الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 179، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع سبب نزول الآية في وفد بني تميم الذين نادوا النبي ﷺ من وراء الحجرات، مبيناً أن المراد تحريم رفع الصوت عليه حياً وميتاً، ويناقش احتجاج الشيخ السهسواني بالآية على من يستغيث بالنبي ﷺ عند قبره معتبراً ذلك داخلاً في الذم الوارد في الآية.
يشرح المقطع أن الله جعل للأمة أمانين: وجود النبي ﷺ والاستغفار، وبوفاته بقي الاستغفار وحده، ثم يسرد إسناد حديث البخاري عن وفد بني تميم وفيهم الأقرع بن حابس، ورد النبي ﷺ على قوله: «إن حمدي زين وذمي شين» بأن الرفع والوضع بيد الله وحده.
يؤكد المقطع أن الله وحده يملك الرفع الدائم ويضع من يشاء، مستشهداً بقصص الملوك وفرعون، ويبين سبب نزول آية ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ في رفع أبي بكر وعمر صوتيهما، موضحاً أن النهي ليس مطلقاً بل يقصد به الأدب معه ﷺ بدليل رفع المؤذن صوته والجهر في الحرب.
يذكر المقطع أن العباس نادى بصوت جهوري فاستجاب الصحابة، موضحاً أن رفع الصوت أحياناً يكون لأمر مشروع ولا يُعد تعمداً لرفع الصوت عند النبي ﷺ، ويشير إلى سبق الكلام في هذه المسألة والاكتفاء بما ذُكر.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾. وهذا كما تقدم أن هذه الآيات نزلت في بني تميم. وهل هذا أيضا قاله بني تميم؟ جاءت أيضا روايات لكن لم يصح منها شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام إلا ما جاء عن البراء أنه جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا محمد، إن حمدي زين وإن ذمي شين. فقال: «ذاك الله تبارك وتعالى». وقوله جل وعلا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ ﴾؛ قيل: إنها حجرات نسائه كلها، وقيل: إنها حجرة واحدة، ومن باب التعظيم للنبي عليه الصلاة والسلام فقال: حجرات. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾؛ فيهم من يعقل كما قال بعض المفسرين، لكن أكثرهم همج وعندهم جلفة الأعراب. فلهذا جاءوا ينادون النبي عليه الصلاة والسلام وهو في القيلولة كما جاء عن ابن عباس. وهذه الآية لا شك أن المراد بها النبي عليه الصلاة والسلام وهو حي، لكن قد تحمل أيضا على أنه وهو ميت؛ أي في قبره، لأن كثيرا من أهل العلم يقولون: إن هذه الآيات عامة في حياته وبعد مماته، كما تقدم معنا في قوله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾. فلهذا ذكر كثير من أهل العلم أنه لا يرفع الصوت أيضا في مسجد النبي، بل أيضا ذكر القرطبي وغيره أن كثيرا من العلماء كرهوا رفع الصوت عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام، ولو بالسلام؛ فإنه لا يرفع صوته بالسلام، وإنما يسلم تسليما خفيفا كما كان يفعل ابن عمر، ليس برفع الصوت. ولهذا رد بعض علماء الهند، وهو الشيخ السهسواني -أو كذا- له كتاب دافع فيه عن التوحيد، ورد فيه على ابن دحلان، رجل من أهل الشرك والتصوف، وسماه: «وساوس ابن دحلان». فذكر رحمه الله أن ابن دحلان هذا ذكر أن في قول الله جل وعلا: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾، قالوا: هذه الآية في حياة النبي عليه الصلاة والسلام وبعدما مات. قالوا: في حياة النبي عليه الصلاة والسلام وبعدما مات، معنى هذه الآية: الاستغفار في حياة النبي يؤتى ويستغفر عنده، وفي موته في قبره يأتي الشخص إلى قبره ويستغفر. هكذا قالوا. وبعدما رد عليهم، في آخر رد قال: لو سلمنا لهم أن هذه الآية عامة، فبالأولى أن نقول: إن آية ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ أيضا عامة. وإذا كانت هذه الآية عامة، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾، معنى من جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وناداه فهو ممن شملته هذه الآية، وأنه لا يعقل، وأنه لا يعقل، ولو أن له عقلا لما جاء إلى الحجرة الشريفة ونادى النبي عليه الصلاة والسلام. هذا من باب الإلزام، وهو إلزام صحيح. فلو أرادوا أن تلك الآية في حياته ومماته، أيضا هذه نقول: الآية في حياته ومماته، وهذه أولى من تلك، وهذه أولى من تلك؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾، قال: ﴿ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﴾، معنى المراد أنهم يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله عز وجل لهم بالمغفرة. قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾، فـ ﴿ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ ﴾ أولا هم يستغفرون الله، ثم ﴿ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﴾ صلى الله عليه وسلم. فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام غير موجود، أي بعد موته، فـ ﴿ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ ﴾ جل وعلا. ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾. فبقي أنهم يستغفرون الله عز وجل، وأما إتيانك لأجل أن تستغفر لهم أو تدعو لهم فهذا قد ذهب بعد موته عليه الصلاة والسلام. وهذا هو الأمان الأول، ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾، كما قال ابن عباس: جعل الله عز وجل لهذه الأمة أمانين: وجود النبي عليه الصلاة والسلام وحياته، فلما ذهبت بقي الأمان الآخر وهو الاستغفار. طيب، قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا الحسن بن محمد، وهو الإمام أبو علي الزعفراني، الحسن بن محمد الزعفراني، صاحب الشافعي وتلميذ الشافعي في بغداد، وهو من أخص تلاميذ الشافعي في بغداد، وأكثر المذهب القديم منقول عنه، أكثر مذهب الشافعي القديم أكثره منقول عن الحسن بن محمد الزعفراني. والحسن بن محمد أيضا ممن كان ينكر على الإمام أحمد إتيانه الشافعي، فلما جلس في حلقة الشافعي انبهر من كلامه ولازمه أكثر من غيره، حتى أنه ذهب معه إلى مصر. قال: حدثنا حجاج، حجاج هو ابن محمد المصيصي، وهو أصله ترمذي خراساني، لكنه سكن بغداد فهو نزيل بغداد، وهو كان من أوثق وأحفظ أهل بغداد في ذلك الوقت، وهو أيضا أحفظ من روى عن ابن جريج. يقول الإمام أبو زكريا رحمه الله: لقيت معلى الرازي فقال: ما رأيت مثل حجاج في أصحاب ابن جريج، مثل حجاج بن محمد. قال: فعجبت من قوله، ثم تأملت ذلك فرأيت كلامه صحيح. فالحجاج بن محمد من أحفظ الناس لحديث ابن جريج، وأيضا أأمن الناس في حديث ابن جريج، معناه أنه غالبا لا يأخذ عنه التدليس. قال: عن ابن جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، إمام الحرم المكي، كان من أحسن الناس صلاة. قال: أخبرني ابن أبي مليكة، وهو عبد الله بن أبي مليكة المكي، قال: أن عبد الله بن الزبير أخبره أنه قدم ركب من بني تميم على النبي عليه الصلاة والسلام، فيهم الأقرع بن حابس، وتميم، وأيضا عيينة بن حصن، والفرزدق. ليس الفرزدق الشاعر، إن كان هو أيضا من بني تميم، لكنه لم يحضر زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما جاء في زمن التابعين. فكان هؤلاء النفر الذين جاءوا من بني تميم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكان بنو تميم فطروا من الأعراب، وأيضا عندهم جلافة الأعراب. ولهذا الأقرع بن حابس جاء بمثل هذا الكلام كما جاء في حديث قتادة، لكنه مرسل، أن الأقرع بن حابس هو الذي نادى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد، اخرج إلينا. ثم قال: إن حمدي زين وذمي شين، أنا إن مدحتك رفعتك، وإن ذممتك وضعتك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ذاك الله، ذاك الله، أن الله عز وجل إذا أثنى على شخص رفع، وإذا ذمه وضع. وأما المخلوقون فلا يستطيع أحد أن يضع غيره إلا إذا وضعه الله عز وجل، ولا أن يرفعه إلا إن رفعه الله سبحانه وتعالى». ولهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء يرفعه الله إلا وضعه». لما غلبت ناقته القصواء، فقال: «غلبت القصواء»، أو لما تسابقت القصواء مع إبل أو راحلة أخرى، فالله عز وجل لم يجعل شيئا مرفوعا دائما إلا وضعه، إلا من اصطفاه الله عز وجل من أنبياء ورسله وخيرة الناس، فهؤلاء اصطفاهم الله عز وجل فجعل لهم الرفع في الدنيا والآخرة. وأما الإنسان، مهما كانت عنده الأموال وعنده الجاه، لا يستطيع أن يرفع شخصا تكون له الرفع الدائم، أو حتى الرفع المؤقت؛ بل إذا أراد رفع أحد قد يكون لا يستطيع أن يرفعه، بل أنه قد يوضع هو نفسه، كما حصل لكثير من الملوك كانوا ملوكا ولهم الجاه ولهم الكلمة، بين عشية وضحاها تحولوا إلى عبيد، وبين عشية وضحاها تحولوا إلى فقراء ما عندهم شيء. وفي قصة ابن العميد عبرة في ذلك، وأيضا في قصص الملوك، سواء كان قبل الإسلام أو بعد الإسلام، مختصر ملك الدنيا كما يقولون، وتكبر وتجبر على الناس، ثم بعد ذلك وضعه الله، وغيره من أولئك الملوك. هذا فرعون أيضا تكبر وتجبر، وأخرجه الله عز وجل من البحر وهو عريان لا ثياب له، بعدما كان معه الملك والأموال، أخرجه الله عز وجل من البحر حتى الثياب ما عنده، لا يملك حتى الثوب، أخرجه عريانا. فلهذا فالرفعة لله سبحانه وتعالى، وهو يرفع من يشاء، كما قال الله عز وجل: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾. قال عبد الله بن الزبير: قدم ركب من بني تميم على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد، فقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس. فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي. قال عمر: ما أردت خلافك. فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ حتى انقضت الآية، يعني التي بعدها كذلك. وهذا كما قلنا أن المراد بالآية ليس رفع الصوت الذي يكون فيه مثلا رفع صوت فقط، وإنما إذا كان عند النبي عليه الصلاة والسلام، وتعم ذلك. وإلا فقد كان المؤذن يرفع صوته عند النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك في الحرب، وكذلك أيضا الأعراب يأتي يقول: ها أم، أين محمد، فيرفع النبي صلى الله عليه وسلم صوته ويقول: «ها أم، أنا»، أو «ها أم، ذا»، وغيرها مما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه يرفع صوته، مثل ما جاء في غزوة حنين لما نادى العباس، وكان العباس صوته جهوريا، معلوم في غزوة حنين، رتبت هوازن ومن معها من القبائل من غطفان وثقيف، رتبوا خطة على أنهم إن رأوا الصحابة، النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، رموهم بالنبل. فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بسرعة رموهم بالنبل، فما استطاع الصحابة مواجهة هذا النبل، فالنبل فرجعوا، فرجعوا إلى الخلف حتى يتقوا هذا النبل، فما كان إلا النبي عليه الصلاة والسلام ومعه اثنا عشر رجلا أو بضعة عشر رجلا، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»، وكان يتقدم، وكان أبو سفيان بن الحارث بن عمه يرد الناقة حتى لا تتقدم. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: «يا عباس، ناد في أصحاب الشجر». فنادى بصوت جهوري، وكأنهم لما سمعوا صوت العباس رجعوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وغيرها من الأمور التي جاء أو الأحاديث التي جاءت فيها أن رفع الصوتحيانا لأمر، لأمر ما، فهذا ما في شيء، ليس لأجل تعمد رفع الصوت عند النبي عليه الصلاة والسلام. وقد تقدم الكلام على هذه المسألة، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.