الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل الشيخ بباب البخاري في نكاح الأبكار موضحاً أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكراً غير عائشة، ثم يفصل في إسناد الحديث عبر إسماعيل بن عبد الله ومالك وسليمان بن بلال وهشام بن عروة مع مناقشة حاله في الحفظ والنسيان.
يناقش إشكال رواية عروة عن النبي دون ذكر عائشة مفسراً ذلك بالنشاط والتورع، ثم يورد حديث مثل الوادي والشجر الدال على عدم تزويج النبي بكراً سواها مع الإشارة لخلاف العلماء في محبته لعائشة وخديجة.
يبين تميز خديجة بسبقها للإسلام ومؤازرتها للنبي وتفوق عائشة في رواية السنة ونشر العلم، مؤكداً عظمة محبة النبي لكل منهما وأن المحبة بين الأزواج هبة إلهية لا تخضع للقسمة البشرية.
يقرر أن المحبة تستقر في القلب ولا يستطيع الإنسان السيطرة عليها إلا بأسباب يقدرها الله، مختتماً بالاكتفاء بهذا والتسليم لعلم الله سبحانه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب نكاح الأبكار. وقال ابن أبي مليكة: قال ابن عباس لعائشة: «لم ينكح النبي عليه الصلاة والسلام بكرًا غيرك». في هذا في مرض موتها رضي الله تعالى عنها، استأذن ابن عباس عليها، وكان يثني عليها من باب الرجاء. والنبي عليه الصلاة والسلام كما قال ابن عباس لم يتزوج بكرًا غير عائشة رضي الله تعالى عنها، وإلا فكل أزواجه طيبات، أي قد تزوجنا ثيبات إلا عائشة رضي الله عنها تزوجها بكرًا. قال: وقد يكون المراد الاستدلال بهذه القصة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحبها، فقد يكون لأجل أن الأبكار أحب إلينا أكثر من الثيبات، أو الثيبات، وقيل غير ذلك. قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، وهو الأويسي، إسماعيل بن عبد الله بن أويس الأويسي، وقاله مالك بن أنس. قال: حدثني أخي، أخوه سليمان بن عبد الله، قال: عن سليمان، هكذا عندكم قد تكون أخي عن سليمان، قد يكون سليمان بن حرب. طيب. قال: عن سليمان عن هشام بن عروة. قال: سليمان بن بلال، سليمان بن بلال المدني، فهو في هذه الطبقة، روى عن هشام وهو مدني كذلك، والإسناد كله مدني. قال: عن سليمان عن هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وهشام حافظ كبير. لما تكلم فيه ابن القطان الفاسي، رد عليه الذهبي فقال: «إن شيخه هو شيخ الإسلام، لكن أحسن الله عزاءنا فيك يا ابن القطان، عن أنك تتكلم في مثل هؤلاء». حصل له شيء من النسيان، أو ما يحصل لكل أحد، لأن الحفظ خون، وقد ينشط الإنسان في بعض الأحيان، وبعض الأحيان يكسد، أن يصيبه النشاط في تذكر أشياء، وأحيانًا يكون فيه شيء من الكسل، أو فيه شيء من الهموم أو المشاكل تنسيه بعض الأشياء. هشام بن عروة رحمه الله لما ذهب إلى الكوفة حدث بحديث وأسند حديثًا لم يكن يسندها بالمدينة، فلذا لما حدث أهل العراق بهذه الأحاديث عن هشام، وسمعها مالك، قال: «كيف يحدثهم ويسند لهم ونحن لا يسند لنا؟ كيف يحدثهم إسنادًا إلى عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن يقول: عروة عن النبي، لا يذكر عائشة». فلما سئل الإمام أحمد عن ذلك قال: «هذا من النشاط». قال الإمام أحمد: «هذا من النشاط، إنسانحيانا ينشط وأحيانا يكسل، يجد الشك فيرسل، لأن الإرسال أهون له، متأكد أنه عن نبيه، لكن هل عن نبيه عن عائشة أو عن نبيه عن غير عائشة، فلذا يرسله، يقول: عروة عن النبي عليه الصلاة والسلام، شامل عروة عن نبيه عن النبي دون أن يذكر الصحابي، وهذا من باب التورع». فقال: عن نبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «قلت: يا رسول الله، أرأيت لو نزلت واديًا وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرًا لم يؤكل منها، في أيها كنت ترتع؟» قالت: «في أيها كنت ترتع بعيرك؟» قال: «في التي لم يرتع منها». قال: يعني أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يتزوج بكرًا غيرها. هذا مثال ضربته عائشة رضي الله عنها، وهذا يدل على ذكائها، وتريد أيضًا أن النبي عليه الصلاة والسلام فضلها لأجل هذا، فقالت له: إذا نزلت واديًا. قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: «إذا نزلت واديًا وفيه شجرة»، أي شجر، كما جاء في رواية، معنى أن هناك شجرًا قد أكل منه الغنم أو الإبل، وهناك مكان لم يؤكل منه أحد، فبأي هذه الأماكن تجعل بعيرك يرتع؟ فقال: «في التي لم يرتع منها». قال: التي لم تؤكل منها هي التي أفضل. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «في التي لم يرتع منها». وهذا تفضيل من النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة، والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن عائشة أرادت هذا، فقال لها هذا الكلام، مما يدل على تفضيلها على غيرها، وأنها يحبها أكثر من غيرها. ولهذا اختلف العلماء: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب عائشة أكثر أم خديجة؟ لكن لم يأتِ شيء يفصل بين هذه الأمور، فلذا ندع مثل هذه المسائل التي لم يثبت فيها ما يدل عليها، هل هذه أفضل أو هل هذه أفضل من ناحية محبة النبي صلى الله عليه وسلم لهم. أما من ناحية التفضيل، فكما ذكر شيخ الإسلام أن خديجة رضي الله عنها فضيلتها من ناحية سابقيتها للإسلام، وتأييد النبي عليه الصلاة والسلام، والقيام معه في الدعوة ومؤازرته. وأما عائشة رضي الله عنها ففضلها في نشر علم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والاهتمام بقضايا النبي عليه الصلاة والسلام وأحواله التي لم يطلع عليها غالبًا إلا أزواجه، فكانت عائشة من أفضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن هدي النبي عليه الصلاة والسلام وسنته في بيته، فكانت تحكي أكثر الأشياء التي كان يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، وهذا من نشر العلم، وأيضًا يدل على ذكائها رضي الله عنها، وأيضًا دعوتها على بصيرة تبين ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من الهدي. فمن هذا الباب قلنا أن عائشة لها فضل في باب. وأيضًا قول النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عمرو بن العاص، فإنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله، أي الناس أحب إليك؟» قال: «عائشة». قال: «من الرجال؟» قال: «أبوها». قال: «ثم من؟» قال: «عمر». هذا يدل أيضًا على أن عائشة من أحب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم. لكن هل أراد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت الأحياء في وقته، من يحب من هو حي في وقته عليه الصلاة والسلام؟ فقال: عائشة. فلذا مسألة أيهما أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، خديجة أم عائشة، فالأفضل أنه لا يقال بإطلاقه، فالنبي صلى الله عليه وسلم يحب عائشة كثيرًا، وأيضًا كذلك كان يحب خديجة كثيرًا كذلك. ومسألة المحبة للأزواج، هذه المحبة من الأشياء التي قسمها الله، قسمها الله عز وجل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في خديجة: «إني رزقت حبها». فهذا يدل على أن المحبة قد لا يملكها الإنسان، ولهذا اتفق العلماء على أن المحبة لا يدخلها القسمة في الأزواج، لا يدخلها القسمة في الأزواج. لماذا؟ لأن المحبة عمل قلبي لا يستطيع الإنسان أن يتصرف فيه ويتحكم فيه، إنما تتحكم فيه الأسباب والدوافع، والأمر أيضًا من الله عز وجل. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في خديجة: «إني رزقت حبها». فلذا المحبة تكون في القلب، وأيضًا ليس للإنسان أن يتحكم فيها أحيانًا إلا كما قلنا بالدوافع والأسباب، وهو من الله عز وجل. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر