الدرس في كتاب الصلاة 21، ألقاها
يتناول هذا الفصل أحكام الإمامة في الصلاة وفقًا للشريعة الإسلامية ومعايير اختيار الإمام بناءً على القراءة والعلم بالسنة والإسلام. يُبين أهمية أن يكون الإمام فقيهًا ليتولى الإمامة بشكل صحيح.
يشرح هذا الفصل الشروط التي يجب توافرها في الإمام مثل كونه أكثر قراءة للقرآن أو أعلم بالسنة، ويتطرق إلى حالات التساوي في هذه الشروط وكيفية التعامل معها، كما يوضح حكم الصلاة خلف إمام فاسدة صلاته.
يناقش هذا الفصل حكم الصلاة خلف إمام يصلي جالسًا لمرض يرجى برؤه، والخلاف بين العلماء حول ما إذا كان يجب على المأمومين الصلاة جلوسًا أو قيامًا خلف الإمام الجالس.
يتناول هذا الفصل التفصيل في حكم صلاة المأمومين خلف الإمام حسب هيئته عند افتتاح الصلاة، واختيار العلامة الألباني رحمه الله تعالى في هذه المسألة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين ابن قدامة رحمه الله تعالى المقدسي في كتاب عمدة الفقه في كتاب الصلاة منه: قال باب الإمامة، ومعنى باب الإمامة مدخل في الكلام على مسائل وأحكام الإمامة. والإمامة كما يقول علماء رحمهم الله تعالى في الصلاة مما حاسن هذه الشريعة، إذ يجتمع المسلمون في المسجد الواحد خلف إمام واحد يقتدون به في صلاتهم، وفي استقبال قبلتهم، وفي آداء هذه الفريضة العظيمة التي فيها معنى من معاني الجماعة والترابط. وكذلك أن حال المؤمنين أنهم أمة واحدة. قال رحمه الله تعالى: روى أبو مسعود البدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أم القوم أقرأهم لكتاب الله عز وجل، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما، ولا يؤمن الرجل الرجل في بيته، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه». وقال لمالك بن الحويرث وصاحبه: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليأمكما أكبركما». وكانت قراءتهما متقاربة. الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى افتتح هذا الباب بحديث أبي مسعود البدري عقبة بن حارث رضي الله عنه وأرضاه، وعقبة بن عمر رضي الله عنه وأرضاه، الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، وافتتح به باب الإمامة ليبين رحمه الله تعالى حكمًا من الأحكام ومسألة من المسائل، وهي من هو الأحق بالإمامة عند الاختلاف عن الإمامة، من هو الذي يكون أحق بهذه الإمامة؟ فالحكم في ذلك هو بما جاء في حديث عقبة بن عمر أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله عز وجل». هذا هو المعتبر في الإمامة، فإذا اختلف اثنان فأكثر على الإمامة نُظر في أيهما أقرأ لكتاب الله جل وعلا، أيهم أحفظ لكتاب الله جل وعلا، فإذا كان أحدهما أحفظ من الآخر قُدّم الأحفظ لنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله». قال: «فإن كانوا في القراءة سواء» - أي كانوا سواء هذا يحفظ القرآن كله والآخر كذلك - قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأعلمهم بالسنة»، أي يُنظر الأعلم، إذا كانوا في القراءة سواء يُنظر الأعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيُقدّم الأعلم على من دونه. ولا سيما كما هو معلوم أن الإمامة تحتاج إلى فقه وتحتاج إلى معرفة أحكام، لابد أن يتحلى بها الإمام، لأن الإمام قد ينبه أشياء في أثناء الصلاة، ربما سها، ربما صلى على غير طهارة، ربما حصل له عارض من العوارض، فينبغي للإمام أن يكون فقيهًا، ولا سيما في أحكام الإمامة. لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأعلمهم بالسنة»، فأعلمهم بالسنة فيُقدّم الأقرأ عند التزاحم والتشاح، فإن كانوا سواء فأعلمهم بالسنة. فإن كانوا سواء قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأقدمهم هجرة»، أي من كان أسلم وهاجر قبل الآخر فإنه المقدم، وهذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حينما كانت الهجرة مفتوحة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام. وهذا الحكم قد يقال إنه مستمر، لو فرض أن هذا الأمر موجود في هذا الزمن، يعني معنى ذلك لو أن رجلين كانا في بلاد كفر فهاجر أحدهما قبل الآخر إلى بلدة، ثم وقع التشاح بينهما على إمامة مسجد، ثم نظر أيهما أقرب، إن كان سواء نظر أيهما أعلم بالسنة، إن كان سواء نظر أيهما هاجر قبل، فيقدم. فإن كانوا سواء كذلك في الهجرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأقدمهم سلما»، أي من كان أسلم قبل فإنه يقدم على من أسلم بعده. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن بيّن أحكام الإمامة ومن هو الأولى في الإمامة والأحق بالإمامة، ثم قال صلى الله عليه وسلم كذلك وهو يتكلم على الأولويات والأحقية في الإمامة: «وليؤم الرجل الرجل في بيته». ومعنى هذا لو أن إنسانًا قارئًا للقرآن أضافه إنسان في بيته، فليصلي هذا القارئ في بيت ذلك الرجل، لأن هذا يعتبر افتئاتًا على ذلك الرجل - أي صاحب البيت - إلا بإذنه، إن أذن له صلى وإلا فإنه يقدم صاحب البيت على غيره، يقدم صاحب البيت على غيره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ولا يؤم الرجل الرجل في بيته»، ثم قال: «ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه». فمعنى هذا أن ما تقدّم في أمر الإمامة في الأقرأ والأعلم بالسنة إلى غير ذلك، هذه لتشاح في إمامة مسجد جامع، أما إذا كان الإنسان في بيت إنسان، فإن صاحب الدار هو الأولى بالصلاة وهو الأولى بالإمامة، فمن الافتئات عليه أن يصلي غيره به من غير إذنه، من غير إذنه. فهذه أحكام من أحكام الإمامة ذكرت في هذا الحديث العظيم. قال: وقال لمالك بن الحويرث وصاحبه - ومالك بن الحويرث رضي الله عنه وأرضاه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحب له يتعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم العلم، ثم لما أراد الرجوع إلى بلده علمه النبي صلى الله عليه وسلم بأمور منها ما ذكر في هذا الحديث، في قوله: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليأمكما أكبركما». فهذه كذلك صفة خامسة من صفات الإمامة، إما أن يكون قارئًا، فإذا تساوى ينظر الأعلم في السنة، فإن تساوى ينظر أقدمهما هجرة، فإن تساوى فأقدمهم سلما، فإن تساوى فأكبرهم سنًا، فأكبرهم سنًا. فهذه أمور مرتبة في أمر الإمامة ينتقل من الأعلى ثم الذي يليه ثم الذي يليه، فإن تساوى بعد هذا كله حتى في السن فماذا يصنع؟ تأتي في هذه الحالة أمر القرعة، لأن القرعة كما يقول علماء رحمهم الله تعالى يحتاج إليها عند التشاح وعدم وجود الأولوية لأحد الأطراف والأحقية لأحد الأطراف، فحينها يرجع إلى القرعة فيقرع بينهما، فمن جاءت له القرعة أما القوم. قال رحمه الله تعالى: وكانت قراءتهما متقاربة، وهذا يدلنا على أن حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه وأرضاه لا يخالف حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه وأرضاه، بل يوافقه ويلائمه، ولكن فيه وصف زائد، وصف خامس زائد على حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه وأرضاه، وهو أنهم إذا تساووا في الخصال الأربعة السابقة بقي الخصلة الخامسة وهي السن، فإن تساويا انتقل بعد ذلك إلى القرعة. قال رحمه الله تعالى: ولا تصح الصلاة خلف من صلاته فاسدة، إلا من لم يعلم حدث نفسه ولم يعلم المأموم حتى سلم فإنه يعيد وحده. ولا تصح خلف تارك ركن، إلا إمام الحي إذا صلى جالسًا لمرض يرجى برؤه، فإنهم يصلون وراءه جلوسًا، إلا أن يبتدئها قائمًا ثم يعتل فيجلسوا، فإنهم يتمون معه قيامًا. هذه عدة مسائل ذكرت في ثنايا ما قرئ، أولها قوله رحمه الله تعالى: ولا تصح الصلاة خلف من صلاته فاسدة، ومعنى هذا لو أن إنسان علم أن صلاته فاسدة، مثل رجل كافر لو جاءنا وأتى رجل كافر فصلى بنا، ما حكم صلاة الكافر؟ فاسدة باطلة، فهل يجوز للإنسان أن يصلي وراءه ويقول الله يتقبل والله غفر الرحيم؟ الجواب لا، الجواب لا، فالصلاة خلف من صلاته فاسدة فاسدة. الصلاة خلف من علم أو علم أن صلاته فاسدة فيها فساد، سواء كان كما سمعتم اختل شرط كشرط الإسلام أو اختل شرط كشرط الطهارة وعلم ذلك. مثال ذلك أن يذهب إنسان إلى الخلا وهم يعلمون، يكون مجموعة في مكان واحد فيذهب أحدهم إلى الخلا وهم ينظرون، ثم يرجع فيتقدمهم وهم يعلمون أنه لم يتطهر، وصلوا خلفه، فصلاته فاسدة باطلة، وصلاتهم كذلك باطلة. قال رحمه الله تعالى: إلا من لم يعلم حدث نفسه ولم يعلمه المأموم حتى سلم فإنه يعيد وحده، هذه صورة أخرى أو مسألة أخرى، وهي إذا صلى إنسان ناسيًا الحدث، إنسان مثلًا صلى المغرب بطهارة ثم أحدث في أثناء المغرب أو بعد صلاة المغرب ونسي ذلك الحدث، نسي ذلك الحدث فما ذكر إلا بعد أن صلى بالناس إمامًا العشاء، صلى العشاء بالناس ثم بعد أن صلى وسلم تذكر أنه صلى الصلاة على حدث. الآن ما حكم صلاة المأمومين خلفه؟ الجواب صلاة صحيحة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أخبر عن أئمة الذين يأتون في آخر الزمان ويحصل منهم ما يحصل من الإساءة في الصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا خلفهم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم». هذا أمر، والأمر الثاني أن أولئك المأمومين صلوا صلاة ظاهرها السلامة، فيعتبر بهذا الاعتبار. هذا بالنسبة للمأمومين، وأما بالنسبة للإمام فإنه إذا تذكر أنه صلى على غير طهارة على حدث، فإنه يجب عليه أن يعيد الطهارة، يجب عليه أن يتطهر وأن يعيد تلك الصلاة، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها»، قال علماء رحمهم الله تعالى: سواء نسي الصلاة أو نسي ما لا تصح الصلاة إلا به من شروطها أو أركانها، من نام عن صلاة أو نسيها فإن وقتها حين يذكرها. فيجب عليه أن يتطهر ويجب عليه أن يعيد الصلاة. وقد جاء في موطأ مالك رحمه الله تعالى بإسناد حسن أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلى بالناس صلاة الفجر، فلما قضى صلاته رضي الله عنه وأرضاه مكث في المصلّى، ثم انطلق إلى الجرف فبال وأهراق الماء، ثم رأى في ثوبه أثر جنابة، رأى في ثوبه أثر جنابة فاغتسل رضي الله عنه وأرضاه للجنابة وأعاد صلاة الصبح ولم يأمر أحدًا بالإعادة. وثبت هذا المعنى كذلك عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جميعًا، وروي هذا المعنى كذلك عن غير واحد من الصحابة منهم عثمان وعلي رضي الله عنهم وأرضاه. قال علماء: وهذه آثار اشتهرت بين الصحابة رضي الله عنهم وأرضاه، ولا يعرف لهم مخالف، فيكون إجماعًا بين الصحابة رضي الله عنهم وأرضاه. قال رحمه الله تعالى: ولا تصح خلف تارك ركن، أي إذا كان الإمام يترك ركنًا كما سيأتي معنا في قول، إلا إمام الحي، يعني لو أن إمام صلى الصلاة فجلس من أول الصلاة لغير عذر، لا يجوز أن يصلى خلفه، لا يجوز أن يصلى خلفه. قال: إنه إمام الحي إذا صلى جالسًا لمرض يرجى برؤه، لمرض يرجى برؤه. ومعنى هذا أنه إذا كان مرض يرجى برؤه فلا يصلى خلفه وينظر إلى إمام آخر سليم. قال: فإنهم يصلون وراءه جلوسًا، إلا أن يبتدئها قائمًا ثم يعتل فيجلس، فإنهم يتمون معه قيامًا. وهذه مسألة كذلك من مسائل الفقه وقع فيها خلاف بين الفقهاء رحمهم الله تعالى، وهي إذا صلى الإمام جالسًا، فهل يصلي من وراءه قيامًا أم يصلي جلوسًا؟ خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى. وسبب الخلاف هو الأحاديث الواردة في هذا الباب، فإن ظاهرها التعارض. فمن أهل العلم من ذهب إلى أن الإمام إذا صلى جالسًا سواء في ابتداء الصلاة أو في أثنائها، فإنه يجب على من وراءه أن يصلوا خلفه جلوسًا، واستدلوا على ذلك بما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم صلى جالسًا، فصلى أصحابه وراءه قيامًا، فأشار إليهم أن يجلسوا. فلما قضى صلاته قال صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين». ففيه الأمر بالصلاة جلوسًا إذا صلى الإمام جالسًا. وإلى هذا القول ذهب جماعة من أهل العلم. وذهب آخرون إلى أن هذا الحديث منسوخ بحديث عائشة رضي الله عنها وأرضاه في قصة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم حينما أمّ أبو بكر الناس، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس جالسًا، وصلى أبو بكر مؤتمًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس وراءه قيامًا. قال البخاري رحمه الله تعالى: قال الحميدي رحمه الله تعالى: وهذا كان آخر الأمرين، أي إشارة إلى أن هذا القول ناسخ أو هذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم ناسخ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه السابق. وهذا القول ذهب إليه كما سمعتم البخاري والحميدي، وهو قول الشافعي والثوري وأبي ثور وطائفة من الفقهاء رحمهم الله تعالى، وهو الذي رجحه شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى، ولعله الأقرب. وذهب آخرون إلى قول فيه تفصيل، وهو لذكره الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى هاهنا، وهو أنه إذا افتتح الصلاة قائمًا ثم جلس، فإن من وراءه يتمون صلاتهم قيامًا، وأذا إذا افتتح الصلاة جالسًا، فإنهم يصلون وراءه جلوسًا. قالوا: جمعًا بين الحديثين، وهو جمع حسن. والأمر في ذلك واسع. وهذا القول الأخير هو اختيار وترجيح العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وغفر الله لهم جميعًا، والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.