الدرس في كتاب الطهارة 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الكتاب بالبسملة والاستعانة بالله والحمد لله، وتوضيح معاني هذه العبارات وأهميتها في بداية الكتاب. يتم التأكيد على أهمية هذه العبارات في التهيئة للدراسة والبحث.
يتم شرح منهج الكتاب في الجمع بين المسائل والدلائل مع الاقتصار على أهم الأمور والأدلة المشهورة. يتم التأكيد على أهمية الاختصار في تسهيل الحفظ وترتيب طلب العلم.
يتم شرح الأحكام الشرعية الخمسة: الواجب، الحرام، المكروه، المستحب، والمباح، مع تعريف كل منها وذكر ثمرته. يتم التشديد على أهمية تعلم المكلف لأحكام دينه التي يحتاجها في عباداته ومعاملاته.
يُنصح طالب العلم أن يحمد الله على نعمة العلم ويشكر الله عليها. يتم التأكيد على أهمية شكر الله على نعمة العلم الكبيرة.
بسم الله الحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله، على آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. بالسلام فنقدر إن شاء الله قراءة في كتاب "منج السالكين في توضيح الفقه بالدين" للإمام العلامة الفقيه الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى رحمة واسعة. والشيخ السعدي رحمه الله كما نعلم ممن عنده علم واسع في كثير من فنون الشريعة، خاصة في الفقه وأصوله وتفسيره، ومؤلفاته شاهدة بذلك. وقد تأثر رحمه الله كثيرًا بشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ولهذا تجد في مؤلفاته نفس هذين الشيخين في عباراته وفي تقريراته وفي عرضه للمسائل، تأثر بهم تأثرًا كبيرًا. وهو من الأئمة المجتهدين، وإن كان على مذهب الحنبلي، لكن ليس لمقلد ولا متحجر، بل هو تابع للدليل أينما وجده أخذ به وقال به. وهذا الكتاب الذي بين أيدينا وهو "منهج السالكين" من مؤلفاته النافعة المختصرة في الفقه، حرص رحمه الله على تقريب المسائل وتسهيلها قدر المستطاع مع ذكر الدليل إن تيسر. وهو أيضًا يجنح في هذا المختصر إلى ما دل عليه الدليل، ما رجحه الدليل ودل عليه قال به. ومما يمتاز به هذا الكتاب مع صغر حجمه واختصاره، فقد حرص على ذكر الأدلة، أن يذكر المسائل ويذكر ما يتيسر من الأدلة عليها. ونبه على ذلك رحمه الله كما سيأتي في المقدمة، لأن هذا وحقيقة العلم هو معرفة الحكم بدليله. قال رحمه الله: "بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم". ابتدأ رحمه الله بذكر البسملة اقتداءً بكتاب الله وبسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهي مبدوءة بذكر البسملة. "بسم الله" الجار والمجرور متعلق بمحذوف يقدر بـ "أبتدئ" أو "أؤلف"، "بسم الله أؤلف" أو "بسم الله أكتب" أو "بسم الله أقرأ" على حسب الحال. والاستعانة والاستعاذة والتبرك بسم الله، مستعينًا بالله جل وعلا متبركًا بسمه ولفظ الجلالة مشتق من الألوهية، من "أله" يأله إلهة إذا عبد، فألله المعبود الذي لا يستحق العبادة أحد سواه. "الرحمن الرحيم" هذا اسمان دالان على صفة الرحمة، "الرحمن" صفة جامعة لله سبحانه وتعالى، و"الرحيم" صفة متعدية إلى الخلق، وهو جل وعلا "رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما". ثم بعد ذلك بالحمد لله، الثناء على الله جل وعلا بما هو أهله. "الحمد لله" يعني أثني على الله جل وعلا بجميع معاني الثناء مع المحبة والتعظيم. فالحمد ثناء على الله جل وعلا مع المحبة والتعظيم، وألفه للاستغراق، أي كل المحامد لله. واللام فيه للاختصاص والاستحقاق، والذي يستحق أن يحمد اختص بالحمد، والله سبحانه وتعالى يحمد لكونه الكامل في ذاته وفي ربوبيته وإسماءه وصفاته، ويحمد جل وعلا لعظيم فضله وإنعامه. قال "نحمده ونستعينه" أي نستعين به في قضاء حوائجنا وفي قضاء أعمالنا وفي شأن عباداتنا وطاعاتنا وأحوالنا. "إياك نعبد وإياك نستعين" أي لا نستعين إلا بك. "ونستغفره ونتوب إليه" نستغفره من جميع الذنوب والخطايا، ونتوب إليه مما وقعنا فيه من زلل وخطأ، نطلب من الله المغفرة والتوبة، المغفرة لما مضى من الذنوب وسترها، والتوبة من هذه الذنوب أن يوفقنا الله جل وعلا لأن نتوب منها وأن نرجع عن فعلها. "ونعوذ بالله من شرور أنفسنا" نستعيذ بالله، نلتجئ إليه ونعتصم به من شرور هذه الأنفس، فإن الأنفس تأمر بالشر، إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي. فهذه النفس لها شرور، كالطبع الجشع والحقد والغل والبغضاء إلى آخر هذه كلها من شرور النفس. "من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له" فالهداية والضلال بيد الله جل وعلا، فالله عز وجل يهدي من يشاء فضلًا، ويضل من يشاء عدلًا. فمن هدى فبفضل الله عز وجل، ومن ضل فبقضاء الله سبحانه وتعالى وعدله. ومع ذلك فالله عز وجل جعل الهداية أسبابًا يجب على العبد أن يسلكها وأن يعمل بها، وجعل للضلالة أسبابًا يجب على العبد أن يجتنبها وأن يبتعد عنها. ثم قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له" أشهد يعني أقول ناطقًا بلساني معتقدًا بقلبي أنه لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله جل وعلا وحده، وحده وتأكيد للإثبات، "ولا شريك له" تأكيد للنفي. لأن شهادة التوحيد كما نعلم متضمنة على الإثبات والنفي، "لا إله" نفي للألوهية، و"إلا الله" إثبات ألوهية لله سبحانه وتعالى وحده سبحانه وتعالى. "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" كذلك يعني ناطقًا بلساني معتقدًا بقلبي أن محمدًا عليه الصلاة والسلام هو عبد الله ورسوله، هو عبد فلا يعبد، ورسوله فلا يكذب. فضله الله على سائر البشر والعباد بالنبوة والرسالة. قال رحمه الله: "أما بعد" وهذا انتقال يعني من الحمد والثناء إلى الموضوع. ومعنى "أما بعد" ما يكن من شيء بعد. قال: "فهذا كتاب مختصر في الفقه". المختصر ما قل لفظه وكثر معناه، أو ما قلت مبانيه وكثرت معانيه. هذا يسمى المختصر. وفوائد المختصرات أنها تسهل الحفظ على إنسان حفظ هذا المختصر لما يكون مختصرًا وقليلًا يسهل على طالب العلم أن يحفظه، بخلاف المطولات فإنها يشق حفظها. وهكذا أيضًا من فوائد المختصرات أنها تعين طالب العلم على تدرج الطلب، فيبدأ بالقليل بصغار العلم قبل كباره. وهذا يعني هو الطريقة الصحيحة في الطلب أن يبدأ طالب العلم بصغار العلم قبل الكبار. قال: "جمعت فيه بين المسائل والدلائل" يعني بين ذكر المسألة ودليلها. "جمعت فيه بين المسائل والدلائل" فالمسائل جمع مسألة، والمسألة هي الأحكام التي يحتاج إلى معرفة حكمها. ودليلها يعني الدليل على حكم هذه المسألة. قال: "اقتصرت على أهم الأشياء" اقتصر فيه على أهم الأمور وأعظمها نفعًا، بشدة الضرورة إلى هذا الموضوع. "وكثيرًا ما أقتصر على النص إذا كان الحكم فيه واضحًا" لسهولة حفظه وفهمه على المبتدئين. يعني يذكر المسألة وحكمها ثم يذكر الدليل من كتاب أو سنة. قال: "لأن العلم معرفة الحق بدليله" هذا تعريف للعلم. والعلم معرفة الحق بدليله، تعرف المسائل بأدلتها. العلم كما قال العلماء: "قال الله وقال رسوله، قال الصحابة" من أصول العرفان. "ما العلم نصبك للخلاف جهالة بين الرسول وبين رأي فلان" هذا العلم "قال الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم". والفقه معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بأدلتها من الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح. وأقتصر على الأدلة المشهورة خوفًا من التطويل. وإذا كانت المسألة خلافية اقتصرت على القول الذي ترجح عندي تبعًا للأدلة الشرعية. قال: "الأحكام خمسة" يعني الأحكام التكليفية. عرفها بالاستقراء. قال: "الواجب هو ما أثيب فاعله وعوقب تاركه" والحرام ضده. يعني ضد الواجب. "والمكروه أثيب تاركه ولم يعاقب فاعله" والمستحب ضده. والمباح هو الذي فعله وتركه على حد سواء. ويجب على المكلف أن يتعلم منه كل ما يحتاج إليه في عباداته ومعاملاته وغيرها. قال صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين". ذكر هنا شيء من تعريف على جهة الاختصار، لأن الدارس للفقه لا يستغني عن معرفة هذه الأحكام. قال: "الواجب ما أثيب فاعله وعوقب تاركه" هذا تعريف بالثمرة. ونعرف الواجب بالثمرة. وكان هذا هو المقصود وأساس معرفة الواجب. لكن ليس هذا هو التعريف" الواجب هو ما أمر به الشرع على وجه الإلزام بالفعل. كالأمر مثلا بالصلاة "وأقيموا الصلاة" هذا واجب أمر به الشرع وألزم بفعله. ولهذا رتب على فعله الثواب وعلى تركه العقاب. قال: "هو ما أثيب فاعله" لكن مقيدًا على قصد الامتثال. "ما أثيب فاعله امتثالًا" يعني الإنسان إذا فعل الواجب لغير قصد الامتثال فإنه لا يثاب. "وعوقب تاركه" كذلك لا يجزم بالعقاب. وكان مراد المؤلف "عوقب تاركه" يعني يستحق العقوبة. ليس الجزم له بالعقوبة. يعني هذا ظاهر العبارة. قال: "والحرام ضده" فالحرام ما نهى عنه الشرع وجل الزام بالترك. مثمرته ما عوقب فاعله واستحق الثواب تاركه. نقول: ما استحق العقاب فاعله واستحق الثواب تاركه امتثالًا. هذا ثمرة الحرام. قال: "والمكروه ما أثيب تاركه ولم يعاقب فاعله" المكروه تعريفه ما نهى عنه الشرع على غير وجه الجزم. نهى عنه لكن على وجه التنزيه، على وجه الأفضلية أن يتركها الإنسان. ليس بأمر جازم بالتحريم. فهذا المكروه إذا فعله الإنسان لم يعاقب، وليس محرمًا. وإذا تركه امتثالًا فمثيب. قال: "والمستحب ضده" أي ضد المكروه. كما أن المكروه لا يثاب فاعله ويثاب تاركه، فالمستحب يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. هذه ثمرة المستحب. وتعريفه ما أمر به الشرع على غير وجه الإلزام بالفعل، كالنوافل ونحوها. قال: "والمباح هو الذي فعله وتركه على حد سواء" يعني فعله ذاك وإن لم تفعله فليس عليك شيء. لا تثاب بفعله ولا تعاقب بتركه. إلا إذا تعلقت به النية أو صار وسيلة، فهنا يتعلق به الثواب والعقاب. قال: "ويجب على المكلف أن يتعلم منه" أي من العلم والفقه "كل ما يحتاج إليه في عباداته ومعاملاته" كل ما يحتاج إليه في عباداته ومعاملاته. كما مر معنا في درس قواعد أن العلم قسمان: فرض عين، وفرض كفاية. فرض العين ما يجب على كل إنسان بعينه مما يعني يحتاج إليه في فعله بنفسه، ولا يقوم عنه غيره كالصلاة والصيام وغيرها. فلا بد أن يتعلمها بنفسه. هكذا المعاملات التي يحتاج إليها من بيع وشراء ونكاح وغير ذلك، فهذا من فروض العين. قال: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: 'من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين'" المعاوية رضي الله تعالى عنه. "من يرد الله به خيرًا يفقه" يعني يفهمه في الدين. الدين كل ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام. فيدخل في ذلك التوحيد والعقيدة، أي من الفقه في الدين. ويندرج بذلك أمور العبادات: الصلاة، الصيام، الحج، الزكاة. وهكذا المعاملات: البيع والشراء والنكاح إلى آخره. وهكذا في الآداب والأخلاق والسلوك، كل ذلك من الدين الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام. فالتفقه في الدين من علامات رضوان الله جل وعلا الخير للعبد. "من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين" يفهم أحكام الشريعة. فإذا وفق العبد لذلك فليعلم أن الله أراد به خيرًا، أن الله أراد به خيرًا، اختاره واصطفاه من بين الناس حتى يتفقه ويتعلم أحكام الشريعة. هذا من توفيق الله ومن فضل الله سبحانه وتعالى عليك. أن فضلت لذلك فاحمد الله جل وعلا، يا طالب العلم، على هذه النعمة التي من الله جل وعلا بها عليك.