الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 316، ألقاها
أرشد النبي صلى الله عليه وسلم قيس بن عاصم إلى فضل المال القليل وأهمية الإنفاق في سبيل الله، مشيراً إلى أن ما ينفقه الإنسان هو الذي يبقى له. كما أوصى سعد بن أبي وقاص بعدم التصدق بكل ماله.
قدم كل من قيس بن عاصم وعلي بن أبي طالب وصايا لأبنائهما عند وفاتهما، تضمنت تجنب النياحة والزهد في طلب الناس وإصلاح العيش. كما شدد علي بن أبي طالب على تكفينه في ثيابه التي يصلي فيها واحترام الأكابر.
حذر من الدخول في العصبيات والعداوات التي قد تؤدي إلى الاعتداء أو القتل وتخدش الدين، مشدداً على أهمية تجنب هذه الأمور للحفاظ على الدين والوحدة بين الناس.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»: حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا المغيرة بن سلمة، أبو هشام المخزومي، وكان ثقة، قال: حدثنا الصعق بن حزن قال: حدثني القاسم بن مطيب عن الحسن عن قيس بن عاصم السعدي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «هذا سيد أهل الوبر»، فقلت: يا رسول الله، ما المال الذي ليس علي فيه تبعة من طالب ولا من ضيف؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم المال أربعون، والأكثر ستون، وويل لأصحاب المئين إلا من أعطى الكريمة، ومنح الغزيرة، ونحر السمينة، فأكل وأطعم القانع والمعتر». قلت: يا رسول الله، ما أكرم هذه الأخلاق، لا يحل بواد أنا فيه من كثرة نعم. فقال: «كيف تصنع بالعطية؟» قلت: أعطي البكرة وأعطي الناب. قال: «كيف تصنع في المنيحة؟» قال: إني لأمنح الناقة. قال: «كيف تصنع في الطروقة؟» قال: يغدو الناس بحبالهم، ولا يوزع رجل من جمل يخطمه فيمسكه ما بدا له حتى يكون هو يرده. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فمالك أحب إليك أم مال مواليك؟» قال: مالي. قال: «فإنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو أعطيت فأمضيت، وسائره لمواليك». قلت: لا جرم لئن رجعت لأقلن عددها. فلما حضره الموت جامع بنيه، فقال: يا بني، خذوا عني، فإنكم لن تأخذوا عن أحد هو أنصح لكم مني، لا تنوحوا علي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه، وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن النياحة. وكفنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها، وسودوا أكابركم، فإنكم إذا سودتم أكابركم لم يزل لأبيكم فيكم خليفة، وإذا سودتم أصاغركم هان أكابركم على الناس، وزهدوا فيكم. وأصلحوا عيشكم، فإن فيه غنى عن طلب الناس، وإياكم والمسألة، فإنها آخر كسب المرء. وإذا دفنتموني فسووا علي قبري، فإنه كان يكون شيء بيني وبين هذا الحي من بكر بن وائل خماشات، فلا آمن سفيها أن يأتي أمرا يدخل عليكم عيبا في دينكم. قال علي: فذاكرت أبا النعمان محمد بن الفضل، قال: فأتيت الصعق بن حزن في هذا الحديث، فحدثنا عن الحسن، فقيل له: عن الحسن، قال: لا، يونس بن عبيد عن الحسن. قيل له: سمعته من يونس؟ قال: لا، حدثني القاسم بن مطيب عن يونس بن عبيد عن الحسن عن قيس. فقلت لأبي النعمان: فلما تحمله؟ قال: لا، ضيعناه. وهذا الحديث الطويل أو الأثر الذي اجتمع على عدة أحاديث، صححه شيخ الألباني رحمه الله، وحكم عليه بأنه حسن لغيره. وهذا الحديث الطويل اجتمع على عدة أحاديث، وهكذا أيضا اجتمع على هذه الوصية من قيس بن عاصم لأبنائه. وقيس بن عاصم وفد على النبي عليه الصلاة والسلام مع وفد بني تميم الذين وفدوا على النبي عليه الصلاة والسلام، وكان من عظماء العرب وحكمائها وفرسانها، وأسلم رضي الله تعالى عنه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام فيه حين وفد عليه: «هذا سيد أهل الوبر»، يعني أهل البادية. فأطلق عليه النبي صلى الله عليه وسلم لفظ السيد، ولفظ السيادة يجوز إطلاقها على الصحيح من أقوال أهل العلم إذا كانت هذه اللفظة لمن يستحقها، إذا كان الرجل أهلاً لها بأن يكون له منزلة في قومه، كأن يكون رئيسا أو كبيرا في قومه من ذوي الرأي ومن أهل الخير والصلاح ممن يرجع إليه قومه، فإنه يجوز أن يطلق عليه لفظ السيد. ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «قوموا إلى سيدكم»، لما جاء سعد بن معاذ في الحكم في بني قريظة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قوموا إلى سيدكم». وقال عليه الصلاة والسلام في الحسن: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». قال: فقلت: يا رسول الله، ما المال الذي ليس علي فيه تبعة من طالب ولا من ضيف؟ يعني الذي لا أأخذ عليه وأحاسب عليه، ويكون تبعة علي، وكذلك أيضا يكون في وجود هذا المال مضر علي، ونحو ذلك من طالب، أي ممن يطلب المال، أو من ضيف ينزل علي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم المال أربعون، والأكثر ستون، وويل لأصحاب المئين»، يعني كلما كان المال قليلا فهذا أفضل لصاحبه. وهذا حث من النبي صلى الله عليه وسلم على التقلل والزهد في الدنيا. فلذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا أثنى على من كان قليل المال: «نعم المال أربعون، والأكثر ستون»، يعني إن زاد الأربعين فستين. قال: «ويل لأصحاب المئين»، يعني من لهم من المال المئة فأكثر. قال: «إلا من أعطى الكريمة، ومنح الغزيرة، ونحر السمينة، فأكل وأطعم القانع والمعتر»، يعني إذا أراد أن يذبح للضيف أو يكرم من أراد إكرامه، فإنه يختار السمينة، فيأكل ويطعم القانع والمعتر. القانع: السائل، والمعتر: الذي يتعفف عن السؤال. قلت: يا رسول الله، ما أكرم هذه الأخلاق، لا يحل بواد أنا فيه من كثرة نعم، يعني أني كثير الأموال، عندي مال كثير، فكيف أصنع به؟ وكيف أنال بهذا المال مكارم الأخلاق والمنازل العالية؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «كيف تصنع في المنيحة؟» والمنيحة هي الناقة أو الشاة يمنحها صاحبها لغيره، ينتفع من لبنها ثم يرجعها إلى صاحبها. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في حثه على أبواب البر والأعمال الصالحة: أربعون خصلة، أعلاها منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة، كما في مسلم، الحديث عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما. فمن أرفع خصال البر وأعمال البر المنيحة، منيحة العنز، إذا منحها الإنسان لغيره ينتفع من لبنها ثم يرجعها إليه، واحتسب ذلك، فهي من أعمال البر العظيمة التي توجب دخول الجنة. قال: «كيف تصنع في المنيحة؟» قال: إني لأمنح الناقة. قال: «كيف تصنع في الطروقة؟» قال: يغدو الناس بحبالهم، ولا يوزع رجل من جمل يخطمه فيمسكه ما بدا له حتى يكون هو يرده، يعني أني لأمنع أحدا يحتاج إلى الناقة فيخطمها ويأخذها، لا أمنعه من ذلك، متى ما اكتفى منها أرجعها. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فمالك أحب إليك أم مال مواليك؟» قال: مالي. قال: «فإنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو أعطيت فأمضيت، وسائره لمواليك»، يعني يخبره النبي عليه الصلاة والسلام أن مال الإنسان الذي ينتفع به هو الذي يستخدمه، والذي يقدمه بين يدي ربه سبحانه وتعالى، ما يأكله وما يلبسه هذا ماله، والذي يتصدق به وينفقه فهو كذلك ماله الذي يجده عند الله. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يوجَدْ لَكُمْ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾. وفي حديث عائشة حين أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتصدق بالشاة، فتصدقت بها غير كتفها، فلما سألها النبي صلى الله عليه وسلم ما بقي منها؟ قالت: يا رسول الله، لم يبق إلا كتفها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بقي كلها غير كتفها»، يعني الذي أنفق هذا هو الباقي، والذي بقي هذا هو الذي قد فني وذهب. فلذلك أرشده النبي صلى الله عليه وسلم على الإنفاق في المال، وأن الذي ينفقه الإنسان هو الذي يبقى له، وهو الذي يجده بين يديه يوم القيامة. وما يبقيه من المال ويرحل عنه فهو للورثة، فهو لورثته. ولهذا في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «مالك أحب إليك أم مال مورثك؟» قال: يا رسول الله، مالي. قال: «فإن مالك ما قدمت، ومال مورثك ما أخرت». الذي تبقيه هذا للورثة، والذي تقدمه بين يديك فهذا هو مالك الذي تنتفع به. وليس معنى هذا أن الإنسان إذا كان عنده أموال ينفق أمواله كلها ويدع الورثة بلا شيء، لا، إذا كان مالك قليلا فدعه للورثة وتؤجر على ذلك. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين مرض، وأخبره أنه كثير المال وليس له وارث إلا ابن له، هل تصدق بمالي كله؟ قال: «لا». قال: بالنصف؟ قال: «لا». قال: الثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير». ثم أخبره النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»، يعني إذا أبقيت لهم شيئا من المال الذي لك يرثونه فيستغنون به عن سؤال الناس، فإنك تؤجر على ذلك خير لك من أن تذرهم فقراء يتكففون ويسألون الناس. قال: قال: لئن رجعت لأقلن عددها، يعني قال قيس بن عاصم رضي الله عنه: إذا رجعت إلى بلدي وأهلي لأقللن من هذا المال، لأقللن من هذا المال، يعني بالصدق والإنفاق. قال: فلما حضره الموت جمع بنيه، فقال: يا بني، خذوا عني، فإنكم لن تأخذوا عن أحد هو أنصح لكم مني. ومعلوم أن الإنسان في حال احتضاره وفي حال ذهابه وسفره، سواء كان سفرا حسيا انتقال من بلد إلى آخر، أو كان سفرا من الدنيا إلى الآخرة، إذا أراد أن ينصح ويوصي فإنه يوصي بأغلى ما يرى أن المنصوح ينتفع به. فكيف إذا كانت النصيحة من أب لأبنائه؟ لا شك أنها ستكون أنفع وأبلغ. فلذلك نصحهم رضي الله تعالى عنه بهذه النصائح. قال: لا تنوحوا علي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه، وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن النياحة. يقول: إذا مت فلا تنوحوا علي، لا ترفعوا الأصوات بالصياح، ولا كذلك بذكر محاسن الميت، فإن النياحة محرمة وهي من كبائر الذنوب. وفي حديث أبي مالك الأشعري في صحيح الإمام مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والنائحة إذا لم تتب قبل موتها أقيمت يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب». فالنياحة محرمة، سواء كانت بالأصوات بالصياح ورفع الصوت، أو كذلك بذكر محاسن الميت، أو كانت بلطم الخدود وشق الجيوب أو غير ذلك مما فيه معنى التسخط والتشكي، فهو من النياحة. قال: وكفنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها. فأوصاهم أن يكفنوه في ثيابه التي كان يصلي فيها. وهذا جائز أن يكفن الإنسان بثيابه التي يستعملها، وإذا كفن فيها على غير هيئتها التي تلبس عليها فهذا لا بأس به. والأصل في وجوب الكفن هو كفن واحد، الواجب أن يكفن الإنسان في كفن واحد، والتكفين بثلاث أثواب فهذا على وجه الاستحباب. وأيضا كونه مثلا من البياض هذا مستحب، ويجوز أن يكفن بغير البياض، لكن المستحب أن يكون الكفن أبيض. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلبسوا من ثيابكم البياض، وكفنوا فيها موتاكم». وكفن النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة. فهذا هو المستحب، ويجوز أن يكفن في ثوب واحد. قال: وسودوا أكابركم، فإنكم إذا سودتم أكابركم لمحمد فيكم خليفة. فأوصاهم أن يجعلوا السيادة في الأكبر، الأكبر علما وسنا وشرفا، فتكون له السيادة والمرجع. وإذا حصل ذلك بأن سودوا الأكابر، فإنه يحصل لأبيهم من يخلفه ويقوم في هذا الأمر، لأنه كان رضي الله عنه سيد الناس، كان سيد قومه. فلذلك أوصاهم أن يسودوا أكبرهم حتى يقوم بما كان يقوم به أبوه من سيادة الناس وسياستهم وحسن معاملتهم، وكذلك السير فيهم ونحو ذلك من أمور سياسة الناس. قال: وإذا سودتم أصاغركم هان أكابركم على الناس، وزهدوا فيكم، يعني إذا جعلت السيادة في الأصاغر، فيصبح عند الناس لا قيمة لهم، ويصغر الأكابر في أعينهم، ويهون عليهم أكابرهم، فيزهدوا فيهم ويتركوهم، ولا يرجعوا إليهم، ولا يأخذوا برأيهم. فلذلك أوصاهم أن تكون السيادة في الأكابر. وهذا في الحقيقة في كل أمر، لا شك أن جعل السيادة والمرجعية للأكابر فيه بركة، سواء كان في أمور الدنيا أو حتى في أمور الدين. ولذلك حثت الشريعة في جعل المرجعية في الرجوع إلى أمور الدين إلى الأكابر من أهل العلم. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «البركة في أكابركم». فكبار العلماء عندهم رزانة في العلم، وعندهم تجارب للأمور، وكذلك أيضا قد ذهبت عنهم سرعة الشباب. فالشاب عنده تهور، وعنده تسرع، وعنده بخلاف الكبير والشيخ، فقد جرب الأمور، وعنده التؤدة والسكينة، وكذلك أيضا عدم التعجل. فلذلك تكون البركة في إرجاع الأمور إلى الكبار. وإذا أرجعت إلى الصغار حصل في ذلك من الشر الكبير والعظيم ما لا تحمد عقباه. قال: أصلحوا عيشكم، فإن فيه غنى عن طلب الناس، يعني أوصاهم أن يصلحوا معاشهم في كسبهم وعملهم وطلبهم للمعاش، أن يختاروا الحلال الطيب، وأن يستغنوا عما في أيدي الناس. قال: وإياكم والمسألة، فإنها آخر كسب المرء، يعني إياكم أن تسألوا الناس، واستغنوا بأنفسكم، فإنها آخر كسب المرء. أولا حذرهم منها لأنها في الأصل محرمة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس على وجهه مزعة لحم». فالمسألة مذمومة في الشريعة، إلا عند الضرورة. ولهذا قال: «فإنها آخر كسب المرء»، إذا اضطر إليها فهنا يجوز له أن يسأل ما يسد به حاجته. قال: وإذا دفنتموني فسووا علي قبري، فإنه كان يكون شيء بيني وبين هذا الحي من بكر بن وائل خماشات، يعني جراحات وجنايات من ضرب أو خدش أو قتل. قال: فلا آمن سفيها أن يأتي أمرا يدخل عليكم عيبا في دينكم، يعني احذروا أن من يدخل بينكم فيحيي بينكم عداوات، والعصبيات التي ربما توصل إلى الوقوع في الاعتداء والضرب أو القتل مما يخدش في دين الإنسان، فاحذروا من ذلك. فصل الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.