كتاب النكاح من صحيح البخاري 85

كتاب النكاح من صحيح البخاري 85

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 85، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

وصف أم زرع لزوجها أبي زرع

تصف أم زرع كرم زوجها أبي زرع حيث حلاها بالذهب وأطعمها حتى سمنت ونقلها من الفقر إلى الغنى. وتذكر أنها وفرت لها الشراب الوفير والخدمة حتى تنام الصبح.

تفسير مفردات حديث أم زرع

يفسر المقطع ألفاظ وصف أم زرع لأهل بيتها مثل عقومها رداح وبيتها فساح. كما يصف ابنها النحيف وابنتها الطائعة السمنة وجاريتها الأمينة وكاتمة السر.

فضل الإحسان في المعاشرة وربط النبي

يبين المقطع تميز الزوج الخامس بسعة وإحسان مادي، لكن أم زرع فضلت أبا زرع لحسن خلقه وإحسانه المعنوي. وربط النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بأبي زرع في الإحسان لعائشة مؤكداً أن خير ما تطلبه المرأة هو حسن الخلق.

خاتمة الشرح وترجمة نانسي قنقر

يختتم المتحدث شرحه للحديث مؤكداً اكتفاءه بما ذُكر. ويذكر أن الترجمة من عمل نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فإِن شاء الله تعالى نكمل ما قد قرأناه في حديث عائشة لذكر الإحدى عشرة امرأة التي تعاهدنا وتعاقدنا ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا. ذكرنا العشر وبقيت زوجة أبي زرع، فقالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع، فما أبو زرع؟ أناس من حلي أذني، أو أناس من حلي أذني، وملأ من شحم عضدي، وبجحني فبجحت إلى نفسي. وجدني في أهل غنيمة بشق، فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنق. فهذه تقول: هذه أم زرع، أن زوجها أبو زرع فعظمته، فقالت: فما أبو زرع؟ مثل ما قالت العاشرة: مالك وما مالك؟ فقالت: أناس من حلي أذني. معناه: قال والنوس هو الحركة من كل شيء، أناس ينوس نوسا، ولهذا يقال: إن ملك اليمن، أو ملك اليمن، سُمّي ذا نواس لضفيرتين كانتا تتحركان في شعره على عاتقه. فَعَن أنه حلاها من القُرُوط أو مما يلبس من الذهب في الأذنين، وأناس من حلي أذن أنا تتحرك. ملأ من شحم عضدي: فَعَن عضدي هنا جسدي كله، معنى أنه ملأ من شحم عضديها، معنى أنه يعطيها طعاما كثيرا حتى سمنت، سمنت من كثرة ما يعطيها من الطعام والشراب وغير ذلك. قالوا: بجحني فبجحت إلى نفسي. معنى: فرحني وأسرني. قالت: فبجحت، أي ففرحت. يعني: بجح الرجل إذا فرح، وقيل: إن بجح بمعنى عظم. وبجحني فبجحت إلى نفسي، أي عظمني فعظمت إلى نفسي. أنا أنه وسع عليها في الخير، وسع عليها في ما يكون من الملابس وغير ذلك. قالت: قالت فوجدني في أهل غنيمة بشق. أنا غنيمة: صغير غنم. وبشق: أنا قال أبو عبيد: وبشق، بعضهم يقول بشق، وبعضهم يقول بشق، وهي اسم موضع، اسم موضع يسمى شق. قال: فوجدني في أهل غنيمة بشق. أنا التصغير معناها: كانت أهلها الذين أبوها، تقصد أباها، كان عنده غنيمات، أنا ليس عنده غنم كثير. معناها أنها كانت من قوم فقراء، كانت من قوم فقراء، فجعلها من الأغنياء. قالت: فجعلني في أهل صهيل وأطيط. الصهيل هو صوت الخيل، والأطيط هو أصوات الإبل. فَعَن ذهب بها إلى أهله، وأهله كانوا أهل خيل وإبل، وأهلها كانوا أصحاب غنم، ليس بأصحاب خيل ولا إبل. وغالبا أصحاب الإبل والخيل، غالبا تكون عندهم أموال أكثر من أصحاب الغنم. والعرب غالبا تجد أن الضعفاء أو الذين ما عندهم مال كثير