كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 49

كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 49

الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 49، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

باب من أحب أن يستمع القرآن من غيره: الفرق بين الاستماع والسماع

يشرح المقطع باب البخاري فيمن يحب استماع القرآن من غيره، مبيناً الفرق بين الاستماع المقصود الذي أمر الله به وأجره، والسماع العارض. كما يورد بداية إسناد حديث رواه حفص بن غيات عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن عبيدة السلماني.

سنية عرض القرآن والاستماع إليه وأثره في التدبر

يُبيّن المقطع أن النبي ﷺ كان يحب سماع القرآن من غيره كما في طلبه من ابن مسعود القراءة عليه، واستماعه لسالم وحذيفة، وهذا أصل لسنية عرض القرآن على المشايخ. ويوضح أن الاستماع أدعى للتدبر والخشوع من القراءة؛ لأن المستمع يفرغ قلبه للتأمل بخلاف القارئ المشغول بالأحكام والترتيل.

منهج شيخ الإسلام في التفسير واستماع النبي لقراءة ابن مسعود

يوضح المقطع أن شيخ الإسلام ابن تيمية ألف جزءاً في تفسير آيات غفل عنها المفسرون، معتمداً على تفسيرات قوية كقتادة وابن زيد، مبيناً صوابها. كما يستدل باستماع النبي صلى الله عليه وسلم لقراءة عبد الله بن مسعود ووصفها بالطرية الغضة، وبكائه من قراءتها، تأكيداً على عرض القرآن وسنة الاستماع له.

شهادة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته

ذكر الحديث آية "كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا"، ثم روى أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى عند سماعها. وختم الحديث بذكر بعض الفوائد المستفادة منه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب من أحب أن يستمع القرآن من غيره. وهذا أعم من الأول، فالأول فيه أو الباب الأول: باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن، أي في استماعه. قد كان أبو موسى أُعطي مزمارًا من مزامير آل داود، وقد كان عمر أيضًا يقول لأبي موسى: «ذكرنا ربنا»، فيقرأ عليهم القرآن. وفي هذا الباب: السماع للقرآن من حسن الصوت ومن غيره، وأن يسمع القرآن من غيره إذا تلا غيره؛ سمع؛ لأن الاستماع للقرآن فيه أجر، استماع القرآن فيه أجر، والاستماع غير السماع. السماع ممكن يكون بقصد، وممكن يكون بغير قصد، لكن الاستماع هو أن يقصد استماع هذا القرآن. ﴿ فَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾، فاستماع القرآن هو الذي أمر الله عز وجل به. ولهذا قال العلماء: إن مستمع القرآن هو الذي يسجد مع تالي القرآن إذا سجد في تلاوة وفي غيره، وأما السامع فهو قد يتقصد الاستماع وقد لا يتقصد. ولهذا السامع للقرآن غير المستمع، المستمع تشمله الأحكام، وأما السامع لا تشمله أحكام القرآن واستماعه، مثلا التعوذ وكذا، وأيضا الإنصات للقرآن. قال: باب من أحب أن يستمع القرآن من غيره. قال: حدثنا عمر بن حفص بن غيات، وهو الكوفي، قال: حدثنا أبي حفص بن غيات، قاضي الكوفة، عن الأعمش. ورواية حفص بن غيات عن الأعمش رواية صحيحة، ومن ثقات أصحاب الأعمش حفص بن غيات، إلا أنه أخطأ في بعض الأحاديث. وقد روى يحيى بن معين عن حفص بن غيات بحديث تفرد به، وكان يحيى يحدث به ويصححه، وكان كثير من أصحاب حفص ينكرون هذا الحديث على يحيى: من أين جاء به؟ لكن يحيى حافظ، وهو حديث: «من أقال مسلما أقال الله عثرته يوم القيامة». قال الأعمش: حدثني إبراهيم، وهو ابن يزيد النخعي، إمام أهل الكوفة وفقيههم، قال: عن عبيدة، وهو عبيدة السلماني. وعبيدة يعتبر مخضرًا، أدرك الجاهلية وأسلم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، ولزم علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود في الكوفة. قال: قال عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قال: قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ علي القرآن». قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري». وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع أحدًا يقرأ يستمع له. سمع سالم مولى أبي حذيفة يقرأ في المسجد فجلس يستمع له. وأيضا قرأ صحابي اسمه حذيفة فسمعته عائشة فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بقراءته، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وسمعها وهو يقرأ في المسجد. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يستمع القرآن من غيره، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا كما ذكر بعض العلماء والشراح أن هذا يفيد سنية العرض، سنية عرض القرآن، وأن عرض القرآن على المشايخ وعلى القراء تعتبر سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أخذا بهذا الحديث. ذكر ذلك ابن بطال رحمه الله. وأيضا كذلك الاستماع أدعى للتدبر، وأيضا أفرغ للقلب حتى يتدبر القرآن إذا سمعه من غيره أكثر مما يسمعه من نفسه؛ لأن القارئ يشتغل بالقراءة، ويشتغل مثلا إذا كان حفظًا أو يشتغل بالأحكام، أحكام القراءة من التجويد ومن غيره، فيكون قلبه مشغولا شيئا، لكن المستمع ليس معه إلا الاستماع، فلهذا الاستماع يكون أدعى للتدبر وللخشوع، وأيضا لتأمل آيات الله جل وعلا. ولهذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أيضا يحب أن يقرأ عليه أحد ويتأمل هذه الآيات، ويستنتج ويستخرج منها أحكاما أو تفسيرا، فكان إذا استمع للآيات تأمل أو استنبط منها بعض الأحكام أو بعض التفسير. ولهذا امتاز شيخ الإسلام رحمه الله بتفسيرات عجيبة، وإن كان بعضها قد أخذها من السلف، لكن تجد تفسير عامتها من العلم على خلافه. وأيضا قد ألف شيخ الإسلام رحمه الله كتابا سماه «تفسير آيات لا يوجد تفسيرها في الكتب» أو قل تفسيرها بذلك، أو كما عنون ذلك الجزء، ألف جزءا في تفسير بعض الآيات التي لم ينتبه لبعض معانيها كثير من المفسرين، وقد فسرت بذلك، لكن تجد أنه أشكلت على بعضهم؛ لأن تجد تفسيرات كثيرة، مثلا لما تقرأ من تفسير ابن جرير الطبري، أو ينقل أحيانا الإمام الحافظ ابن كثير هذه التفسيرات، تجد بعض التفسيرات قوية جدا، مثلا تفسير قتادة، تفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرها. فتجد أن ابن جرير أو غيره ينحو نحو تفسير معين، فيأخذ أكثر المفسرين على ذلك أو أكثر العلماء على هذا التفسير، فتجد شيخ الإسلام يأخذ تفسير قتادة ويبينه ويوضح أن هذا هو الصحيح في الآية، أن هذا هو الصحيح في هذه الآية، وهكذا. ولهذا كما قلنا: أن الاستماع للقراءة فيه فوائد كثيرة، فلهذا أيضا كما قلنا يستدل بها على عرض القرآن، وعلى أنه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصف قراءة عبد الله بن مسعود أنها قراءة طرية: «من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. فلهذا استمع النبي صلى الله عليه وسلم لقراءة عبد الله بن مسعود، وهذا ما يؤيد أيضا العرض الذي ذكرناه وذكره بعض العلماء. فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يتأكد من قراءة عبد الله، فلما سمعها وصفها بذلك الوصف العظيم. وأيضا كذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أحب أن أستمعه من غيري». وأيضا فيه فضيلة عبد الله بن مسعود، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بكى من قراءته، أي النبي صلى الله عليه وسلم بكى من قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ لأنه قد جاء في بعض الروايات أنه قال: فقرأته، أي عبد الله بن مسعود، قال: قرأته عليه من سورة النساء حتى إذا بلغت ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾، قال: «فحسبك»، قال: فنظرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا عيناه تذرفان. فهذه بعض الفوائد التي تأخذ من هذا الحديث، والله تعالى أعلم.