الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  183

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 183

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 183، ألقاها

مقدمة في شرح حديث أبي هريرة وكعب الأحبار

يبدأ المقطع الأول بشرح حديث منسوب لبصرة بن أبي بصرة الغفاري، ويبين أنه في الحقيقة من حديث أبي بصرة الغفاري، ويتحدث عن جواز ذكر بعض ما في التوراة إذا وافق القرآن.

تحريم شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة

حديث النبي صلى الله عليه وسلم يحرم شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، ويشمل هذا التحريم كل عبادة تتعلق بمكان معين لم يشرعه الله عز وجل.

تفسير حديث ساعة الإجابة يوم الجمعة وتوضيح فضله

يشرح المقطع قصة أبي هريرة مع كعب الأحبار وعبد الله بن سلام حول ساعة الإجابة يوم الجمعة، ويبين أن هذه الساعة هي آخر ساعة في يوم الجمعة.

ختام الحديث والتأكيد على أهمية المسائل المذكورة

يتم الإشارة إلى اكتفاء المؤلف بالمسائل المذكورة في الحديث، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم، ويختتم بذلك الشرح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا العبد ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فتكلمنا عن حديث في مسند بصرة بن أبي بصرة الغفاري، وهو حديث أبي هريرة، لكن أدخل فيه حديث بصرة. ما قال: خرجت إلى الطور، فلقيت كعب الأحبار. ومقدمة هذا الحديث موجودة في الصحيحين أنا نحوها: «ولقيت أبي هريرة كعب الأحبار، وإتياني إلى عبد الله بن السلام». هذا موجود في صحيح مسلم: «في الساعة التي في يوم الجمعة». وهذا الحديث الصحيح أنه ليس من حديث بصرة بن أبي بصرة، وإنما هو من حديث أبيه. حديث أبيه، وهو أبو بصرة الغفاري، حميل بن بصرة، حميل بن بصرة الغفاري. وقد جاء مصرحًا به في بعض الروايات أنه قال: فلقيت حميل بن بصرة الغفاري. والظاهر أن الذي أخطأ فيه هو يزيد بن عبد الله بن الهاد، فذكر أنه بصرة بن أبي بصرة. وبصرة صحابي، لكنه روى حديثًا واحدًا، وليس هذا. وإنما الذي لقي أبا هريرة هو أبوه، أبو بصرة، كما جاء ذلك مصرحًا في رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. وجاء كذلك في رواية سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وغيرهم. فكل من رواه عن أبي هريرة قال: أبو بصرة، إلا في هذه الرواية: رواية يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، قال: بصرة بن أبي بصرة. فالصحيح أنه من مسند أبي بصرة، أبيه. وفي هذا الحديث، كما قلنا، عدة مسائل، منها أنه لا بأس أن يحدث الإنسان بشيء يعرفه من التوراة أو من الإنجيل، يوافق ما جاء في كتاب الله جل وعلا. يوافق ما جاء في كتاب الله جل وعلا، وليس أنه يقرأه لأجل التعبد؛ لأنه منسوخ، ولا يقرأه أيضًا لأجل المعرفة؛ من يتعرف على ما في التوراة، لعله يجد أحكامًا أخرى، وكذا. فهذا أيضًا لا يجوز. ومن هذا الباب، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب - كما جاء عند أحمد - لما رآه معه ورقة من التوراة، فقال: «متهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ قال: لقد جئتكم بها بيضاء». فالنبي صلى الله عليه وسلم جاء، أرسله الله عز وجل بهذه الشريعة ناسخة لتلك الشرائع. وإنما كان الصحابة يتحدثون بشيء مما جاء في التوراة أو من أهل الكتاب؛ لأجل أنه موافق لما جاء في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأرادوا أيضًا أن يحتجوا على أهل الكتاب من اليهود والنصارى بما في كتبهم. فذكر أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عليه الصلاة والسلام قال: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط من الجنة، وفيه تيب عليه، وفيه مات». وهذا اليوم هو الذي اختاره الله عز وجل لهذه الأمة. وجاء في تفسير قول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، قال: هو يوم الجمعة. جاء في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يوم الجمعة، هذا اليوم الذي اختاره الله عز وجل لهذه الأمة. وقد كان يسمى يوم العروبة، فكان لليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة». نحن الآخرون، أي: آخر الأمم، السابقون يوم القيامة؛ لأن يومنا أسبق من يومهم. بيد أن اليهود كان لهم السبت، والنصارى لهم الأحد، فاختلفوا في الجمعة، فكان هذا شرفًا لأهل الإسلام، أو لأهل أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هداهم الله له يوم الجمعة. فهذا قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾، أي: هداهم إلى يوم الجمعة. فكان أفضل يوم، يوم عيدهم هو يوم الجمعة. «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة». قالوا: فيه تقوم الساعة. وانظر هذا في الصحيحين، كما قلنا. إقامة الساعة تقوم يوم الجمعة. وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة، عندها خوف وعندها هلع وفزع، تظن أن يوم الجمعة يكون يوم القيامة، فلهذا تخاف. قال: من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقًا من الساعة، إلا الجنة والإنس. قالوا: فيه ساعة لا يصادفها عبد المسلم وهو يصلي، يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه. قال كعب: ذلك في كل سنة يوم. فقلت: بل في كل جمعة. أنا أبو هريرة يقول لكعب: بل في كل جمعة. قال: فقرأ كعب التوراة، فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. كانت المعلومة هذه موجودة عندهم في التوراة، لكن كعب نسي، فظنها في كل سنة. ثم لما رجع إلى التوراة وجدها أنها في كل أسبوع. جعلها الله عز وجل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقلنا: صحيح أنه إنما لقي أبا بصرة أبوه، وهو حميل الغفاري، حميل بن بصرة الغفاري. فقال - أي أبو بصرة -: «من أين أقبلت؟» يقول لأبي هريرة: من أين أقبلت؟ قال: فقلت: من الطور. وجاء أنه ذهب إلى الطور ليصلي في مسجد الطور. ظن أبو هريرة أن هذا فيه شيء من الخير. فقال له أبو بصرة: «لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت». سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجد المدينة، وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس»، أنا مسجد الأقصى. وجاء في رواية أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». وهذا رواه الشيخان في حديث أبي سعيد، كذلك حديث أبي هريرة. وجاء أيضًا في روايات هذا الحديث أنه قال له أيضًا: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». وهذا دليل لأهل السنة على من يشد الرحل إلى القبور وغيرها؛ لأن المقصود هنا أنه لا تشد الرحال إلى مكان يعبد الله عز وجل فيه، يتعبد الله عز وجل فيه، إلا في هذه الثلاثة المساجد. وأما غير هذه الثلاثة المساجد، لا تشد الرحال إلى شيء يتعبد فيه. أنا إذا كان مثلًا لأجل أن يطلب العلم، هذا شيء آخر، وليس لأجل أن يتعبد في ذلك المكان، ولا تقديس لذلك المكان وتعظيمًا له. وإنما لأجل العلم. رجل مثلًا يسافر إلى بلدة فلان لعمل، ليس هو الآن يذهب إلى تلك البلدة لأجل تقديسها أو لأجل عبادة. لكن الذي يذهب لأجل أن هناك يعبد الله عز وجل في ذلك المكان، أو يتبرك بذلك المكان، فإن هذا يقال: لا يجوز. لا يجوز أن تذهب، سواء كان ذلك المكان قبرًا أو حجرًا أو مسجدًا أو غيره. أن سواء كان مسجدًا أو غير مسجد، فكل شيء مثلًا يعتقد أن فيه بركة أو أن يتعبد في ذلك المكان الذي لم يشرعه الله عز وجل، فلا يجوز أن يشد الرحل إليه لذلك. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». هذه المساجد التي تعبد فيها. أما غيرها فلا يجوز. لهذا قال أبو بصرة لأبي هريرة: «لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت». معنى: ما سأجعلك تخرج، أو أنت ما ستخرج؛ لأنك إذا سمعت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ستخرج. وهذا يدل على فهم الصحابة رضي الله عنهم لكلام النبي صلى الله عليه وسلم، لا كما يفهمه المتأخرون. أنا كثير من الشراح للحديث، وكثير من أهل العلم، غاب عنهم هذا الشيء. غاب عنهم هذه المعلومة، فأجازوا السفر لمثل هذه الأشياء. قالوا: إنما لا يجوز إذا أراد أن يصلي. وأما غير ذلك فيجوز. هم الآن يريدون أن يجوزوا لأنفسهم شد الرحال للقبور. فقالوا: هذا الحديث إنما لأجل إذا كان سيذهب إلى مسجد من المساجد يصلي فيه. وأما إذا كان لا يريد الصلاة فجائز. وهذا تفريق خطأ، التفريق بين المتماثلات. فكل عبادة، سواء كان يصلي أو يدعو عند ذلك القبر، أو يتبرك. فكل من أراد عبادة في مكان ليس مأذونًا فيه بشد الرحل، فهذا داخل في هذا، على أنه لا يجوز. ولهذا من المسائل التي سجن فيها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقامت عليه الناس، وقام عليه الأشاعرة وغيرهم، مسألة شد الرحل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم. هل يجوز أن يقال: أنا سأسافر إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟ فكان شيخ الإسلام يستدل بهذا الحديث، وبهذه القصة، على أنه لا يجوز. أبو هريرة إنما ذهب إلى ذلك المكان؛ لأن ذلك المكان كلم الله عز وجل فيه موسى، فهو مكان مبارك. فذهب إليه، والله أعلم: هل كان فيه مسجد أو لا في ذلك الوقت؟ فلهذا فهو ذهب لطلب بركة المكان. فقيل له: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. أو أن أبا هريرة ذهب لأجل أن يلقي كعب الأحبار؛ لأنه كان في تلك الأماكن. فلهذا لما ذهب إلى الطور، جلس مع كعب الأحبار يومًا كاملًا يحدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويحدثه كعب عن التوراة. فتبين أن أبا هريرة أراد إما أنه أراد أن يصلي - كما جاء في بعض طرق الحديث - أراد أن يصلي في الطور. أو أن نيته أيضًا كذلك: لقي كعب الأحبار؛ لأنه كان عالما بالتوراة. قال أبو هريرة رضي الله عنه: ثم لقيت عبد الله بن سلام، فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار، وما حدثته به في يوم الجمعة. فقلت: قال كعب: ذلك في كل سنة يوم. أنا في بداية الأمر قال كذا. قال عبد الله بن سلام: كذب كعب. كذب، معنى: أخطأ. قال: فقلت: ثم قرأ كعب التوراة، فقال: بل هي في كل جمعة. فقال عبد الله بن سلام: صدق كعب. ثم قال عبد الله بن سلام: قد علمت أي ساعة هي. قال أبو هريرة: فقلت له: أخبرني بها، ولا تضن علي. أنا لا تخفيها علي. فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة في يوم الجمعة. آخر ساعة في يوم الجمعة هي ساعة لا يصادف عبد المسلم يسأل الله عز وجل حاجة إلا أعطاه إياها. قال: وكيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة يا أبا هريرة؟ الآن وضع إشكالًا على أبي هريرة، على عبد الله بن سلام. قال: كيف تكون يوم الجمعة آخر ساعة؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا يصادف عبد مسلم وهو يصلي». وتلك الساعة ساعة لا يصلى فيها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة عند غروب الشمس. فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي؟» قال أبو هريرة: فقلت: بلى. قال: فهو ذلك. فالآن أبو هريرة، أو عبد الله بن سلام، حل هذا الإشكال الذي كان عند أبي هريرة. أنا قال: لو كان في آخر ساعة، لو كان في آخر ساعة هذا الوقت ليس وقت صلاة. فكيف النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يصلي وهو يصلي؟» فقال عبد الله بن سلام: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أنه منتظر الصلاة. وكل منتظر للصلاة فهو مصلي. «من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي». وجاء في الصحيحين: «ولا يزال الرجل في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه». منتظر الصلاة، منتظر الصلاة. وجاء في لفظ: «ما لم تحبسه الصلاة»، أو «ما حبسته الصلاة». ما حبسته الصلاة. فهذا حل الإشكال: أنه في صلاة؛ لأنه منتظر للصلاة. إذا كان منتظرًا للصلاة، ولو كان في بيته. لا يلزم أن يكون في المسجد، لكن الأفضل أن تكون في المسجد. لكن ولو كان في بيته، وهو منتظر العدان، يدعو الله عز وجل حتى يؤذن المغرب، ثم يخرج إلى المسجد. وفي بيته أفضل؛ قد يكون من ناحية إخفاء العمل، والله أعلم. فهذا ما يذكر إن شاء الله من المسائل في هذا الحديث. ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.

شاركنا على