الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 293، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع تسمية سورة الليل ويرجح كونها مكية، ثم يفسر آياتها التي تقسم الناس إلى معطٍ متقٍ مصدق بالحسنة فيُيسر لليسرى، وبخيل مستغنٍ مكذب بالحسنة فيُيسر للعسرى، مبيناً أن المال لا يغني عن صاحبه عند الموت.
يفسر المقطع آيات الإنذار بالنار الموقدة (تلظى) مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسرد إسناد رواية دخول علقمة وأصحاب ابن مسعود إلى الشام ولقاء أبي الدرداء لهم وسؤاله عن أقرأهم.
يبين المقطع أن قراءة {والذكر والأنثى} بغير {ما خلق} ثابتة عن ابن مسعود وأبي الدرداء من طريق النبي ﷺ، وأن كلا القراءتين صحيحتان، مع ترجيح القراءة المشهورة درءاً للفتنة، ويفسر القسم بالليل والنهار والذكر والأنثى دلالة على تباين سعي الناس.
يشير المقطع إلى أن ما ذُكر يُعد جزءاً من تفسير الآية أو السورة، ويختتم بالتأكيد على أن العلم المطلق يعود لله تعالى وحده.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: "إمام البخاري: سورة والليل إذا يغشى". بسم الله الرحمن الرحيم. وقال ابن عباس: "وكذب بالحسنة"، أي: بالخلف. هذه السورة: "والليل إذا يغشى"، هكذا سماها بعض العلماء، "والليل إذا يغشى"، وبعضهم سماها سورة الليل، وبعضهم زاد الواو: "والليل". وهذه سورة مكية عند أكثر العلماء، وقال بعضهم: إنها مدنية، لكن الصحيح أنها مكية. اعتمدوا على رواية جاءت أن فيها قصة أبي الدحداح في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾، والصحيح أن قصة أبي الدحداح ليست في هذا، فلذلك فالصحيح أنها مكية، أي: نزلت بمكة. وفيها هذه الأشياء العظيمة من سعي الناس، وأنه متفرق؛ فمنهم من هو من أهل الطاعات وأهل القربات، والذي أيضًا يحب أن يتقرب إلى الله جل وعلا، وأيضًا أهل الاعتقاد الحسن والاعتقاد الصحيح. فهذا الذي يعطي ويتصدق وهو من أهل التقوى، يعمل بما جاء في كتاب الله وبما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويجتنب الحرام ما استطاع. ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾، الحسنى هي الجنة. قال: "بالخلف هنا"، قال: قال ابن عباس: "وكذب بالحسنة"، أي: بالخلف، والخلف هو الجنة، أن خلف الدنيا ما يخلف الناس بعد هذه الحياة، فقد يراد به أيضًا يوم القيامة نفسه. وكذب بالحسنة، وقيل: الحسنى هي الجنة، والمعنى واحد، المراد أنه يكذب بذلك اليوم العظيم، وهو داخل أيضًا في الآيات التي جاء فيها التكذيب بالبعث. فقال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. العسرى: المراد به الطريق غير الصحيحة، الطريق التي يسلكها أهل المعاصي والمخالفات. قال رحمه الله: وقال مجاهد: "تردى: مات". فالله عز وجل بعدما ذكر حال الناس وأنهم في شتات، وأنهم على طريقين: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. فقال الله عز وجل بعدما ذكر الطريقين: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾، عن إذا مات. ما الذي يغني عنه؟ لا ماله، ولا غيره، ولا سلطانه. ﴿هَلَكَ عَنِّي مَالِيَهْ﴾، أو قال الله عز وجل كما في سورة الحاقة: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾، أي: مت فلم أحي بعدها. ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾. ما أغناه المال، ولا السلطان، ولا غيره. ليس هناك شيء ينفعه، وليس هناك ناصر ينصره، بل أنه يأتي وهو مدين، يأتي وهو أيضًا كذلك مخالف لأمر الله، فيعاقبه الله جل وعلا. فقال جل وعلا هنا: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾، قال: إذا مات، فما يغني عنه هذا المال إذا مات؟ بل يكون وبالًا عليه. قال: ثم قال: ﴿تَلَظَّى﴾، أي: توهج. فهنا قوله: ﴿تَلَظَّى﴾، أي: قال: ﴿تَلَظَّى﴾، توهج، أي: نار تتوهج. ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾، و﴿تَلَظَّى﴾ أي: تتوهج وتستعر، كما قال الله عز وجل: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾. أنا عندما ترى هذه النار -والعياذ بالله- ترى المجرمين تتغيظ وتشتعل وتتوقد. فقال: ﴿فَأَنذَرْتُكُم نَارًا تَلَظَّى﴾. وقرأ بعض السلف: قرأ بعضهم "تتلظى". ثم جاء عن عبيد بن عمير، وقيل: أنها قراءة زيد بن علي وطلحة بن مصرف كما ذكر الحافظ، لكن أكثر القراء على أنها بتاء واحدة: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾. ﴿فَأَنذَرْتُكُم نَارًا تَلَظَّى﴾. وقرأها ابن كثير من طريق البزي: "تتلظى"، وهي معنى... المراد معنى واحد. ﴿فَأَنذَرْتُكُم نَارًا تَلَظَّى﴾، أي: تشتعل. فهذا فيه إنذار لعباد الله عز وجل بالنار، أو من النار، كما جاء في حديث النعمان بن بشير في السنن: أن النبي عليه الصلاة والسلام مرة في المنبر