كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 51

كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 51

الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 51، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

باب في كم يقرأ القرآن: بيان المراد بالكم وأقل السور

يشرح الإمام البخاري أن المراد بالباب هو كمية الآيات لا الزمن، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾. وينقل عن ابن شبرمة أنه لم يجد سورة أقل من ثلاث آيات، مما يدل على أقل ما يجزئ في القراءة.

اختلاف العلماء في أقل ما يجزئ من القراءة بعد الفاتحة

ذهب ابن شبرمة إلى استحباب ثلاث آيات، بينما استدل علي بن المديني بحديث ابن مسعود على جواز آيتين. ورجح الجمهور جواز آية واحدة مستدلين بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة الصحابة والتابعين آية واحدة في قيام الليل.

اكتفاء الفاتحة مع آية واحدة ومشروعية طول القيام

تجوز الصلاة بالفاتحة وآية واحدة استناداً لقوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، وتكفي آيتا سورة البقرة عن قيام الليل. والأفضل في صلاة الليل الإكثار من القراءة وطول القيام لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «طول القنوت»، وهو مذهب الشافعي.

خاتمة الشرح في توقيت قراءة كتاب الله

يختتم المتحدث شرحه للحديث المتعلق بتوقيت قراءة القرآن، مشيراً إلى وجود أحاديث أخرى في الباب. ويكتفي بما ذُكر مع التوكل على الله وحسن الخاتمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب في كم يقرأ القرآن، وقول الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾». باب في كم يقرأ القرآن، وقوله جل وعلا: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾. قال: حدثنا علي. وقوله هنا: «باب في كم يقرأ القرآن»، المراد به ما الذي يقرأه، في معنى ما يجزئ في الصلاة، عن الذي يقرأه في الصلاة. وليس المراد في «كم يقرأ القرآن» الزمن، وإنما المراد: كم آيات تقرأ، أو أقل ما يقرأ في القرآن، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في حديث عبد الله بن عمرو، لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «في كم تقرأ القرآن؟». أيضا هذا شيء، وهو في الزمن: «كم تقرأ القرآن؟» أي: في أي زمن. وأيضا المراد في «كم» أو ما الذي يقرأه في القرآن. ولهذا استدل بقول الله عز وجل: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾. وكأن البخاري يريد أن يبين الأمرين معا: أن كم أقل ما يقرأه في الصلاة، وكم أيضا أقل ما يقرأه في الزمن. كما قل ما يقرأه في الزمن، معنى «كم يقرأ القرآن»: هل في شهر أو أقل أو أكثر؟ وسيأتي إن شاء الله تعالى في الأحاديث. قال: حدثنا علي، وهو ابن عبد الله بن المديني، أبو الحسن، الذي كان يلقب بـ «حية الوادي»؛ لمعرفته لعلل الحديث، حتى قال أحمد: «كأن الله خلق عليًّا لذلك»، أي: لعلم الحديث. كأن الله عز وجل خلق عليًّا لذلك، أي: لعلم الحديث ولمعرفة العلم. قال: حدثنا علي، قال: حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة. وكان سفيان يحب علي بن المديني، وقال: «يلومونني في علي، وأنا أستفيد منه أكثر مما يستفيد مني». قال: قال لابن شبرمة: «نظرت كم يكفي الرجل من القرآن، فلم أجد سورة أقل من ثلاث آيات». أنا عبد الله بن شبرمة يقول: نظرت كم يكفي الرجل من القرآن، والظاهر أراد في الصلاة، فلم أجد سورة أقل من ثلاث آيات، أنه يقرأ أقل شيء ثلاث آيات، كما هو مذهب الشافعي على الاستحباب: أقل الاستحباب أن يقرأ في الركعة ثلاث آيات. قال: «فقلت: لا ينبغي لأحد أن يقرأ أقل من ثلاث آيات». قال علي: حدثنا سفيان، قال: أخبرنا منصور. هذا كلام ابن شبرمة، ثم ذكر علي بن المديني: قال حدثنا سفيان، قال: أخبرنا منصور، أي: ابن المعتمر، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، أي: النخعي، أنه أخبره: «عَلِقَ مع ابن مسعود، ولقيته وهو يطوف بالبيت، فذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام: إنه من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه». فنستدل به علي بن المديني رحمة الله عليه على أن كلام ابن شبرمة ليس صحيحا، وأنه يكفي العبد حتى لو قرأ آيتين. بل قول أكثر أهل العلم: يكفيه ولو آية واحدة. وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قرأ بآية، وهي قوله جل وعلا: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، قرأ بها النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة الليل كلها، معنى: لم يقرأ غيرها. وهذا يدل على جواز قراءة آية في الصلاة، معنى: بعد الفاتحة يقرأ الفاتحة، وكم يكفيه بعد ذلك؟ فله أن يقرأ ولو آية واحدة. وكذلك في صلاة الليل. كذلك في صلاة الليل، وقد قام جماعة من الصحابة ومن التابعين بآية واحدة. ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة ومن التابعين أنهم كانوا يقرؤون آية واحدة، لا يقرؤون غيرها، أي: في صلاة الليل كلها، وكانوا يقومون أكثر من ثلث الليل. فعلى ذلك عثمان، وعلى ذلك أيضا سعد بن أبي وقاص. وأيضا جاء عن ابن عباس، ومن التابعين: الحسن ابن أبي الحسن، وغيرهم من السلف رحمة الله عليهم. فدل ذلك على أن العبد يكفيه ولو آية، لأن الله عز وجل قال: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾. فإذا قرأ الفاتحة وقرأ آية معها، سواء كان رددها أو لم يرددها. ولهذا مر معنا أن الرجل في صلاة الليل يقرأ ما يحفظه، ولو سورة واحدة، يقرأ ولو من قصار المفصل، يقرأها في صلاة الليل، ولو كررها فهو أفضل من أن يأخذ المصحف ويقرأ من المصحف. فلهذا يجوز للمصلي، سواء كان صلاة فريضة أو صلاة ليل، أن يقرأ آية يكتفي بها. وفي هذا الحديث: أنه من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه. وقد تقدم معنا أن قوله صلى الله عليه وسلم: «في ليلة كفتاه»، فسرت بتفاسير، ومن ذلك: أنه تكفيه في صلاة الليل، تكفيه لصلاة الليل أن يقرأ هاتين الآيتين. فإذا قرأ بهما تكفيه عن الصلاة في تلك الليلة، أي: كأنه قرأ قرآنا كثيرا. فمن قرأ آيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه. فكما قلنا: يجوز أن يقرأ ولو آية واحدة، لكن الأفضل: كلما كثر وكثرت قراءته كلما كان أفضل، لأن أفضل صلاة الليل طول القنوت، وهو طول القيام، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فدل على أن القراءة في صلاة الليل أفضل، وكلما طالت كلما كانت هذه الصلاة أفضل، كلما كانت... لهذا ذهب جماعة من أهل العلم، وهو مذهب الشافعي رحمه الله، أن الأفضل في صلاة الليل أن يقرأ كثيرا، أي: أن القيام أفضل من السجود والركوع في قيام الليل، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن أفضل صلاة الليل قال: «طول القنوت»، أو أفضل الصلاة قال: «طول القنوت»، والمراد به طول القيام والقراءة. فلهذا كلما كثرت القراءة في صلاة الليل كلما كانت أفضل. فهذا إن شاء الله تعالى ما يأخذ من هذا الحديث، وبقيت أحاديث أخرى ذكرها المؤلف في التوقيت الزماني لقراءة كتاب الله جل وعلا، ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.