الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 207، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المفسر معاني آيات سورة الرحمن المتعلقة باجتماع البحرين مع برزخ لا يبغيان، وخروج اللؤلؤ والمرجان منهما، وتفسير مفردات المنشآت والفخار والشواظ والنحاس، ويختم بوصف حال المجرمين يوم القيامة.
يشرح معنى خوف مقام الرب والوقوف بين يدي الله مستشهداً بحديث عدي بن حاتم، ثم يفسر آية "ولمن خاف مقام ربه جنتان" مبيناً صفتيهما المدهامتين والصلصال وما فيهما من فاكهة ونخل ورمان مع توضيح سبب إفراد النخل والرمان بالذكر.
يتناول تفسير "فيهما فاكهة ونخل ورمان" و"جنى الجنتين دان" بقرب الثمار للمتكيء، ويستعرض أقوال المفسرين في "فبأي آلاء ربكما تكذبان" بأنها للثقلين، ويذكر أثر أبي الدرداء ويوضح معاني برزخ ولا نصب ونضاختان.
يفسر المقطع معنى "ذو الجلال" بأنه ذو العظمة والكبرياء، ويبين أن "مارج" تعني الخالص من النار التي خلق منها الجان، مع ذكر معنى لغوي آخر لكلمة "مرج" وهو إطلاق الأمير للرعية فيعتدي بعضهم على بعض.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام البقاني رحمه الله في ذكر الكلمات من سورة الرحمن: قوله ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾، أي: لا يختلطان. ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾، أي: لا يختلط بعض ببعض، ولا يبغي كل واحد منهما على صاحبه، أي: كأن بينهما حاجزًا، فيلتقيان، أي: يلتقي بعض ببعض. قيل: إن المراد بالبحرين البحر والنهر، هذا بحر مالح، وهذا نهر حلو، يلتقيان، بينهما برزخ، لا يبغيان، أي: لا يبغي هذا على هذا، ولا هذا على هذا. وهذا النهر، الأنهار، سواء كان نهر النيل أو الفرات أو غيرها، غالبًا يكون ماءها حلوًا، بخلاف البحار، فهي تصب في البحر، لكن لا تختلط بماء البحر. ثم قال جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾، نعلم أنهما يختلطان، وهذا يصب، أي: النهر يصب في البحر، إلا أن هذا عذب، وهذا ملح أجاج. وقال: وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾، فهذا أيضًا من الأحجار الكريمة التي يحبها الناس، ويجعلونها حليًا لهم. ويقال: إن اللؤلؤ أكثره في بحر فارس، وبحر فارس عن بحر القلزم، والمرجان في البحر ما يسمونه بالبحر الميت، أكثره فيه مرجان. وأما الأنهار، فغالبًا لا يخرج منها شيء من اللؤلؤ والمرجان، غالبًا يكون في البحار. واللؤلؤ يكون في الأصداف، يكون في الأصداف لآلئ. وقال: وقوله ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قال: قوله ﴿الْمُنْشَآتُ﴾، قال: ما رفع شراعه من السفن، ما رفع شراعه من السفن، فأما ما لم يرفع شراعه فليس بمنشآت. المنشآت بالبحر كالأعلام، أي: الذي يرفع الشراع، إذا رفع الشراع تسمى منشآت، والمنشآت في البحر كالأعلام، كأنها علم ترى من مكان بعيد. وقال مجاهد: ﴿كَالْفَخَّارِ﴾، كما يصنع الفخار، أي: كما يصنع، معنى الإنسان يتكون كما يتكون الفخار. قال: ﴿الشَّوَاظُ﴾، هو لهب من نار، ﴿الشَّوَاظُ﴾ لهب من نار يرسل عليهما، أي: لهب من نار يرسله الله عز وجل عليهم. وقال مجاهد: ﴿وَنُحَاسٌ﴾، النحاس الأصفر يصب على رؤوسهم، يعذبون به، النحاس هذا المعدن يجعله الله عز وجل عذابًا على أهل النار، صُبَّ من فوق رؤوسهم، يرسل عليهم شواظ من نار ونحاس، فلا ينتصرون، فيرسل عليهم الشواظ، هذا لهب، لهب النار، وكذلك النحاس المذاب حتى يُصَبَّ فوق رؤوسهم. قال: ﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾، ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، قال: يهم بالمعصية فيذكر الله عز وجل فيتركها. من خاف مقام ربه، مثل قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾، أي: إذا أرادوا أن يفعلوا فاحشة أو يظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم. أي: خاف الله عز وجل، وخاف مقام ربهم، أي: المقام الذي يقومونه بين يدي الله، وأنه سيقوم بين يدي الله عز وجل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عدي في الصحيحين: «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار تلقى وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة». وهذا الوقوف العظيم الذي يقف العبد بين يدي الله جل وعلا، كما قال جل وعلا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، فهذا الوقوف هو وقوف عظيم، ينبغي للمسلم أن يتذكر هذا الوقوف العظيم بين يدي الله، سيسأله ربه جل وعلا، فلذلك إذا هم بمعصية فإنه يتذكر هذا المقام العظيم فيخاف ويبتعد عن معصية الله عز وجل. ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾، أي: سوداوان، من الطمي، أو من الري، أشد سوداوان من الري، وعنى يريد: مدهامتان من كثرة ما فيها من المياه، وأيضًا الشراب وغير مما يروى به الناس، مما يروى به الناس، فقال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾. قال: ﴿صَلْصَالٍ﴾، طين خلط برمل، فالصلصال هو الطين المخلوط برمل، الرمل معنى مثل الكثيب أو غيره، يخلط بماء وطين، أي: طين خلطت، أي: تراب خلط بماء سُمِّيَ طينًا، ثم يؤتى أيضًا برمل فيخلط معه فيصير مثل الصلصال، فهذا الصلصال هو الذي خلق الله عز وجل منه ابن آدم، وهو التراب. قال: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾، قال بعضهم: ليس الرمان والنخل بالفاكهة، وأما العرب فإنهما تعدوهما فاكهة، كقوله عز وجل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فأمرهم بالمحافظة على كل الصلوات، ثم عاد العصر تشديدًا لها، كإفراد النخل والرمان ومثلها، أي: يريد أنه خصوص بعد عام، أي: خَصَّ بعد عام، والخاص الذي يأتي بعد العام تكون له أهمية، تكون له أهمية، فيريد الإمام البخاري أن هذه الآية مثل قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، أن الصلاة الوسطى هي من الصلوات، لكن عادها لأجل فضلها على هذه الصلوات. وأيضًا هنا قال: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾، النخل هو الرطب أو التمر فهو من الفاكهة كذلك، والرمان كذلك، لكن لأهميتهما أفردهما. وبعضهم قال: هنا البخاري أنه ليس الرمان والنخل بالفاكهة، أنهما ليستا فاكهة وإنما طعام أساسي، وقد يكون هذا عند بعض الناس أيضًا، حتى عند العرب، العرب عندهم التمر يعتبر طعامًا أساسيًا، لكنه أيضًا فاكهة، هو من نوع الفاكهة. قال: ومثلها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، ثم قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾، أي: هنا قد قال: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، ثم قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾، وقد ذكرهم في أول قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، لأجل أن يخصهم. قال: وقال غير: ﴿أَفْنَانٌ﴾، أغصان، ذات أفنان، أي: ذات أغصان، فيها أغصان كثيرة، أي: في الجنة فيها نخل وأشجار العنب ومن كل فاكهة، وفيها هذه الأغصان التي تتزين بها هذه الجنتين والجنات. قال: ﴿جَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾، أي: ما يجتنى قريب. ﴿جَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾، أي: هذه وهذه جناها قريب، وكما قال الله عز وجل: ﴿دَانِيَةٌ﴾، ودالية أو تتدلى، أي: كلما أراد ساكن الجنة أن يقطف شيئًا فإن قطوفها دانية قريبة، يقطف ما بدا له، حتى ولو كان مضطجعًا، بل جاء في تفسير ابن عباس وغيره أنها تتدلى له الأغصان، أي: إذا أراد أن يأخذ فاكهة تدلى الغصن فأخذها، فلذلك قال: ﴿جَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾، أي: يقرب إذا أراد أن يجتنيه ويأخذه، قربًا، قطوفها دانية. وقال الحسن: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، أي: نعمه، أي: أي آلاء ربكما تكذبان، أي: هذه الآلاء والنعم التي أنعم الله عز وجل عليه. وقال قتادة: ﴿رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، يعني: الجن والإنس، أي: رب الجن ورب الإنس. وقال أبو الدرداء: «كل يوم هو في شأن، يغفر ذنبًا، ويكشف كربًا، ويرفع قومًا، ويضع آخرين». فهذا الأثر جاء بإسناد صحيح عند ابن جرير وغيره، وكذلك رواه البيهقي في الشعب بإسناد صحيح إلى أبي الدرداء، قال: «كل يوم هو في شأن، يغفر ذنبًا، ويكشف كربًا، ويرفع قومًا، ويضع آخرين». فربنا جل وعلا سبحانه محيط بعباده، وهو على كل شيء قدير جل وعلا. وقال ابن عباس: ﴿بَرْزَخٌ﴾، أي: حاجز، ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾، أي: حاجز. وقوله: ﴿لَا نَصَبَ﴾، الخلق، وقوله: ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾، أي: فياضتان، أي: تنضخ بالشراب، سواء كان بالماء أو بالخمر أو باللبن أو بغيرها مما يكون في الجنة، فتفيض هذه الأنهار، فهنا هذه الجنة في قولنا: ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾، أنها تنضخ من نفس الجنة، وأما ما ذكره في الأولى أنها تجريان، فتجريان في نفس الجنة، هذه ونضخها قد يكون في غيرها أو بعيد منها. قال: ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾، أي: ذو العظمة. وقال غير: ﴿مَارِجٍ﴾، أي: خالص من النار، ويقال: مرج الأمير رعية إذا خلاهم فعدوا بعضهم على بعض، مرج: أي أمر الناس، معنى