كتاب التفسير من صحيح البخاري 308

كتاب التفسير من صحيح البخاري 308

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 308، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أسماء سورة التكاثر ومراتب اليقين الثلاث

استعرض الدرس أسماء سورة التكاثر وهي: الهاكم، التكاثر، المقربة، وفسر قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ بالانشغال بالأموال والأولاد عن ذكر الله. ثم بين آيات السورة التي تهدد بزيارة المقابر والعلم اليقيني بالعذاب، مفصلاً مراتب اليقين الثلاث: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، كما وردت في هذه السورة وسورة الحاقة.

اليقين بالنار وزينة الدنيا مقابل مشقة الطاعة

أكد المحور على يقين رؤية النار يوم القيامة، وحذر من انشغال المسلم بزينة الدنيا وشهواتها عن الواجبات. وبين أن الجنة حُفت بالمكاره والطاعات المشقة، بينما النار حُفت بالشهوات والملذات، وأن الصبر على الطاعة وترك المحرمات يورث نعيم الآخرة الدائم.

فضل الصبر على الطاعة ومسؤولية النعم في سورة التكاثر

وضح أن الصبر على الطاعة هو أصل الصبر وأساسه، فمن صبر عليها سهل عليه الصبر عن المعصية وعلى أقدار الله المؤلمة، مستدلاً بآيات تأمر بالصبر والمصابرة. ثم انتقل للتحذير من التكاثر في الأموال والأولاد، وذكر قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، مبيناً أن النعم مسؤولية وسؤال، وأن الشكر يزيدها والكفر يجلب العذاب، مختتماً بأحاديث من صحيح مسلم في ذم حب المال وبيان ما يبقى للإنسان من ماله.

تفسير الإلهاء والتكاثر في جمع المال دون إنفاق

فسر المحور الإلهاء الوارد في السورة بأنه انشغال العبد بجمع المال وكنزه دون إنفاقه في أوجه البر والنفع له في الدنيا والآخرة، مؤكداً أن هذا الاشتغال هو المقصود بالتكاثر الذي يلهي عن ذكر الله والاستعداد للآخرة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "سورة الهاكم". بسم الله الرحمن الرحيم. وقال ابن عباس: التكاثر من الأموال والأولاد. والهاكم: سماها الإمام البخاري "الهاكم"، وسميت في بعض المصاحف "التكاثر"، سورة التكاثر. وذكر الحافظ أن ابن أبي حاتم أخرج عن سعيد بن أبي هلال أنه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمونها "المقبرة". فهي من السور التي ذكر فيها أكثر من اسم، كما ذكر ذلك أيضًا السيوطي في كتابه "الإتقان". فـ "الهاكم" من الإلهاء، وهو الانشغال. أو: أشغلكم التكاثر. قال ابن عباس: من الأموال والأولاد. أي: ألهاكم عن الخير، ألهاكم عن الصلاة، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. فـ "ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر"، أي: حتى تأتون إلى القبور. قيل: إن المراد الموت، أي: حتى تموتون وتزوروا القبور، أي: تأتوا إليها وتحملون إليها. ولأن الله عز وجل ذكر في هذه السورة اليقين الذي يراه الناس، وخاصة الذين ينكرون عذاب الله جل وعلا، ويدخل في ذلك أيضًا من ينكر عذاب القبر، فقال الله عز وجل: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. وهذا من باب التهديد. أي: كأن الله عز وجل يقول: إذا زرتم المقابر وأتيتم إلى المقبرة، سترون ما تنكرونه، وسترون ما كنتم غافلين عنه. فمن أراد أن يتدارك نفسه، فليتداركها في هذه الحياة. ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾. هنا علم اليقين. وكما ذكر العلماء، كابن القيم وغيره، أن الله عز وجل ذكر في اليقين ثلاثة أشياء: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. في هذه السورة ذكر اثنين: ذكر علم اليقين وحق اليقين، وذكر في سورة "الحق" عين اليقين. فعلم اليقين: هو العلم الذي لا شك فيه، علم جازم يقيني. ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾. هنا ذكر عين اليقين. وحق اليقين ذكره في سورة "الحق". فهنا عين اليقين: أي ترونها أمامكم. وحق اليقين: إذا دخلوها تحقق ذلك اليقين. علم، ثم رؤية، ثم بعد ذلك حقيقة، يعني يجدون هذا الشيء، وإنه لحق، وإنه لحق اليقين. أي: حق اليقين هو تحقق هذا الشيء، أنه عندما يعذبون في نار جهنم والعياذ بالله. وهنا الله عز وجل يبين لهم أن هذا العلم يقين، ووجود هذه النار يقين. إن لم تتداركوا أنفسكم، سترونها يوم القيامة أمامكم. ﴿وَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾. وترون أيضًا النار إذا رأتهم من مكان بعيد، سمعوا لها تغيظًا وزفيرًا. ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾. فلهذا، فالواجب على المسلم أنه يدرك مثل هذه الأمور في هذه الحياة، فلا يشغل نفسه بشيء يشغله عن الله، ويشغله عن الصلاة، ويشغله عن ما أوجب الله عز وجل عليه من الواجبات المتحتمة، الواجبات التي فرضها الله عز وجل. فلا يجعل شيء مما يكون في زينة الدنيا، أو من زينة الدنيا، يشغله عن الدار الآخرة. الله عز وجل قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾. هذه الأشياء هي التي تشغل العباد عن طاعة الله جل وعلا. والله عز وجل زينها في قلوب الناس، فلذلك فهي شهوات، وبعضها ملذات يلتذ بها العبد. فمثل هذه الأشياء هي التي تلهي عن الله عز وجل. فإن العبد إذا اتبع شهواته، أردته هذه النفس وهذه الشهوات. وأما إذا أمسك نفسه وقادها بكتاب الله، وألزمها كتاب الله عز وجل، فصار لها قائدًا، كان من الفائزين. وأما من تصرفت فيه نفسه، فغالبًا أنه يهلك، إلا أن تداركته رحمة من الله. فلهذا: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات. الجنة طريقها مليئة بالمكاره، أشياء تكرهها النفس: من الصلاة، الطاعة، قيام الليل، الإنفاق في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله، وغيرها من الطاعات العظيمة التي قد تشق على النفس. لكن النار حفت بالشهوات، الأشياء التي تحبها النفس، الملذات، شهوات الدنيا من المال وغيره، والنساء. هذه الأشياء حببتها النفس، وهي قد حفت بالنار، طريقها سهلة. وهذا من حكمة الله عز وجل ليرى ويمحص أهل الإيمان، والذين علموا أن الله عز وجل هو كل شيء جل وعلا، ولا يعوض بالله عز وجل شيء. فربنا جل وعلا ليس له عوض، لكن كل شيء له عوض. لو ترك الشهوات في الدنيا، سيلقى هذه الشهوات في الآخرة: من النساء، وكذلك من النعيم، من اللذات، الطعام والشراب، وغيرها من هذه الأمور، سيلقاها في الجنة إذا صبر على أمور... إذا صبر عن الحرام في هذه الحياة، وصبر عن هذه الشهوات. فلهذا، الطاعة فيها مشقة. لهذا قال الإمام ابن القيم وغيره: أن الصبر على الطاعة أعظم الصبر. الصبر على الطاعة أعظم الصبر، لأنه لو صبر على الطاعة، يأتي الصبر عن المعصية أسهل، وأيضًا يسهل عليه أيضًا الصبر على أقدار الله عز وجل المؤلمة. فلهذا، الصبر على الطاعة أصل الصبر، وبه يأتي غيره من الصبر. فلهذا، الواجب على المسلم أنه يصبر في هذه الحياة عن ما يغضب الله عز وجل، ويصبر أيضًا في طاعة الله جل وعلا، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. طيب، فلهذا فالتكاثر إلى أموال الأولاد يلهي عن الدار الآخرة، ويهلك الإنسان في النار، والعياذ بالله. ثم أن الله عز وجل ذكر في آخر هذه السورة، فقال جل وعلا: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. عن هذا النعيم الذي قد نسيتموه، وعطاكم الله عز وجل هذا النعيم العظيم، وأنعم عليكم بنعم كثيرة، فغفلتم وتركتم هذا الخير وهذا النعيم، ولم تشكروا لله جل وعلا. ﴿وَلَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. فهذا شيء مما يذكر في هذه السورة. وهذه السورة تعتبر من السور التي فيها الوعظ والتذكير لأهل الإيمان، وكذلك فيها معنى التذكير بالنعم، وأن الإنسان يسأل عنها. وأيضًا، المؤلف هنا لم يذكر حديثًا في هذه السورة، لعله لم يجد حديثًا على شرطه، لم يجد حديثًا على شرطه. وإلا فأحاديث نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن المال وعن غيره كثيرة، لكن الله أعلم. هل معنى الإمام البخاري لعله أراد حديثًا يدخل في هذا الباب؟ وقد جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن الشخير رضي الله عنه أنه قال: دخلت على النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقرأ "ألهاكم التكاثر" حتى أتى عليها، ثم قال: «يقول ابن آدم: مالي، مالي، مالي. وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟». فإن الإنسان في ماله له ثلاثة أشياء: ما أكله فني وذهب إلى المكان الذي تعلمون، وما لبسه بلي وصار ثوبًا خلقًا يرمي به ويمسح به، وكذا. ثم بعد ذلك أيضًا الأمر الثالث: ما تصدق به، يبقى ويمضي ويكون له يوم القيامة. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يقول ابن آدم: مالي، مالي. وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟». وجاء كذلك نحوه من حديث أبي هريرة في صحيح مسلم كذلك. فهذا يدخل في هذه السورة، وفي تفسير هذه السورة: أن الإلهاء هو جمع المال في غير... أو في عدم إنفاقه في ما يكون فيه فائدة للعبد في الدنيا والآخرة. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.