كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 53

كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 53

الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 53، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

بكاء النبي ﷺ عند سماع آية الشهادة من سورة النساء

يروي البخاري عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ طلب منه قراءة القرآن، فلما بلغ آية الشهادة في سورة النساء بكى النبي ﷺ وتذرفت عيناه. يعبر هذا الموقف عن شوق النبي ﷺ لسماع القرآن من غيره وتأثره العميق بمعانيه.

فضل البكاء عند قراءة القرآن وفي الصلاة

يؤكد المقطع أن البكاء عند تلاوة القرآن مطلوب وممدوح لدلالته على التدبر والخشوع وزيادة الإيمان. كما يبين أن البكاء في الصلاة ينقسم إلى نوعين: بكاء لتدبر القرآن، وبكاء لأمور تعترض المصلي.

أحكام البكاء والضحك في الصلاة وتفصيل المذاهب

يبين المقطع أن البكاء من خشية الله أو قراءة القرآن جائز ولا يبطل الصلاة، بينما اختلف العلماء في البكاء لأسباب دنيوية بين مبطل وغير مبطل. أما الضحك بصوت (القهقهة) فأجمع العلماء على أنه مبطل للصلاة بخلاف التبسم.

تأكيد حكم البكاء في الصلاة وختامه

يُذكر في الختام أن البكاء لا يُجمع على أنه يبطل الصلاة، كما أنه لا يُعد كلاماً من الكلام المبطل. لذا يُكتفى بهذا القول المختصر في هذا المقام، والله أعلم بالصواب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب البكاء عند قراءة القرآن». قال: حدثنا صدقة، وهو ابن الفضل، قال: أخبرنا يحيى، وهو ابن سعيد القطان، عن سفيان، وهو ابن سعيد الثوري، أبو عبد الله الإمام الحافظ، قال: عن سليمان، وهو الأعمش، عن إبراهيم، وهو ابن يزيد النخعي، عن عبيدة، وهو عبيدة بن عمرو السلماني، عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. قال يحيى: بعض الحديث عن عمر بن مرة، معناه من طريق سفيان، أنا من طريق أقصد الأعمش عن عمر بن مرة، وأيضًا عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله، أنا من طريق عمر بن مرة من طريق أقصد سفيان يرويه من طريق الأعمش من طريق عمر بن مرة عن إبراهيم. وقال: وعن نبيه، قال لي النبي عليه الصلاة والسلام. قال: حدثنا مسدد، عن يحيى، عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله، قال: الأعمش وبعض الحديث: حدثني عمر بن مرة عن إبراهيم، وعن أبيه عن أبي الضحى عن عمر بن مرة، عن أبيه مرة ابن الطيب الهمداني، قال: عن أبي الضحى، وهو مسلم بن صبيح، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اقرأ علي». قال: قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «إني أشتهي أن أسمعه من غيري». قال: فقرأت النساء حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]، قال: «كف» أو «أمسك». فرأيت عينيه تذرفان. قال: حدثنا قيس بن حفص، قال: حدثنا عبد الواحد، أو ابن زياد، عبد الواحد ابن زياد الكوفي، وهناك عبد الواحد ابن زيد بصري وهو من تلاميذ الحسن البصري، لكن اشتهر في الزهديات، فعنوانه من أهل الزهد، لم يروِ حديثًا، وإنما أكثر ما رواه عن الحسن البصري، وقد ذكر له، أي عبد الواحد ابن زياد، ترجمة كبيرة، الإمام أبو نعيم في الحلية. قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة السلماني، عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: قال لي النبي عليه الصلاة والسلام: «اقرأ علي». قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري». فهذا الحديث قد تكرر من قبل، ووجه الشاهد هنا قوله: قول عبد الله بن مسعود: «ورأيت عينيه تذرفان» عن البكاء عند قراءة القرآن. والبكاء عند قراءة القرآن مطلوب، وقد ذكر الله عز وجل أن الذين أوتوا العلم إذا سمعوا هذا القرآن يخرون للأذقان سجدًا ويبكون، ويزيدهم أيضًا خشوعًا، كما ذكر ربنا جل وعلا في سورة الإسراء. فلهذا فالبكاء مطلوب في قراءة القرآن، وهذا أيضًا من تدبر القرآن؛ ليعتذ به. فكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا قرأ القرآن بكى، وكان له أزيز كأزيز المرجل، كما في حديث عبد الله بن الشخير. وكان أيضًا الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كان أبو بكر رضي الله عنه إذا قرأ القرآن لا يسمعه أحد من البكاء، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها. ولما ابتنى له بيتًا بعدما دخل في جوار ابن الدغنة، فإنه ابتنى له مكانًا يصلي فيه، فكان يقرأ ويبكي عليه رضي الله تعالى عنه. فلهذا، التأثر بقراءة القرآن يدل على أن العبد يتدبر هذا القرآن، وأيضًا كذلك يعتذ به. وربنا جل وعلا قد ذكر في سورة الزمر أن هذا القرآن أنزله الله عز وجل ليعتذ بآياته، وإذا سمعها من يتدبر هذا القرآن يعتذ بها. وقال ربنا جل وعلا أيضًا في صفة أهل الإيمان: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: 73]، وقال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]، فهم يخشعون لقراءة القرآن، وأيضًا كذلك يزيدهم إيمانًا. وقال جل وعلا: ﴿كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 23]. تقشعر: أي تخاف وتدمع عينهم لخوفهم من الله، ولما سمعوا من العذاب أو من غيره في كتاب الله جل وعلا. ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، أي يزيدهم ذلك اجتهادًا وطاعة، ويزيدهم ذلك البكاء والخوف خشوعًا، كما ذكر الله عز وجل: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 109]. فلهذا فالبكاء مطلوب في كتاب الله جل وعلا. وأما في الصلاة، فكذلك الصلاة أيضًا البكاء فيها من الأمور العظيمة، لأنها فيها العبد الذي يبكي معناه أنه يتدبر كتاب الله جل وعلا. والبكاء في الصلاة نوعان: بكاء لقراءة القرآن، وبكاء لشيء من الأمور التي تعترض الإنسان. معنى ذلك: أحيانًا إنسان يتذكر مثلًا أحد أحبابه فقده، أو يتذكر مشكلة حصلت له وهو يصلي فيبكي، فهذا البكاء شيء آخر. أما البكاء من قراءة القرآن، فهذا لا خلاف فيه أنه جائز في الصلاة، وأنه لا يؤثر على الصلاة. وأما البكاء الذي هو ليس لأجل القرآن، البكاء الذي ليس لأجل القرآن وإنما لسبب آخر، سان: مثلًا يتذكر شيئًا فأبكاه وهو في الصلاة، ليس من أمور الآخرة، وإنما من أمور الدنيا، أو تذكر كلام إنسان جرحه فبكى في الصلاة. فهل هذه الصلاة صحيحة، أو هل هذا البكاء يؤثر في الصلاة؟ فذكر الشافعية، وهو قول أيضًا عند الحنابلة: أنه إذا ظهرت منه أحرف، يعني حرفين في البكاء أو أكثر، فإنها تبطل الصلاة؛ لأنها تبطل الصلاة؛ لأنه يجعلونه كلامًا. فإذا مثلًا بكى بصوت... لأن البكاء قد يكون بصوت، وقد يكون بحبس نفس. مثلًا بكاء النبي صلى الله عليه وسلم، بكاؤه كأزيز المرجل، يعني مثل غليان القدر، وهذا غالبًا لا يكون فيه أحرف، لا يكون فيه أحرف. وبعض البكاء تظهر أحرف فيه، يكون بصوت، قد يكون جهوري صوت، معنى كبير، وهذا ليس معنى... قد كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون ذلك، كان عمر نشيجه، والنشيج هو الذي يطلع الصوت فيه، البكاء الذي يكون فيه صوت. نشيجه كان يسمع في آخر الصفوف. أنا كان عمر نشيجه يسمع في آخر الصفوف. فإذا كان لأجل القرآن، ما في شيء، كما قلنا. لكن إذا كان هذا النشيج حصل، وهذا الصوت ليس لقراءة القرآن، وإنما لشيء من أمور الدنيا، فهل تبطل الصلاة؟ فقلنا: قال به بعض العلماء، وبعض العلماء كمالك، ورواية عن أحمد. وقال شيخ الإسلام وغيره: أنه لا يؤثر في الصلاة، لا يؤثر في الصلاة؛ لأن البكاء ليس كلامًا. لأن البكاء ليس كلامًا، وكذلك النحنحة، وكذلك كل ما كان من هذه الأمور، ما يعد كلامًا أصلًا، ما يقال أن هذا كلام، وإنما هو بكاء ونحنحة، وأيضًا غيره من هذه الأشياء. إلا الضحك، فقد ذكر كثير من العلماء أنه مجمع على أنه يبطل الصلاة. الضحك في الصلاة: معناه الضحك بالصوت. أما إذا كان تبسمًا، فهذا لا يبطل الصلاة. إذا كان باب التبسم، لا يبطل الصلاة. أما إذا كان بصوت، أنا قهقهة، فقد ذكر النووي وابن قدامة وغيره الإجماع على أنه يبطل الصلاة. لكن هنا البكاء لم يجمع على أنه يبطل، وأيضًا لا يسمى كلامًا. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر بهذا المقام، ونكتفي به، والله تعالى أعلم.