يكون عندهم غنم، بخلاف من يكون عنده إبل وعنده خيل، يكون أكثر معه من الأموال. قالت: فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنق. ودائس ومنق: الدياس، وأهل الشام يقولون الدِراس. أن الدياس أو الدائس هم أصحاب الزرع، أصحاب الزرع. ويقول أبو عبيد: أن هذه الكلمة ليست من كلمات العرب، فلكأنها فارسية أو كذا. فالدياس أو الدائس هو مكان أو أصحاب الزرع. فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنق. المنق هو الغربال، والمراد أنها تريد أن عندهم أغنام كثيرة أو مواشي كثيرة من الإبل ومن الخيل ومن كذا، من كثرة كثرتها تسمع نقيقها. المنق: معنى النقيق، نقيق الأصوات، أصوات المواشي والنعام. وهذا لكثرتها، فهي تصفه بأنه عنده أموال كثيرة. وقيل: أن المنق هو نقنقة الدجاج، أنه أيضا عنده دجاج كثير تسمع أصواتها. قالت: فعنده أقول فلا أقبح. معنى: لا يقول قبحك الله. معنى: أو أنها كلامها مسموع لإحسانه إليها. قالت: وأشرب فأتقمح. أنا: أني أشرب حتى أروى. معنى: من كثرة الشرب حتى أني أرفض بعد ذلك أن أشرب شيئا. قيل: من الناقة المقامح التي ترد الماء فلا تشرب. معنى: أنها من كثرة الشرب ترفض بعد ذلك أن تشرب، لكثرة الشرب الذي موجود عنده. معنى: إما تكون تشرب كثيرا، أو أن الشراب عندهم كثير، الشراب عندهم كثير حتى أنها قالت: فعنده أقول فلا أقبح، وأشرب فأتقمح. ثم ذكرت قولها: فأتصبح. أي: أن أنام الصبيحة. أنا: تنام الصبح لأنها لها من يكفيها الخدمة من الإماء وشبهها. معنى: عندها إماء يخدمنها، عندها إماء يخدمنها، فلهذا لا تحتاج لأن تقوم، وإنما تنام في ذلك الوقت، تنام في ذلك. فقالت: وأرقد فأتصبح. وكما جاء في بعض الروايات: قدمت على الشرب، فأرقد فأتصبح، وأشرب فأتقمح. ثم ذكرت أم أبي زرع، أي أمه. قالت: فما أم أبي زرع؟ عقومها رداح، وبيتها فساح. عقومها: معنى عقوم بطنها. عقوم بطنها، أو يراد بالعقوم الجلد والأوعية. فَعَن أوعيتها فيها من أصناف الأطعمة والمتاع، أو أنها تأكل من أصناف الأطعمة حتى سمنت، وعقمت بطنها. فيقال: امرأة رداح إذا كانت عظيمة العجز، ثقيلة الألواح، والتي يعظم عجزها غالبا تسمن بطنها وتكون فيها عكم. قالت: وبيتها فساح، أي واسع كبير. هذه أمه أم أبي زرع. قالت: وبيتها فساح. على وصفت أم أبي زرع بهذه الأوصاف: أن عقومها رداح، وبيتها فساح. ثم قالت: ابن أبي زرع، فما ابن أبي زرع؟ مضجعه كمسل شطبة، ويشبعه ذراع الجفرة. أنا: هذا الوصف في ابن أبي زرع. مضجعه كمسل شطبة: معناه شطبة هذه هي التي يعمل من جريد النخل، أنا مثل الحصير. وأيضا هنا كانوا يسمونها شطبة أو شطفة بالفاء، أنا عندنا يسميها بعض الصيادين شطفة. مضجعه: والظاهر أنها أرادت كما قال أبو عبيد وغيره: أنها أنه كان نحيفا، شبهته بتلك الشطبة. معناه: بذلك الحصير الذي هو مثل الحصير تخرج منه العيدان، وهذا تظهر عظامه. أو أنه أرادت أنها أنه مثل هذه الشطبة في جسمه، جسمه كأنه من جريد، معناه كأنه نُسج وصار ملتحما، وصار ملتحما. وقيل: هذا مما يمدح به الرجال. وقيل: أنه كأنه سيف مسلول من غمد. والله أعلم، لأن هذا كله تفسير من بعض أهل اللغة، فكل واحد يفسر على ما يعرفه من كلام العرب. لكن المراد: كمسل الشطبة، الشطبة هي هذه التي، أو الحصير الذي يفعل من جريد النخل، ثم يخرج سعفه، يخرج سعفه. قال: وتكفيه وتشبعه ذراع الجفرة. الجفرة هي الأنثى من أولاد