الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 266، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
كان النبي ﷺ يحرك لسانه لحفظ الوحي عند نزوله، فنهاه الله عن التعجل وأمره بالاستماع ليحفظه الله في قلبه ثم يبلغه للناس. كما طلب النبي من ربه ألا يعجل بالقراءة قبل اكتمال الوحي، موضحاً أن الله سيوعيه في قلبه.
يشرح المقطع قول الله تعالى "لا تحرك به لسانك لتعجل به" في سياق نزول الوحي، ويستعرض تفسير ابن عباس لعبارة "ليفجر أمامه" بأنها تسويف في التوبة والعمل الصالح. ويبين معنى "سدى" بأن الإنسان لم يُترك هملاً بل خُلق للأمر والنهي.
يشرح المقطع أن النبي ﷺ كان لا يعجل بقراءة الوحي بل يستمع لجبريل ثم يقرأ، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. ويبين أن المبادرة بالأعمال الصالحة مطلوبة، لكن إذا كان العجل يضر بالفهم أو الأداء فالأولى التأني، لأن في العجلة الندامة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «سورة القيامة، وسميت في المصاحف بهذا الاسم: سورة القيامة». قال: «باب: لا تحرك به لسانك لتعجل به». وقال ابن عباس: «ليفجر أمامه: سوف أنوب، سوف أعمل». أنه «ليفجر أمامه» أي: يتسوف، وأيضًا تسويفه هذا بالشر: «سوف أقصد» أنه في الشر، لكن يتسوف أنه يتوب وأنه يعمل وأنه كذا ولا يفعل. «ليفجر أمامه». قال: «لا وزر، لا حصن»: أنا لا حصن يقيه، بل يدخل في المعاصي وينتهك حرمات الله، أو أنه أقصد أن لا أحد يحصنه. قال: «سدى»: أي همل. «أي يحسب الإنسان أن يترك سدى» أي: لا ينهى ولا يؤمر، بل أن الله عز وجل خلق الإنسان وكذلك أمره ونهاه. وفسرت العمان بهذا، فسرت العمان كذلك بهذا. وقول هنا في الباب: «لا تحرك به لسانك لتعجل به»، المراد به النبي عليه الصلاة والسلام في شأن نزول الوحي، كما دلت على ذلك الأحاديث، كما سيذكره هنا المؤلف رحمه الله. قال رحمه الله: «حدثنا الحميدي، وهو عبد الله بن الزبير، أبو بكر الحميدي، حافظ مكة، بعد سفيان بن عيينة، وكان أيضًا قد أخذ الفقه عن الشافعي». قال: «حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة، أبو محمد الهلالي، المكي، الكوفي». قال: «حدثنا موسى بن أبي عائشة، وكان ثقة»؛ أي: سفيان يقول: وكان ثقة. قال: «عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا نزل عليه الوحي حرك به لسانه». وصف سفيان: يريد أن يحفظه. فأنزل الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. أنا كلما قرأ عليه جبريل شيئًا حرك به لسانه النبي عليه الصلاة والسلام، خشي أن يتفلت عليه، فقال الله عز وجل: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، أي: جمعه في قلبك وتقرأه، أي: تحفظه. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان من حرصه، صلوات الله وسلامه عليه، أنه إذا أعطاه جبريل القرآن حرك به لسانه، فطلب ربنا جل وعلا منه أنه لا يحرك لسانه، وإنما يستمع، فإذا استمع جعله الله عز وجل، أو أوعاه الله عز وجل في قلبه، ثم قرأه للناس. ولهذا كان بعد ذلك نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم يحفظ ما يلقيه عليه جبريل، ثم بعد ذلك يبلغه للناس. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. وهذا من أفضل القراءة: أن الإنسان يستمع لمن يقرأ عليه، ثم يقرأ هو بعد أن ينتهي القارئ، ولا يعجل به. فلهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يعجل بالقراءة، وإنما يستمع، فإذا انتهى جبريل قرأ النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا يدل على أن الإنسان في القراءة لا يعجل، لكن في أمور الخير يسرع فيها إذا كانت لا تضر هذه العجلة، لأن أحيانًا العجلة تضر في بعض الأمور، وبعض الأمور العجلة مطلوبة: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، و﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. فالمسارعة والمسابقة، إن كان أو ما يتبادر منها هو التعجل، لكن إذا كان التعجل فيه مضرة، وفيه أيضًا عدم أخذ الشيء على بابه، فالأولى التأني، فإن في العجلة الندامة. فهذا في المعنى على حسب هذا الأمر الذي يأخذه: فإن كان يعرض عليه فهذا الأولى أن يتأنى، وإن كان يعمله، أي: هذا عمل وهو عمل خير، فهو يبادر به، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بادروا بالأعمال». فالمبادرة في الفعل، في فعل الخير، مطلوبة، لكن إن كان هناك ما يتقدم هذا الفعل فيحتاج لتأنٍ حتى يفهم هذا الفعل، ثم بعد ذلك يفعله. وهذا الذي حصل في هذا الأمر: النبي عليه الصلاة والسلام طلب الله عز وجل منه أنه لا يعجل بتحريك اللسان وبالقراءة حتى ينتهي الوحي، ثم بعد ذلك يقرأه، لأن الله عز وجل سيوعيه قلبه. فهذا ما يذكر في هذا المقام. الحمد لله رب العالمين