كان يقول: "أنذرتكم النار، أنذرتكم النار، أنذرتكم النار". قال النعمان: حتى لو أنحدنا في السوق لسمع صوت النبي عليه الصلاة والسلام أنه يرفع صوته ويقول: "أنذرتكم النار". ﴿فَأَنذَرْتُكُم نَارًا تَلَظَّى﴾، تشتعل وتتوقد، خاصة على المجرمين. صلى الله العافية. قال: وقرأ عبيد بن عمير: "تتلظى"، أي: في... والمعنى كما قلنا واحد. لكن بعضهم قرأها بإدغام التاء، أصلها "تتلظى"، لكن قرأها أكثر القراء بإدغام التاء: "تلظى"، والمعنى واحد، سواء كانت "تتلظى" أو "تلظى"، مراد أنها تشتعل وتتوقد. قال: "باب: والنهار إذا تجلى". قال: حدثنا قبيصة بن عقبة، وهو السواعي الكوفي، قال: حدثنا سفيان، وهو الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، وهو ابن يزيد النخعي، عن علقمة، وهو أيضًا ابن يزيد النخعي، خال إبراهيم. قال: دخلت في نفر من أصحاب عبد الله الشام. أصحاب عبد الله، أي: ابن مسعود، دخلوا الشام: علقمة والأسود وجماعة. تهيبوا إلى الشام. قال: فسمع بنا أبو الدرداء فأتانا، وكان علقمة فقيهًا، وأخذ العلم عن عبد الله النخعي. لما سمع أبو الدرداء أن أصحاب عبد الله جاءوا، جاءهم، وهذا من باب التواضع، وإلا فأبو الدرداء صحابي جليل وصاحب علم، لكن لما جاءوا إلى مكانه، أو إلى البلد التي هو يعيش فيها، ذهب إليهم. قال: فأتانا، فقال: "فيكم من يقرأ؟" فقلنا: نعم. يقرأ القرآن، المراد يقرأ: أي متقن في القراءة وحافظ، وكان علقمة أفضل أصحاب عبد الله في القراءة والفقه. قال: فقلنا: نعم. قال: "فأيكم أقرأ؟" فأشاروا إلي. فقال: "اقرأ". فقرأت: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَالذَّكَرِ وَالْأُنثَى﴾. أنا قرأتها بدون "وما خلق"، وهي قراءة عبد الله المسعودي. أنا قرأتها سمعتها من النبي عليه الصلاة والسلام. قال: "أنت سمعتها من في صاحبه؟" أنا من فمه سمعت هذا من فم عبد الله المسعودي يقرأ هكذا: ﴿وَالذَّكَرِ وَالْأُنثَى﴾. قال: قلت: نعم. قال: "وأنا سمعتها من في النبي عليه الصلاة والسلام، وهؤلاء يأبون علينا". فقوله: "باب: والنهار إذا تجلى"، إذا ظهر. النهار إذا ظهر. وهنا أراد أن يذكر هذه الرواية وهذه القراءة، لأن أكثر القراء قرؤوا بهذه، بقوله: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾، لكن ابن مسعود رضي الله عنه، وكذلك أبو الدرداء، سمعاه من النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ﴿وَالذَّكَرِ وَالْأُنثَى﴾. والمراد به القسم، فقوله: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾ قسم بخلق الذكر والأنثى، وأيضًا كذلك: ﴿وَالذَّكَرِ وَالْأُنثَى﴾ هو قسم بهما، أي: بخلقهما. فالمعنى واحد، لكن بعضهم قرأها بزيادة "وما خلق"، وبعضهم قرأها بدونها، وكلها قراءة عن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن ذكر العلماء، كالنووي وغيره، أن هذه قراءة عبد الله المسعودي، وغالبًا ما إما قرؤوا بالقراءة المشهورة عن النبي عليه الصلاة والسلام التي وضعها أئمة في المصاحف، فلذلك يقرؤون: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾. لكن لو قرأ الإنسان: ﴿وَالذَّكَرِ وَالْأُنثَى﴾، هل هو مخطئ؟ لا، ليس مخطئًا، لأن هذه قراءة صحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن لأجل عدم قراءتها إلا إذا كان مثلًا عنده ناس يعرفون، إذا كان الناس طلبة علم يعرفون هذا، ما في شيء. أما يقرأ عند عوام مثل هذا، فهذا مما يشعل الفتن وغيرها، أن الناس سيستنكرون هذه القراءة. لكن المعنى كما قلنا واحد، سواء كان ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾ أو ﴿وَالذَّكَرِ وَالْأُنثَى﴾، معناه المراد أنه أقسم الله عز وجل بالذكر والأنثى، بخلقه إلى الذكر والأنثى، أنه خلق الإنسان على نوعين: على ذكر وأنثى. وكأنه إشارة إلى التشتيت أيضًا، إلى التفرقة التي تحصل. فقال جل وعلا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، أي: تغطى، وغشي بالسواد. ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾، إذا ظهر. وفرق بين الليل والنهار، فهما مختلفان: فهذا ليل أسود ظلام، وهذا نهار أبيض وضوء ونور، فبينهما اختلاف. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾، ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾. أيضًا حتى في الخلق، فرق الله عز وجل، جعل الخلق على نوعين: ذكر وأنثى. فالناس على نوعين كذلك في سيرهم إلى الله، أو في معاملتهم مع الله: فمنهم من هو قادم إلى الله، متقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، ومنهم من هو معرض، لا يعطي ولا يتقي، وأيضًا بل يستكثر ويبخل بماله. ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. فهذا شيء ما يذكر في تفسير هذه الآية أو هذه السورة، والله تعالى أعلم.