بن هارون، وغيرهم من أئمة أهل البصرة وواسط، كانوا هم طلاب هؤلاء، طلاب أيوب وابن عون ويونس بن عبيد. قال: أنبأنا موسى بن أنس، وهو ابن أنس بن مالك الصحابي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه. وأنس بن مالك خزرجي من بني النجار، من أخوال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بني النجار أخوال النبي عليه الصلاة والسلام. من أين جاء أخواله؟ قلنا: إن بني النجار أخوال النبي عليه الصلاة والسلام. ومن أين جاء أنهم أخواله؟ إن أم عبد المطلب منهم. هاشم جد النبي عليه الصلاة والسلام، هاشم بن عبد مناف، تزوج في بني النجار، وجاءت له بعبد المطلب، وهو شيبة الحمد، وسُمي عبد المطلب لأن المطلب أخو هاشم، لما مات أخوه ذكر له أنه تزوج في بني النجار، فذهب إلى المدينة، أي المطلب ذهب إلى المدينة، وجاء بابن أخيه، فلما دخل مكة قالوا: عبد المطلب، ظنوه عبدًا له، وهو إنما هو ابن أخيه، فكان هذا الاسم أخذ عنه، عبد المطلب، معنى صار فيه، وإنما هو شيبة الحمد. فأمه كانت من بني النجار، فلذلك أخواله من بني النجار. ولهذا لما دخل على رجل من بني النجار وهو في سياق الموت، فقال له: يا خال، كُن لا إله إلا الله. فقال النجاري: أخال أم عم؟ أنا كيف تقول: خال؟ أنا عمك، ليس خالك. وإنما قال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؛ لأنهم بني النجار، وبنو النجار أخوال النبي عليه الصلاة والسلام، ومنهم أنس، أنس بن مالك، بن النجار، من الخزرج. طيب، قال أنس رضي الله عنه: إن النبي عليه الصلاة والسلام افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه، افتقد ثابت، أنا أسأل عنه، افتقده، سأل عنه. فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه، أنا آتي لك بنبئه وخبره. قال: فأتاه، فوجده جالسًا في بيته منكسًا رأسه. وجاء في بعض الروايات أنه لم يدخل عليه، وإنما كان ثابت قد أغلق على نفسه الباب وسمره، أي سمر الباب لئلا يدخل عليه أحد، ودخل بيته ونكس رأسه، وصار منكس رأسه، وهذا من شدة خوفه رضي الله عنه. قال: فقال له، فناداه هذا الرجل. جاء في بعض الروايات أنه ناداه حتى سمعه، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عنك. فلما سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عنه، قام وفتح الباب، فقال له: ما شأنك؟ قال: شر، كنت أرفع صوتي فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، أي يقول على نفسه ويجعله على صيغة الغائب، "كان يرفع صوته"، أي هذا ضمير الغائب، ما يريد أن يقول: كنت أرفع صوتي فوق صوت النبي عليه الصلاة والسلام، فقد حبط عملي، وأنا من أهل النار. فأتى الرجل النبي عليه الصلاة والسلام فأخبره أنه قال كذا وكذا. فقال موسى، أي موسى بن أنس: فرجع إليه المرة الأخرى ببشارة عظيمة، فقال: اذهب إليه، أي النبي عليه الصلاة والسلام، قال لهذا الرجل: اذهب إليه، فقل له: إنك لست من أهل النار، لكنك من أهل الجنة. وهذه بشارة عظيمة لثابت بن قيس بن شماس، وهو حِينئذٍ... وكان خطيب النبي عليه الصلاة والسلام، خطيب النبي هو ثابت بن قيس بن شماس، وكان أيضًا من أفصح العرب. فلذلك كما قلنا: لما خطب ثابت بن قيس عندما جاء وفد تميم، قال الأقرع بن حابس: خطيبهم أفضل من خطيبنا، وشاعرهم أشعر من شاعرنا. فثابت كان خطيبًا مفوهًا، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يعتمد عليه في الردود، وفي أيضًا كذلك الخطب. اتفق الصحيحان: لما جاء مسيلمة الكذاب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس، فقال الكذاب مسيلمة: يا محمد، أنا أؤمن بأنك رسول الله، لكن إن مت فعهد لي. وكان النبي صلى الله عليه وسلم معه قضيب يعود، فقال: والله لو طلبت مني هذا القضيب ما أعطيتك إياه، وإنك لكذاب، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. ثم ولّى عليه، وقال: رد عليه يا ثابت. قال: فرد ثابت بن قيس على هذا الكذاب. وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتمد ثابتًا في الرد لفصاحته ومعرفته بدين الله جل وعلا. قال: قال هنا: إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة. وفيه فضيلة هذا الأمر، وأن الآية أيضًا ليست مقصودها ثابت، وإنما المقصود به من تعمد هذا. وأما ثابت فقد جعل الله عز وجل له صوتًا جهوريًا، أو جهوريًا، عن الصوت الجهوري الذي يكون كبيرًا، والجوهري الذي يكون صوتًا فيه ندي، فكان له صوت جهوري، فلذلك خاف أن تكون هذه الآية تعنيه. وهذا كما ذكرنا قبل أكثر مرة: أن الصحابة رضي الله عنهم، الذين رفعهم الله عز وجل، كانوا عندما يقرؤون القرآن فهم يعتقدون أن القرآن يخاطبهم أصلًا، ليس مثلنا الآن، نحن نقرأ القرآن ونظن أن هذا القرآن يخاطب أناسًا آخرين، وليس نحن الذين يخاطبون. لكن الصحابة كانوا يقرؤون القرآن وهم يعتقدون أن القرآن يخاطبهم أنفسهم، فلذلك كلما قرؤوا آية تفكروا في أنفسهم: هل فيهم هذه الآية أو ليست فيهم؟ ليس كخبر المنافقين، المنافقون كانوا يخافون أن تنزل فيهم سورة لما يعملونه من خبث، وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض: هل يراكم من أحد؟ ثم انصرفوا. فلذلك أما هؤلاء، أهل الإيمان، فهم يعتقدون أن القرآن يخاطبهم، فلذلك كلما نزل شيء من هذه الآيات اعتقدوا أنها فيهم، كما تقدم معنا أن أبا بكر وعمر اعتقدوا أن الآية فيهم، وثابت بن قيس اعتقد أن هذه الآية أيضًا فيه، فلذلك كانوا يخافون من ذلك، وأيضًا يعتقدون أن القرآن يخاطبهم، فلذلك يتأملون لأنفسهم. فهذا ثابت بن قيس خاف أن تكون هذه الآية فيه، بل اعتقد أن الآية نزلت لأجله؛ لأنه كان يرفع صوته عند النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما قلنا: كان خطيبًا ورجلًا جهوري الصوت، فكان يرفع صوته ويفصح، فظن أن الآية فيه، وليست كذلك، وإنما الآية في من يتعمد هذا الأمر، يرفع صوته فوق صوت النبي عليه الصلاة والسلام. بل بعض أهل العلم يقول: ليس الآية على ظاهرها، وإنما المراد: يرفع صوته فوق صوت النبي، أي يعلو بقوله على قول النبي، يعلو بقوله على قول النبي، أي معناه: كأنها مثل الآية الأولى، مثل الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [الحجرات: 1]، أي لا تجعلوا قولكم فوق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفوق قول الله. وهذه: ﴿ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾ [الحجرات: 2]، أي أيضًا كذلك، أي لا تجعلوا صوتكم وقولكم يعلو قول النبي عليه الصلاة والسلام، قول الله وقول رسوله، بل قول الله وقول رسوله هو الذي له العلو والارتفاع، وله التقدمة. ففسرها كثير من أهل العلم بهذا، وجاء أيضًا عن بعض السلف هذا التفسير. فلذلك فليس المقصود هو رفع الصوت الذي يكون صوته مثلًا صوتًا عاليًا، وخاصة إذا لم يقصد سوى الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كثابت، فإن ثابتًا فإنه كان ليس يتعمد رفع الصوت، وإنما كان أُعطي صوتًا عاليًا ومرتفعًا، وكان يخطب للنبي عليه الصلاة والسلام، فظن أنه كان يرفع صوته عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو لم يرفع صوته فوق صوت النبي. حتى لو قلنا أن الآية معناها: من يرفع صوته فوق صوت النبي، المراد: حتى لو قلنا على ظاهريتها، فالمراد: الذي يرفع صوته عندما يكلم النبي ويخاطبه، وهذا ليس من شأن الصحابة رضي الله عنهم، وإنما كانوا يرفعون صوتهم بالكلام فيما بينهم، وليس فوق صوت النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا الذي حصل لأبي بكر وعمر أيضًا من هذا القبيل، فهم لم يرفعوا صوتهم على رسول الله، وإنما كانوا يتكلمون فيما بينهم. لكن قال أبو بكر للنبي عليه الصلاة والسلام: أمر القعقاع بن معبد، فقال عمر: يا رسول الله، أمر الأقرع بن حابس. فأبو بكر واجه عمر، وقال: يا عمر، ما أردت إلا خلافي، فقال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما، أي بينهما، وليس بينهم وبين النبي عليه الصلاة والسلام. وكان الصحابة رضي الله عنهم لا يجرؤون، خاصة هؤلاء الكبار، كأبي بكر وعمر، وغيرهم من الصحابة الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما كانوا يجرؤون أن يرفعوا أصواتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كان ذلك يحصل من الأعراب، وكذلك حصل من بني تميم. فلذلك الصحيح أن هذه الآية نزلت في الأعراب من بني تميم، الذين جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعوا أصواتهم في مخاطبته، حتى أنهم جاءوا إلى الغرف وينادون النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاءت الآية بعد ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكرها، أي قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [الحجرات: 4]، وهم هؤلاء من بني تميم، وكانوا يرفعون أصواتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالآية نزلت في هؤلاء. وأما الصحابة رضي الله عنهم، ما كانوا يرفعون أصواتهم على صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يرفعون أصواتهم بعضهم ببعض. طيب، فهذا ما يذكر في هذا الحديث، فنكتفي به، والله تعالى أعلم.