الغنم، وقيل: من أولاد الماعز، سُميت جفرة، والذكر سُميت جفر. إلى الآن الظاهر يسمون هكذا: جفرة يُسمون جفرة، أي صغيرة من أنثى أولاد الغنم من الماعز، وهي التي لها من العمر أربعة أشهر، والجفر كذلك: الجفر الذكر من الماعز. فهذا ما ذكره عن ابن أبي زرع. ثم ذكر بنت أبي زرع. قال: فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها، وطوع أمها، وملء كسائها، وغيظ جارتها. أن طوع أبيها: أي أنها كانت طائعة لأبيها، وطائعة لأمها. وملء كسائها: أي سمنت، صفتها، أو وصفتها بالسمن، أنا من كثرة سمنها يظهر فيها الكساء. وغيظ جارتها: أي ضرتها، أرادت أن ضرتها ترى من حسنها ما يغيظها. جارتها هنا: أي الزوجة الثانية لزوجها، فمن حسنها حتى أنها تغيظ. ثم قالوا: ما جاريت أبي زرع؟ لا تبث حديثنا تبثيثا. أنا: لا تظهر السر، لا تظهر سر أنها سر أهلها. لا تبث حديثنا تبثيثا، ولا تنقف ميرتنا. أنا: لا تنقل الطعام الذي لا تأخذه فتذهب به إلى مكان آخر. أنا: أنها تصفها بالأمانة، ما تأخذ من طعام أهلها، ولا تبث أسرارها. وهذا أعظم ما يكون في الجوار، الخدم: أنها لا تبث أسرار أهل البيت، ولا تخونهم في طعامهم وشرابهم وفي أموالهم. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: والعبد مسؤول في بيت سيده، أو قال: والعبد مسؤول على مال سيده، على مال سيده. معنى: أنه لا يخونه في ماله، في طعامه، في كذا، يأخذ من طعامه ويعطيه الآخرين. قال: ولا تملأ بيتنا تعشيشا. قال: ما أخوذ من العشش وهو الخبز إذا فسد. معنى: أنها تحسن الطعام المخبوز وتتعهد بأن تطعم منه أولا، ولا تهمل أمره. معنى: بعض الناس يضعون الخبز فتجد يهملونه فيذهب ويفسد عليهم. وقيل: أن المراد: ولا تملأ بيتنا تعشيشا، كما ذكر الداودي: أي أراد أنها لا تتسمع إلى أخبار الناس فتأتي بها، تأتي بأخبار الناس، كلما سمعت شيء جاءت به إلى البيت تعشش. ولا تملأ بيتنا تعشيشا. وقيل: كما ذكرنا أنها لا تترك الخبز الفاسد وغيره يعش في البيت، بل تكنسه، وأيضا ترميه في الأماكن التي، أو تعطيه الأغنام. ثم أن قال: قال فما جار؟ لا تبث حديثنا تبثيثا، ولا تنقث ميرتنا تنقيثا، ولا تملأ بيتنا تعشيشا. قالت: خرج أبو زرع والأوطاب تمخض. خرج: حين تصف أيضا أنه بأبي زرع تركها وأخذ امرأة أخرى. خرج أبو زرع، والأوطاب تمخض. معنا الأوطاب: أي أسقية اللبن، أسقية اللبن تمخض. وقيل: الأوطاب في القلة، والأوطاب في الكثرة. معنا: تمخض، تحرك حتى تخرج زبده. أن يضعونها في الجلد ويحركونها حتى تخرج منها السمن. تمخض: أي تخرج منها السمن. قال: فلقي معها، فوجد امرأة، فلقي معها ولدان كالفهدين. الفهد: قال: وفي رواية: كالصقرين. معنا: أرادت أن العرب كانوا يرغبون في كثرة الأولاد، خاصة إذا كانوا يرون أن أولادها فيهم نباهة، فيهم حسن وجمال، فكانوا يرغبون في تلك النساء، فلهذا ذكرت صفة الولدين. فهذا الذي ذكره أيضا هؤلاء العلماء. قال: يلعبان من تحت خصرها برمانتين. معنا: أنها ذات خصر عظيم، فإذا استلقت نَتأ الكفل بها من الأرض حتى يصير تحت خصرها فجوة يجري فيها الرمان. وقيل: أن الرمان هما الثديان. وقيل: ليس المراد به إلا الرمان. هذا: أنها يلعبان بشيء مثل الرمان تحت درعها. معنا: أنها امرأة كبيرة، كبيرة الصدر، وأيضا كبيرة الكفل، معنا: الظهر. قال: فطلقني. قالت: فطلقني ونكحها. فنكحت بعده رجل سريا. معنا: طلق أم زرع، ونكح