الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 24، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع خلاف الفقهاء في اعتبار الكفاءة في المال عند الزواج، حيث يشترطها المالكية والحنابلة ولا يعتبرها الشافعية غالباً. كما يستعرض إسناد الحديث الوارد في الباب مع ترجمة مختصرة للراوي عقيل بن خالد الملازم للزهري.
اضطر الإمام الزهري للذهاب إلى الشام لسداد ديونه فجلس في الجامع الأموي حتى أجاب مسألة فقهية أعجبت الخليفة هشام بن عبد الملك فجعله مستشاراً. ورغم قربه من السلطة ثبت على الحق وصحح رواية نسبت لعلي بن أبي طالب بأنها لعبد الله بن أبي سلول اعتماداً على رواية عروة عن عائشة.
يشرح المقطع سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ حيث كان الأولياء يرغبون في نكاح اليتيمات ذات الجمال والمال ويبخسونهن المهر. فنهاهم الله عن ذلك وأوجب إعطاءهن مثل مهور غيرهن إن رغبوا في نكاحهن.
يوضح المقطع أن الإمام البخاري يستدل بقوله «يرغب في مالها وجمالها» على عدم وجود فرق شرعي بين تزويج المرأة الفقيرة بالرجل الغني أو العكس. معتبراً ذلك جائزاً في جميع الحالات سواء كان الرجل غنياً والمرأة فقيرة أو العكس.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب الأكفاء في المال، وتزويج المقل المثرية». تزويج المقل المثرية: هنا المراد بهذا العنوان معنى، هل هناك اعتبار الكفاءة بالمال؟ فذكر بعد ذلك تزويج المقل، ومعنى ذلك أنه فيه اختلاف، فمنهم من اشترط الكفاءة في المال كذلك، وهذا مذهب المالكية والحنابلة، وبعضهم نسب ذلك إلى الجمهور أن الكفاءة أيضا تكون في المال. فالمراد بالكفاءة في المال: معنى أن الغني يتزوج غنية، لا يتزوج فقيرة، وكذلك أيضا الغنية لا يتزوجها فقير لأن حياته غير حياتها. لهذا تجد بعض الفقهاء يشترط في قول الله جل وعلا: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: 19]، أي: بما تعارف عليه النساء. فالمرأة إذا تعارفت أو إذا كانت غنية وهي في بيت أبيها وكان غنيا، وغالبا تعيش في طرف، وغالبا تعيش في طرف وعندها قد يكون الخدم وكذا، فإذا تحولت إلى بيت زوجها مثلا وهو فقير قد لا تجد ذلك الطرف الذي كانت تجده. ولهذا بعض العلم يقول: إنه من المعروف أنه إذا كانت المرأة ما تخدم في بيتها وإنما عندها خادمة، يشترط أو يتوجب على الزوج أن يأتي لها بخادمة. ومنع ذلك جماعة من العلم، وقالوا: ما دامت أنها وافقت على هذا الفقير فهي تتحمل ما يكون في حياته، فلا يشترط عليه شيء لا يطيقه. ولم يأت دليل صريح على الكفاءة بالمال، أو على أن الكفاءة تكون أيضا في المال، وإنما جاءت ما يدل على عكس هذا وعلى خلاف هذا كما سيأتي في هذه الآية. وهذا من استنباط الإمام الشافعي رحمه الله، أو الإمام البخاري رحمه الله، فقال: «باب الكفاءة في المال». فلهذا المشهور عند الشافعية أنه لا يعتبر، لا يعتبر الكفاءة في المال، وبعض الشافعية اعتبروه. وهنا قال: «وتزويج المقل المثرية». المقل: الذي ما عنده مال، أو عنده مال قليل. والمثرية: المثرية على المرابة، أهل الثراء، أهل المال. تزويج المقل، وتزويج أهل المال الغني. قال رحمه الله: «حدثني يحيى بن أبوكير»، وهو يحيى بن عبد الله بن أبوكير المصري، ينسب إلى جده يحيى بن أبوكير، وأبوه عبد الله، يحيى بن عبد الله بن أبوكير. قال: «حدثنا ليث»، ليث بن سعد أبو الحارث الفهمي، إمام أهل مصر وعالمهم وفقيههم. قال: «عن عقيل»، عقيل بن خالد الأيلي، ويعتبر في أو أن ليث أكبر منه لكن يروي عنه لأنه كان ملازما لابن شهاب الزهري، فلهذا يروي عنه كثيرا. والليث قد رأى ابن شهاب وقد روى عنه، لكنه لم يكثر عنه، قد يكون رآه مرة أو غير. وعقيل بن خالد الأيلي شرطي، وابن شهاب يعتبر من وزراء، معناه في مقام الوزراء في بني أمية، فكان يبعثه الشام إلى الأمصار لحاجات. فكان عقيل إذا جاء ابن شهاب إلى مصر يلزم ابن شهاب، يكون معه دائما كالشرطي، كالحارس يكون معه حارسا لا ينفك عنه، ولهذا قد أخذ منه حديثا كثيرا. وهذا يدلك على أن العمل لا يعارض طلب العلم، الإنسان إذا اضطر إلى أن يعمل فالعمل لا يعارض طلب العلم، لكن لا شك أن التفرغ لطلب العلم أفضل وأيضا أنفع، لكن إذا اضطر الإنسان إلى العمل، عنده أسرة، عنده كذا، يحتاج إلى أن يقوم بنفسه، فعمل، فهذا العمل لا يصرفه عن طلب العلم، لا ينبغي أن يصرفه عن طلب العلم، يعمل وإذا وجد الفراغ فإنه يطلب العلم. وهذا عقيل يسر الله له طلب العلم في عمله، هو شرطي، وتجد إذا جاء ابن شهاب الزهري يلازمه، كأنه ملازم منا من الدولة يجعله شرطيا معه وحارسا معه، فيسمع الحديث ويذهب معه إلى البرار وإلى الكفرات، معنا إلى القرى، معنا معنا، تائما معه، يلازمه في كل شيء. قال: «عن عقيل عن ابن شهاب»، وهو الزهري محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري أبو بكر، كان حافظا كبيرا. قال: «أخبرني عروة». ودخوله عند الخلفاء لم يكن يضره، أن بعض الناس يتأثر بالدخول عند الخلفاء وعند الأغنياء وكذا، لكن بعض العلماء يكون علمه يقوده إلى الخير ويقوده إلى التقوى، فمهما كان في أي مكان، الزهري رحمه الله لم يكن يريد أن يكون في ذلك المكان لكن اضطرته الظروف أن يكون معه شاب، أنا كثر عليه الدين وهو في المدينة، وكان يأخذ دينا لعجل أن يطلب العلم، فكان كل نهاره وليله في طلب العلم والدوران على المشايخ وعلى العلماء. وكان بسبب أنه كان قراشيا ومن أشراف الناس، فكان إذا استدان أعطوه، كان يستدين فكثر عليه الدين، فلم يدري ماذا يفعل وكيف يستطيع أن يسد الدين. لكن الله عز وجل يكون مع عباده الصالحين ويفرج عنهم الكرب. فالزهري رحمه الله لما كثر عليه الدين لم يجد حيلة إلا أنه يذهب إلى دار الخلافة إلى الشام، حيث هناك بنو أمية، عن الشام هو المكان الذي كان فيه خلافة بني أمية، فذهب إلى الشام وجلس في الجامع الأموي يطلب العلم عند قبيصة بن ذؤيب، وهو يريد ويتحين الفرص أن يدخل على هشام، لكنه لم يستطع أن يدخل بدون حاجة له معروفة. ذات مرة مرت قضية على هشام من عبد الملك فلم يجد لها دليلا عن النبي عليه الصلاة والسلام على حكم في قضية، فقال: فأرسل إلى قبيصة بن ذؤيب رضي الله عنه، قبيصة يعتبر من صغار الصحابة، فأرسل إليه يسأل عن هذه المسألة، فقال: لا أعلم شيئا عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: هل تعلم عن عمر أنه قضى فيها بشيء؟ فقال: لا أعلم لكن سأسأل من عندي في المسجد. فذهب إلى حلقته وسأل عن هذه القضية: من يعرف دليلا عن النبي عليه الصلاة والسلام أو قضاء النبي صلى الله عليه وسلم وقضاء أحد الخلفاء؟ فقال الزهري: عندي قضاء عمر. وكان الزهري يأخذ قضايا عمر من سعيد بن المسيب، وكان سعيد قد اهتم بقضايا عمر، معنى القضايا التي حكم فيها عمر كان يجمعها، فأخذها منه ابن الشهاب. فلما قال قبيصة رضي الله عنه: من عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الخلفاء في هذه القضية؟ فقال الزهري: أنا عندي عن عمر. قال: فأخذه قبيصة وأدخله على هشام، فقال له هشام: من أنت؟ قال: أنا محمد بن مسلم بن شهاب بن عبيد الله الزهري. قال: ألم تعلم ما فعل أبوك؟ قال: نعم. قال له: عفى الله عما سلف. أن هذا قد وقع، كان أبوه ممن أثار على بني أمية، كان أبي الزهري ممن أثار على بني أمية، فلما عرف أنه ابن مسلم بن شهاب قال له: ألم تعلم ما فعل أبوك؟ فقال: بلى، لكن قد مضى، وأمير المؤمنين ممن يحلم ويصفح. ثم سأله عن هذه المسألة فأتى بها، فرأى فيه الحنكة والذكاء والحفظ، فكلم قبيصة أن يكون معه في القصر، أن يكون يستفتيه في المسائل وكذا، فصار من ذلك الوقت في قصر بني أمية كالوزير، يستفتونه في بعض المسائل أو في القضايا أو في غيرها، وحضر هشام وظاهر، والوليد أيضا بن عبد الملك أيضا كان معه. فالمهم أن الزهري رحمه الله لم تؤثر عليه الإمارة، معنى: بعض العلماء تجد أن دخوله على الإمارة يؤثر عليه ويحاول أنه يرضيه، لكن هشام والوليد لما قال: «والذي تولى كبره قال علي بن بطال»، فقال الزهري: «والله الذي لا إله إلا هو ليس علي»، وحدثني عروة عن عائشة أنه عبد الله بن أبي بن سلول. أنا لم يخشى كلام الوليد لأن الوليد من بني أمية، وتجد أن فيهم شيء على علي رضي الله عنه لما حصل، وخاصة كان أشياء بين بني أمية وبين بني هاشم، وأكثر من خرج على بني أمية من بني هاشم، فلهذا تجد أن في أنفسهم شيء. فقال: «والذي تولى كبره قال علي بن بطال»، فرد عليه الزهري أنه ليس عليا وإنما هو عبد الله بن أبي بن سلول. قال: «حدثني بذلك عروة عن عائشة»، وعائشة أعلم بذلك لأن هذه الآيات نزلت فيها. قال رحمه الله: «عن عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة»، وهو ابن الزبير، الصابر المحتسب، وكان ساحل لا بحر له كما قال الزهري. قال: «أنه سأل عائشة رضي الله عنها: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ [النساء: 3]، أنا أيش المناسبة في ذكر اليتامى وفي ذكر النكاح؟». فقالت عائشة رضي الله عنها، تلك المرأة الفقيهة المفسرة العالمة: «يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، أنا ولي يتولاها بعد أبيها، بعد أن يموت أباها يتولاها مثلا أحد أصحابه، أحد أبناء عمه، فتكون في حجره، فيرغب في جمالها ومالها، عندها مال ترك لها أباها مالا، فيرغب هذا الولي في جمالها ومالها، ويريد أن ينتقص صداقها، مدام أنها وليته وهو قائم عليها سيعطيها شيئا يسيرا لأنه قائم عليها وهو وليها». قال: «فنهوا عن نكاحها»، فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا في إكمال الصداق، أن يعطيها مثل ما يعطي الناس، ما يبخسها حقها، يقول: مدام هذه يتيمة عندي وأنا المسؤول عليها سأعطيها شيئا يسيرا لأنها معها مال ومعها وأنا وليها. ﴿ وَأُمِرْتُمْ بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ ﴾ [النساء: 3]، أن الله عز وجل يقول: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ﴾، أي: في مهرها ما تعطون حقها الذي مثل النساء، فإن خفتم ذلك فعندكم النساء كثير، ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾، إن شئتم اثنتين، إن شئتم ثلاث، إن شئتم أربع. فقال الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ﴾، أي: تعطونهن حقهن في المهر، ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾، أي: سواهن. قالت: «واستفت الناس رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ﴾ [النساء: 127] إلى قوله: ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ﴾ [النساء: 127]، فأنزل الله لهم أن اليتيمة إذا كان ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها ونقصوا في إكمال الصداق، معنا: لابد أن يعطونها مثل ما يعطون النساء، معنا ما يبخسون حقها، وإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها وأخذوا غيرها من النساء». إذا كانت إذا كانت عندها مال وعندها جمال تجد أنهم يريدون أن ينكحوها لكن ما يقسطون في المهر، يعطونها شيئا يسيرا لأنها وليها، ويجوز للولي أن يتزوج موليته إذا كانت تحل له، على إذا كانت مثل المرأة ليس لها ولي مثلا تكون امرأة كافرة ثم أسلمت فوكلت رجلا من المسلمين أن يتولى أمرها، فقال العلماء: يجوز له أن يتزوجها نفسه أو يزوجها نفسه، لكن لا يبخس حقها، يعطيها مثل ما تعطى النساء. لكن هنا غالبا الناس إذا كانت ذات جمال ومال فتجده يرغب في نكاحها فلا يقسط في المهر والصداق، وإذا كانت مرغوبا عنها مثلا ليس فيها جمال ولا عندها مال فغالبا ما يلتفت إليها الولي، غالبا ما يلتفت لأنه غالبا هو الذي يسعى في كفالتها في نفقتها في كذا، فغالبا ما تأتي له الرغبة أنه ينكحها. قال: «وإذا كان مرغوبا عنها في قلة المال الجمال تركوها وأخذوا غيرها من النساء». قالت رضي الله عنها: «فكما يتركونها حين يرغبون عنها»، معنى: ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ﴾، معنى ترغبون: معنى لا تريدونها. قال: «فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى من الصداق». هذا نهي الله عز وجل، يجوز مثلا أن يزوج أن يتزوج الإنسان بشيء يسير كما تقدم، لكن أن يستغل المرأة أو هذه اليتيمة بأن يتزوجها بشيء يسير لا، هذا ليس صحيحا، إذا كان سيتزوجها الله عز وجل أمر أن يعطيها مثل ما تعطى النساء إذا كان رغب في نكاحها، معنى: أحب أن ينتحي لجمالها أو لمالها، وهنا له أن يعطيها ما يعطى النساء من الصداق، لا يبخس حقها، وهذا من باب الوجوب، من باب الوجوب. وأما إذا كان مثلا كما قلنا ليس هو وليها ولا كذا وأراد أن يتزوجها فلهم أن يتفقوا مع الولي على مهر ولو كان يسيرا. فوجه الشاهد هنا قوله: «يرغب في مالها وجمالها»، على كأن المال أيضا له وجه في هذا، لكن الاستدلال هنا استدلال إمام البخاري رحمه الله، وكأنه يرى أنه لا فرق بين تزويج المرأة الفقيرة للرجل الغني، سوى كان وليها أو غيره، وكذلك العكس لا بأس أيضا أن يزوج الرجل الغني بالمرأة الفقيرة، وكذلك الرجل الفقير يتزوج المرأة الغنية. طيب، إن شاء الله نكتبه هذا، والله تعالى أعلم. على ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر.