كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 32

كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 32

الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 32، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح باب نزول السكينة وإسناد حديث البخاري

يستهل الشيخ بشرح حديث البخاري عن نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن، مفصلاً إسناده عبر الليث بن سعد ويزيد بن الهاد إلى أسيد بن حضير، مع بيان حكم الرواية المنقطعة واعتماد البخاري على طرق موصولة، مستعرضاً مناقب الإمام الليث بن سعد في العلم والزهد.

قصة إسلام أسيد بن حضير وتحرك فرسه

يتناول المقطع قصة إسلام أسيد بن حضير وسعد بن معاذ ودخول بني عبد الأشهل في الإسلام، موضحاً واقعة تحرك فرس أسيد عند قراءته القرآن وسكونها عند سكوته، مع ظهور سحابة أو سكينة فوق رأسه كدليل على حضور الملائكة.

نزول السكينة والملائكة عند قراءة أسيد للقرآن

يشرح الشيخ واقعة دنو الملائكة لاستماع قراءة أسيد بن حضير ونزول السكينة على هيئة ظلة فيها أمثال المصابيح، مبيناً إخبار النبي صلى الله عليه وسلم له بأن لو استمر في القراءة لرآها الناس عياناً، مؤكداً فضيلة التلاوة كسبب لنزول الرحمة.

أجر قارئ القرآن والمتذاكر في تفسيره

يختم الدرس بذكر الأجر العظيم لقارئ القرآن ومن يتدارس تفسيره، مبيناً حصولهم على أربع جوائز عظيمة إضافة إلى أجر القراءة نفسه، وأن هذه الفضائل تشمل جميع العلوم المتعلقة بكتاب الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن». ما ونزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن. قال: وقال الليث: حدثنا يزيد بن الهاد. وقال الليث: هذا يسمى عند أهل المصطلح معلقًا، إذا روى البخاري عن غير مشايخه فقال: مثلا: «وقال»، أو «وذكر عن فلان»، أو «حكي»، فهذا يسمى معلقًا. وإذا كان عن بعض مشايخه فاختلف فيه: هل هو من المعلق أو ليس من المعلق؟ وأكثر العلم على أنه من الموصول أو من أصل الكتاب، معنى من الحديث المسند. وإنما قال بعضهم كسعد زنجاني وغيره: أنه تلقاها عن طريق المناولة، وهذا ليس جزمًا، وإنما فقط استنباط لتفريق البخاري رحمه الله بين قول: «حدثنا»، وقال: «مثل ما جاء في حديث الملاهي، وقال هشام بن عمار». هشام بن عمار يعتبر من مشايخه، فالظاهر أنه من المسند. لكن كما قال سعد زنجاني وغيره: أنه فيه شيء عن المسند الذي يذكره، إما أنه تلقاه عن طريق المناولة، أو قد يكون أيضًا تلقاه عن غيره. وقال: وقال الليث، وحدثني يزيد بن الهاد. وقال: الليث هو ابن سعد، أو الحارث الفهمي، إمام أهل مصر وعالمهم. وكان مع علمه تاجرًا، وجمع بين العلم والتجارة، ليس العلم فقط، بل هو إمام في العلم، وفي الزهد، وفي العبادة والطاعة، فهو مقدم أهل مصر في ذلك في زمن التابعين. ومع ذلك أنه كان عنده أموال، عنده تجارة، يبيع السمن، ويبيع العسل، ويأتي بالبضائع من أماكن من الشام ومن غيرها. وهذا مما فتح الله عز وجل عليه، وإلا فغالبًا من أعطي مالًا وأعطي تجارة يقل اجتهاده في العلم، يقل اجتهاده في العلم وتحصيله كذلك. لكن فتح الله عز وجل عليه في العلم والتجارة. وأيضًا الأعظم أنه كما ذكر في ترجمته: أنه لم توجب عليه زكاة مع الأموال الكثيرة التي معه، إلا أنها لم توجب عليه زكاة لكثرة صدقته، رحمة الله عليه. كان يتصدق كثيرًا، وكلما جاءته أرباح من الأموال تصدق. وكان مالك رحمه الله لا يقبل من أحد إلا من الليل، معناها لا يقبل عطية أو استدانة إلا من الليل. فقال: «أرسلنا له طبقًا فيه تمر، فأرسل لنا طبقًا مليئًا الدنانير»، أو كما قال رحمه الله. فكان مالك يقبل منه ما أعطاه، ويرد غيره، حتى أنه كان يرد بعض الأمراء أو عطيات الأمراء وغيرهم. وإذا جاءته العطية من الليل أخذها. وكان الليل أيضًا يعطي بعض أهل العلم، يوصلهم بالمال. فكان سخيًا، واجتمع السخاء عنده في العلم، وكذلك السخاء في المال. فكان أيضًا سخيًا في العلم، كان يحدث كثيرًا. قال: قال الليث: حدثني يزيد بن الهاد. ويزيد بن الهاد يقال أيضًا: يزيد بن أسامة بن الهاد، يعني: يزيد بن الهاد نسبة إلى جد، وهو يزيد بن أسامة بن عبد الله بن شداد بن الهاد. وهو من المدنيين، من أهل المدينة. يعني: يقال: يزيد بن الهاد، ويقال: يزيد بن أسامة، وأيضًا يقال له: يزيد بن شداد. قال: عن محمد بن إبراهيم، وهو التيمي. محمد بن إبراهيم التيمي أيضًا مدني، من صغار التابعين، يروي عن نبيه وعن غيره من أهل المدينة، وهو من صغار التابعين. عن أسيد بن حضير. إذا قلنا: من صغار التابعين، كيف ستكون روايته عن أسيد بن حضير؟ هل سمع من أسيد بن حضير؟ لا. إذا كان من صغار التابعين، معناه أنه ما روى إلا عن صحابي صغير، أو معناه: قد يكون روايته عن بعض الصحابة الذين عمروا. وأسيد بن حضير مات قديمًا، فلذلك فروايته عن أسيد بن حضير منقطعة. منقطعة. لكن البخاري رحمه الله اعتمد على الرواية الأخرى، اعتمد على الرواية الأخرى كما سيأتي في آخر الإسناد. وقد جاء أيضًا هذا الحديث موصولًا من عدة طرق. حتى الإمام الليث جاء عنه أيضًا أسانيد أخرى، رواه من طريق خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال، أو عن سعيد بن الحباب عن ابن أبي هلال، أيضًا ذكر عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد. ورواه أيضًا يزيد بن الهاد عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري عن أسيد بن حضير. فالحديث لا شك أنه موصول، لكن هذا الإسناد منقطع. هذا الإسناد منقطع. قال رحمه الله: عن محمد بن إبراهيم عن أسيد بن حضير. أسيد بن حضير هو من سادات الأوس، وهو من بني عبد الأشهل، قبيلة سعد بن معاذ. وكان من سادات هذه القبيلة، قبيلة بني عبد الأشهل، بل من سادات الأوس. علما أن الأنصار: أوس وخزرج. وسعد بن معاذ هو سيد الأوس، وسعد بن عبادة هو سيد الخزرج. ومن سادات الأوس أيضًا أسيد بن حضير، وهو أيضًا مثل سعد بن معاذ من بني عبد الأشهل، من قبيلة أسعد بن زرارة رضي الله تعالى عنه. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «خير دور الأنصار: بنو النجار، وبنو عبد الأشهل، وفي كل دور الأنصار الخير». ولا شك أن بني عبد الأشهل كما جاء في السيرة لابن إسحاق، إسناده صحيح، أنهم أسلموا جميعًا، وما بقي منهم إلا رجل أسلم أو تأخر إسلامه. وإلا لما أسلم سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه وقال لهم: «إن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم». فما بقي منهم رجل إلا وآمن، إلا رجل واحد فتأخر إسلامه. ما من أحد من هذه القبيلة إلا وأسلم. وقد كان سعد بن معاذ سمع القرآن، أو سمع مصعبًا لما كان يتلو عليه القرآن، وقصته في السيرة، وقصته في السيرة معروفة. لما كان أسعد بن زرارة وهو ابن خال سعد بن معاذ، وهو من بني عبد الأشهل، وكان معه مصعب بن عمير في دار بني عبد الأشهل يقرأ القرآن ويدعو إلى الله، أرسله النبي عليه الصلاة والسلام بالدعوة إلى الله. فجاءهم، أو جاء خبر إلى سعد بن معاذ أن أسعد بن زرارة ومصعب بن عمير يقرؤون القرآن على بعض الناس من بني عبد الأشهل. فقال سعد بن معاذ: «اذهب إلى أسعد بن زرارة وكفهم عن هذا». معناه: لا تجعلهم يفعلون هذا. معناه: أخرجهم، أو كذا، أو كفهم، وجعلهم لا يقرؤون. فذهب أسيد بن حضير وأراد أن يكفهم عن القراءة. فقال له مصعب: «اسمع واجلس ثم أحكم». فسمع ما تلاه مصعب، ثم دعاه إلى الإسلام، فرق قلبه أسيد وأسلم. لكن قال: «معي رجل لو أسلم لأسلمت القبيلة كلها». وإنما لم يحضر لأن أسعد بن زرارة كان ابن خالته، فاستحى أن يحصل بينهما شيء. فذهب أسيد إلى سعد بن معاذ، وقال: «هل كففتهما؟» قال: «أولى لك أن تحضر أنت لعلهم يهابونك»، أو كذا، وهو يتعمد هذا الكلام، يريد أنه يذهب ويسمع. فذهب سعد بن معاذ وأراد أن يكفهم، فقال له مصعب أو أسعد: «اجلس واسمع». فتلى عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام، فأسلم، وأسلمت بعده قبيلة بني عبد الأشهل. قال: عن محمد بن إبراهيم عن أسيد بن حضير: «قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوط عنده». واتقدم هذا الحديث من حديث أبي سعيد أن الذي كان يقرأه سورة الكهف، وأكثر الروايات على أنها كانت سورة الكهف. قالوا: فرسه مربوط عنده، إذ جالت الفرس. جالت: معناه تحركت، وهي مربوطة، لكن تحركت حركة شديدة. فسكت، فسكنت. معناه: لما سكت عن القراءة سكنت هذه الخيل، أو هذا الفرس. قال: «فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها، فأشفق أن تصيبه». فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها. معناه: حتى ما يرى هذه السكينة، أو هذه السحابة التي فوق رأسه. لما أضلت السحابة الخيل، أو هذا الفرس، اضطرب هذا الفرس. ولما رأى الفرس تتحرك وتميل، خاف على ابنه أن تطأه هذه الفرس. فلما اجتره، أي أخذ ولده، اجتره: أي جر ولده، نظر إلى هذه السحابة أو هذه السكينة، فرآها ترتفع إلى السماء حتى ما يراها. وهذا كما تقدم معناه: أنها كرامة من كرامات الأولياء التي جعلها الله عز وجل لعباده، وهي أيضًا السكينة التي تنزل على القرآن، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: قال: أي أسيد بن حضير: «فلما أصبح، غدا إلى النبي عليه الصلاة والسلام». وكأن السياق ليس سياق أسيد بن حضير، والظاهر أنه الذي يروي القصة هو أبو سعيد الخدري، الذي يروي القصة عن أسيد بن حضير. وإلا، كما قلنا: أن محمد بن إبراهيم لم يسمع من أسيد، بل لم يدركه. قال: «قال: فلما أصبح غدا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له: اقرأ». معناه: حدثه بهذه القصة، فقال له: «اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير». قال: «فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبًا». قال: «فرفعت رأسي فانصرفت، فانصرفت، فانصرفت إلي». قال: «فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة، فيها أمثال المصابيح». الظلة: معناه مثل السحابة، لكن فيها أمثال المصابيح. قال: «فخرجت حتى لا أراها». قال: «وتدري ما ذاك؟» قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «وتدري ما ذاك؟» قال: «لا». قال: «تلك الملائكة، دنت لصوتك». تلك الملائكة دنت لصوتك. «ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم». وهذه الرواية على خلاف الرواية التي تقدمت أنها السكينة. ولهذا الإمام البخاري جمع بين السكينة والملائكة معًا، قال: «باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن». وهذا جمع بين الأحاديث على أن السكينة نزلت مع الملائكة. فهذه المصابيح التي تضيء هي الملائكة، كما فسره بعض الشراح. والظلة: هذه السكينة التي تنزلت على هذا القرآن، أو كانت هذه السكينة التي تتنزل على القرآن. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «تلك الملائكة دنت لصوتك»، أي: قربت تستمع لصوت أسيد بن حضير رضي الله تعالى عنه. وكان أسيد معروفًا بحسن القراءة، حسن الصوت. ولهذا جاء في رواية في هذا الحديث خارج الصحيح: «اقرأ يا ابن حضير، فإنك أو قال: فقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود». مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال: «أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود»: أبي موسى الأشعري، أبي موسى الأشعري. وهنا في هذا جاءت رواية: أنه قال: «اقرأ يا ابن حضير، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود». معناه: مزمارًا من مزامير آل داود، أي: من صوت داود نفسه. آل داود: أي المقصود به داود نفسه. فقد كان حسن الصوت، وكان يقرأ الزبور، فتقرأ معه الجبال وغيره. وهنا ذكر النبي عليه الصلاة، أو النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: أنه لو استمر لخرجت الملائكة لحضور ذلك القراءة، حتى أنه لا يرى، حتى أنها ما تستتر من أحد. معناه: أن الناس يرونها. وفي هذا الحديث كما تقدم معنا: فضيلة القراءة، وأنها سبب نزول الرحمة، وحضور الملائكة، ونزول السكينة، وغيرها من الأمور العظيمة التي يتحصل عليها قارئ القرآن. أيضًا زيادة على الأجر الذي يتحصل عليه بالقراءة، فكل حرف يقرأه له عشر حسنات، كما قال عبد الله بن مسعود: «لا أقول: الم حرف، وإنما ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». وبعضهم يذكروا عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا كما قلنا فيه زيادة الفضل في قراءة القرآن، وأنه سبب لنزول الرحمة والسكينة، ونزول الملائكة، وكذلك غيرها من الأمور العظيمة التي تحصل بقراءة القرآن. وقد جاء في حديث أبي سعيد، وأبي هريرة في صحيح مسلم: «ما من قوم يجلسون في بيت من بيوت الله، يقرأون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». معناه: أربع جوائز عظيمة يتحصل عليها قارئ القرآن، وكذلك من يتذاكر في معرفة كتاب الله جل وعلا وتفسيره، وأيضًا ما يكون من العلم في ذلك، فيتحصل على هذه الجوائز. وكما قلنا: إذا كان يتلو، أيضًا زيادة على ما يتحصل عليه من أجر القراءة. ذهب هذا ما يذكر الله تعالى على ما...