هذه المرأة. ثم قالت: فنكحت بعده رجل سريا، واكب شريا. والسري: من سراة الناس، معنا: الرجل عظيم من أكابر الناس. واكب شريا: معنا: هو الفرس الذي يستشري في سيره. وهي: معنا الخيل العظيمة، وهي من خيار الخيل، لأنه رجلا سري، وعنده أموال، وعنده أيضا خيل عظيم. قال: وأخذ خَطِيّا. معنا: أنه أخذ الرمح، لأنه يأتي من بلاد ناحية البحرين، وقال له الخط، فنسب الرمح إليها. أنا: من أفضل الرماح عند العرب. ثم ذكرت أيضا: وراح علي نَعَم منترية. أنه غذاها بالنعم، وعطاني من كل رايحة زوجة. وعطاني من كل رايحة زوجة: أي أنه أعطاها من الإبل والبقر والعبيد والزوج. أنا: من كل شيء. أراحها أكثر من أبي زرع. معناه: كأن كلامها أعطاها أشياء كثيرة. معناه: كأنها الآن، كما قال أبو عبيد، تصفه بالسؤدة في ذاته، والسعة في ذات يده، وأنه صاحب حرب ورقوب، وأنه محسن إليها، مفضل على أهلها. ثم إنه مع هذا كله، مع هذا الذي وصفته بهذا الوصف، قال: كل أم جرع، ومير أهلك. معناه: أعطي أهلك من هذا المال. ثم قالت: فلو جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع. أنا: هذا كله الذي وصفته، قالت: لو أعطاني هذا الرجل، أو لو جمعت كل شيء أعطانيه، ما بلغ أصغر آنية أبي زرع. وهذا يدلك على معناها: أنها كانت تعظم أبا زرع، وأن إحسانه إليها كان عظيم، كأنها لم تنظر إلى أمور الدنيا وأمور الطعام والشراب والغنى، لكن نظرت إلى الإحسان، نظرت إلى الإحسان في المعاشرة. فكان أبو زرع يحسن إليها في معاشرتها، معناه: يعاملها بالأخلاق الحسنة، ما يقبحها، بل يسمع كلامها، وكلامها عنده عظيم، وغيرها من هذه الأخلاق العظيمة التي اكتسبتها، أو التي كانت وجدتها من أبي زرع. لهذا قالت: كل هذا لم يكن، لو جمعت ما أعطاني ما كان يفي إناء صغيرا من آنية أبي زرع، ما كان يفي هذا الشيء. وهذا كما قلنا: بحسن أخلاق أبي زرع، وأنه ما أساء إليها، ما أساء إليها، فلهذا كانت تحسن إليه، أو كانت تمدح هذا المدح العظيم. لهذا قالت عائشة: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كنت لك كأبي زرع لأم زرع». كنت لك كأبي زرع لأم زرع، من باب الإحسان. وهذا هو الحق: أن أفضل ما تطلبه المرأة العاقلة ليس الطعام ولا الشراب ولا غير من هذه الأشياء، وإن كانت هذه الأشياء مهمة وواجبة، لكن أفضل ما تطلبه المرأة من زوجها وتستأنس به هو الأخلاق والإحسان. أنا: ما يكون شديدا على المرأة، ويقص عليها، ولا يسمع كلامها، ولا أيضا يلبي مطالبها إذا كانت صحيحة، فإن هذا ليس من الإحسان إلى الزوجين. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يحسن إلى زوجاته، وخاصة عائشة رضي الله تعالى عنها. ومن هذا الباب قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «كنت لك كأبي زرع لأم زرع»، أي: ليس لأجل الطعام والشراب، وإنما لأجل الإحسان الذي كان يحسن به النبي عليه الصلاة والسلام إلى أزواجه، وكان يقول: «خيركم خيركم لأهلي، وأنا خيركم لأهلي». فجاء في بعض الروايات أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «بأبي أنت وأمي يا رسول الله، بل أنت خير لي من أبي زرع». قالت: بل أنت خير لي من أبي زرع. أنا: من كثرة ما رأته من الإحسان من النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا شيء من ما يذكر في هذا الحديث، ونكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر