كتاب النكاح من صحيح البخاري 81

كتاب النكاح من صحيح البخاري 81

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 81، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث «كلكم راعٍ» وربطه بآية وقاية الأهل من النار

يشرح المقطع حديث «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» الذي أورده البخاري تحت باب تفسير قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، مبينًا أن وقاية الأهل تكون بتعليمهم العلم والأدب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويستشهد بأقوال علي بن أبي طالب ومعقل بن يسار وزيد بن أسلم لتأكيد أن الرعاية واجبة على كل راعٍ في حدود ولايته.

الرعاية الشرعية للأهل والرعية: الأمانة والرفق والتحذير من القسوة والإهمال

يبيّن المقطع أن رعاية الأهل ومن تحت الولاية أمانة عظيمة يجب فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن الإخلاص والحرص مع الرفق واللين من أسباب النجاة. بينما القسوة (الحطمة) والإهمال يوبقان الراعي يوم القيامة، مستدلاً بالآية ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ وأحاديث المسؤولية عن الرعية.

مسؤولية الراعي عن رعيته في الأسرة والمال

يشرح المقطع حديث «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» مبينًا أن الرجل راعٍ على أهله (زوجة وأولاد) ومسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت زوجها وماله، والولد راعٍ على مال أبيه يحفظه، والعبد راعٍ على مال سيده. ويستدل بالآية ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ لتأكيد شمول المسؤولية للزوجة والأبناء والخدم، مع وجوب صيانة الأمانات وتجنب التفريط.

مسؤولية الابن عن مال أبيه

يُذكر أن الابن يتحمل مسؤولية مال أبيه ضمن أمور أخرى، وهذا وارد في الحديث النبوي. ويكتفي الشارح بذكر ذلك، والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب قول الله عز وجل: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. قال: حدثنا أبو النعمان، أبو النعمان الملقب بعارم، وهو ليس بعارم؛ العارم الشديد، وهو محمد بن الفضل السدوسي، كان ثقة حافظًا إلا أنه تغير في آخر عمره. قيل: إنه تغير سنة مائتين وستة عشر، وقيل قبل ذلك بأربعة عشر، وقيل بإحدى وعشرين، كما هو قول أبي حاتم. فقال أبو حاتم: من روى عن محمد بن الفضل بعد إحدى وعشرين فقد روى عنه بعد الاختلاط. إلا كما قال بعض أهل العلم، وهو الدارقطني: قال إلا أنه لا تعرف عنه رواية عن أحد أنه روى عنه بعد الاختلاط. قال أبو النعمان: حدثنا حماد بن زيد بن درهم البصري، أبو إسماعيل، عن أيوب، وهو السنجستاني، أبو بكر، أو أيوب أبو بكر بن أبي تميمة، أيوب بن أبي تميمة السنجستاني. قيل: إن اسم أبيه كيسان. قال: عن نافع، وهو مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله، أي: ابن عمر. وكما هو معلوم أن عبد الله إذا أطلق في الإسناد المدني فهو عبد الله بن عمر، وإذا كان الإسناد كوفيًا فهو عبد الله بن مسعود، وإذا كان الإسناد مكيًا فهو عبد الله بن الزبير، وإذا كان الإسناد بصريًا أو مكيًا أحيانًا فهو ابن عباس، خاصة إذا كان أحد أصحابه: طاوس، مجاهد، عكرمة، سعيد بن جبير، وعطاء. قال: عن عبد الله بن عمر قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته. فالإمام راعٍ وهو مسؤول، والرجل راعٍ على أهله وهو مسؤول، والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة، والعبد راعٍ على مال سيده وهو مسؤول. ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». وهذا الحديث ذكره هنا الإمام البخاري عند تفسير هذه الآية، وهو يتكلم على باب العشرة، العشرة بين الأزواج، وأيضًا الولاية بالنساء كما تقدم في الباب الذي قبله. فذكر بعد ذلك هذا الحديث عند هذه الآية: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. قد جاء عن علي رضي الله عنه أنه قال: «علموهم وأدبوهم، علموهم وأدبوهم». هو ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾، أي: إذا أردتم أن تقوا أنفسكم وأهليكم نارًا فعلموا أنفسكم، وابدؤوا بصلاحها، ثم بعد ذلك بصلاح أهليكم. علموهم العلم والأدب. ويدخل في هذا حديث معقل بن يسار، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من راعي يسترعيه الله رعية ثم لم يحطهم بنصحه» -أي: لم ينصح لهم، لم يأمرهم بالمعروف ولم ينههم عن المنكر- «إلا أدخله الله النار». وجاء في مرسل زيد بن أسلم: أن هذه الآية لما نزلت قالوا: يا رسول الله، هذا نقينا أنفسنا، فكيف بأهلينا؟ قال: «تأمرونهم بطاعة الله وتنهونهم عن معصية الله». فذكر هذا الحديث: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». وهذه الرعاية قد تكون واجبة، وقد تكون مندوبة. فهناك أشياء واجبة يجب على المرء المسلم أن يراعي نفسه وأهله فيها، فيأمرهم بما جاء في الشرع. وهناك أمور يحثهم عليها من باب الآداب والنوافل وغير ذلك: يعوضهم على الصيام، يعوضهم على صلاة النوافل، صيام النوافل. هذا كله أيضًا يدخل في الرعاية؛ لأن الرعاية المراد بها الأمانة والحفظ. معنى الرعاية: المراد بها الأمانة والحفظ. فهؤلاء الذين يكونون تحت رعايتك لا بد أن تحافظ عليهم، وهم أمانة في عنقك، هم أمانة في عنقك. فلذلك لا بد أن تحافظ عليهم. كما قال في الحديث: «ثم لم يحطهم بنصحه»؛ فقد فرط في هذه الأمانة. فلذلك فالرعية أمانة: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». فالإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، فإذا فرط كان أمره عظيمًا. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من أمير عشرة إلا يأتي يوم القيامة، أطلقه الحق أو أوبقه». «أطلقه الحق أو أوبقه». ما من أمير عشرة... معنى هذا العدد، كما يقول العلماء: ليس المراد بعين هذا العدد، المراد بمن يرعاه. فمن رعى مجموعة من الناس فخان هذه الأمانة فيهم، فإنه يوبقه هذا الأمر، يأتي يوم القيامة: أوبقه الحق أو أعتقه. إما أن يكون قد أدى هذه الأمانة فيعتق، وإما أن يكون قد فرط فيحبسه النار، والعياذ بالله. يعتقه مراعاته لأهله: إذا رعى أهله ونصحهم وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، فإن هذا الحق كفيل أن يعتقه من النار، أن يعتقه من النار، وإن كانت عنده أعمال قليلة. وقد تكون هذه الأمانة يضيعها الرجل، لا يرعى أهله، ولا يبالي بهم. أهم شيء عنده نفسه فقط، ويا ليته يعمر نفسه بالخير، وإنما بالشر، ويترك زوجته وأولاده، لا يراعيهم ولا يسأل عنهم، فيضيع أمانة الله عز وجل التي أمره الله عز وجل بها. فهذا يوبقه الحق، أي: يحبسه يوم القيامة، ويكون من أهل النار، والعياذ بالله. ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾: إذا أراد الإنسان أن يقي نفسه وأهله، فلا بد أن يؤدي هذه الأمانة. وقد لا تكون هذه التوفية كاملة، لكن بحسب استطاعته، بحسب استطاعته وحرصه وإخلاصه. معنى الحرص والإخلاص له دور في هذا الباب، لكن لا يخرجه هذا الحرص إلى الشكوك وإلى الغلو والقسوة، أن لا يكون قاسيًا على أهله وأولاده. ففي الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن شر الرعاء الحطمة». «إن شر الرعاء الحطمة»: أي القاسي على رعيته، القاسي على رعيته، يقسو على زوجته ويقسو على أولاده. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «شر الرعاء». فلذلك يكون رفيقًا بهم. فما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث الحارث بن وهب في أهل الجنة: «كل مسلم رقيق، أو كل مسلم رفيق بأهله وقرابته». وكل مسلم يكون رفيقًا بأهله وقرابته، وكذلك بكل مسلم. فهذه صفات أهل الجنة، وصفات أهل النار: القسوة والعنف، وأيضًا الشدة التي ليست لها داع. فلذلك لا يخرجه حرصه عن الرفق واللين مع أهله وأولاده، ومع من كان تحت رعايته. قد يكون تحت رعايته أيضًا أخواته، فلا بد أن يرعاهم ويصبر عليهم، لا يحملهم بالقسوة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فالإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهله وهو مسؤول». وعلى أهله هنا: الأصل أن الأهل هي الزوجة. لكن يدخل أيضًا الأبناء، كما قال نبي الله نوح: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾. وكذلك في قصة نبي الله أيوب: قال الله عز وجل: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ﴾، والذي وهبه الله عز وجل لهم: زوجته وولده. فلذلك هنا قوله: «أهله»، المراد بهم من كان تحته من زوجة وأولاد. ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾. وقال: «راعي على أهله وهو مسؤول، والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة». المرأة أيضًا ترعى بيت زوجها، ترعاه: أن تحافظ على أبنائه، تحافظ على ماله، تحافظ أيضًا على ما يتعلق به من أمور في المنزل، لا تدخل بيته من لا يرضاهم، ولا تدخل أناسًا أجانب بغير إذنه، وغير ذلك مما يكون فيه مراعاة للبيت وحفظًا له، وحفظًا لمال زوجها. وجاء في بعض الروايات: «والرجل راعٍ في مال أبيه، والرجل راعٍ في مال أبيه». معنى ذلك: الولد يحفظ مال أبيه، كما تحفظ الأم مال أمها. وليس في الحديث أن الأب راعٍ في مال ولده، أو أن العبد راعٍ في مال ولده. وإن الولد يراعي مال أبيه، لماذا؟ لأن غالبًا الأب يصرف على الولد، والولد أيضًا غالبًا الأب يعطي خيرة للولد في التصرف في المال. فلذلك إذا أعطاه كذلك، فإنه يجب أن يراعي ويحفظ مال أبيه. أو أحيانًا يعطيه بعض المنافع ينتفع بها: سيارة، يعطيه مثلاً دراجة، يعطيه كذا، فلا ينبغي أن يضيع هذه الأمانة أيضًا. يجب عليه أن يراعي مال أبيه ويحفظه، وغير ذلك. لأن كثيرًا من الأولاد تجد أنه إذا لم يتعب في شيء من الأموال، وإنما دخل عليه بالسهل، تجده لا يبالي بتضييعه، على سرعان ما يضيعه ولا يبالي. فلذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الرجل راعٍ في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته». ثم قال جل وعلا: «ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول». قال: «والعبد راعٍ على مال سيده وهو مسؤول. ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». والعبد أيضًا يدخل في الأهل، استدل بعض أهل العلم بحديث سلمان: «من أهل البيت» أو «من أهل البيت». لكن الحديث لا يصح، لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وذكر بعضهم أن أيضًا في اللغة يطلق العبد، يطلق عليه أنه يقول: أنا من أهل فلان، كما ينسب العبد إلى بيت سيده، فيقال: هذا العبد من بني فلان. فإذا أعتق أيضًا صار مولى له، صار مولى له. فلذلك فهو ينتمي إلى الولاء. يريد الإمام البخاري هنا أن يبين أن هذا الحديث مفسرًا للآية: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. أي: أنكم مسؤولون عن أهاليكم. من هم هؤلاء؟ الزوجة، والابن، والعبد. وكذلك أيضًا المرأة مسؤولة، هي داخلة في هذه الآية، مسؤولة عن زوجها وعن بيته. والابن أيضًا مسؤول عن مال أبيه، كذلك وغير ذلك. فهذا شيء ما يذكر في هذا الحديث، ونكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.