كلمة الشيخ أبي خالد وليد بن مقرم

المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ أبي خالد وليد بن مقرم، والتي كانت بمسجد الروضة بمنطقة قصيعر يوم السبت 7 شوال 1446هـ الموافق 5 أبريل 2025م ألقاها منوع

خطر الجهل وضرورة العلم لإصلاح الأمة

يؤكد المقطع أن الجهل بحقوق الله ورسوله والصحابة هو أصل الفتن والاختلاف، مستدلاً بقصص بني إسرائيل وأصحاب ذات أنواط ويوسف عليه السلام، ويبين أن العلاج يتم بالعلم النافع والعمل به محذراً من تفشي الجهل وموت العلماء وتصدر الجهال للفتيا.

العلم النافع وأنواعه وأثره في نجاة الأمة

يوضح أن نجاة الأمة من الشرك والبدع والفرقة لا تكون إلا بالعلم الشرعي النافع، ويقسم العلم إلى نافع في أصله ولصاحبه، ونافع في أصله لكن صاحبه لم ينتفع به، وعلم مذموم في أصله كالسحر والتنجيم، فالعلم النافع الحقيقي يدل على الله ويعرّف بحقوقه.

تحذير من الاشتغال بالعلوم الجانبية وإهمال أصول الدين

يحذر المتحدث من التوسع في علوم اللغة والكلام والأنساب على حساب التوحيد والسنة، مستشهداً بأقوال الإمام أحمد وابن القيم، ويؤكد ضرورة اتباع منهج السلف والأخذ عن العلماء المزكين مع تقديم الأولويات للعلم النافع في زمن الفتن.

فضل ذكر الله وآداب الجلوس في بيت الله

يؤكد أن ذكر الله هو خير سمر للعلم، وينصح بالجلوس في البيوت وتجنب مجالس الكذب، ويذكر أن في بيت الله يستمع حتى الفجر داعياً الله بالخير للحاضرين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنحمد الله تبارك وتعالى الذي يسّر لنا هذا اللقاء وهذا الاجتماع بهذا الجامع المبارك، جامع الروضة بمدينة بصير، أحد بلاد حضرموت. ونسأل الله جل وعلا أن يجعل هذا اللقاء وهذا الاجتماع اجتماعاً مباركاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا بعده تفرقاً معصوماً، وأن لا يجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً. ونشكر لي المشايخ والدعاة والمحبين الذين أسهموا وساهموا في قيام هذا اللقاء وهذا الاجتماع. صلى الله عز وجل أن يكتب لهم الأجور، وأن يعلّي منزلتهم، ممن أسهم بعلمه أو ببذله من ماله أو بجهده. جزى الله خيراً الجميع، خير الجزاء. وشكر الله للمشايخ المتكلمين وغير المتكلمين، كتب الله أجور الجميع. كل من حضر هذا اللقاء، صلى الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم دائماً على الاجتماع على الخير، والتعاون على البر والتقوى. وقد سمعنا خيراً كثيراً ممن تكلم من المشايخ حفظهم الله تبارك وتعالى، ومن هذه الكلمات الأخيرة التي سمعنا فيها ما تحتاجه الأمة الإسلامية في هذا الزمن بخاصة، وذلك لكثرة الفتن وتكالب أعداء الإسلام عليها من الداخل ومن الخارج، واختلاط الأمور، وانتشار الأدواء والأمراض، والشبهات والبدع المحدثات، والمناهج المخالفة لمنهج السلف الصالح. أضف إلى ذلك المنكرات بشتى أنواعها وأشكالها. فمن يصلح هذه الأمراض التي ابتليت بها الأمة الإسلامية؟ فالأمة الإسلامية تحتاج إلى رجال، مفاتيح خير، مغاليق شر، غرباء، يصلحون ما أفسد الناس، وما فسد من عقائد الناس ومناهجهم وعباداتهم وأخلاقهم. هذا أمر عظيم يحتاج إلى جد واجتهاد، ومتابرة، وصبر وتصبر، والموفق من وفقه الله تبارك وتعالى. وكما سمعنا أن أعظم أسباب حصول هذه الأمراض في أمة الإسلام: إما أن يكون سببها الجهل بحقوق الله تبارك وتعالى، التوحيد والعبادة وإخلاصها له تبارك وتعالى، من صلاة ونسك وغيرها من العبادات. ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾. وإما الجهل بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم، الاتباع سنته والعض عليها بالنواجذ. وهكذا الجهل بحق الصحابة، خلفاء راشدين، من الأمر بالتمسك بسنته، والتمسك بسنتهم والعمل بها والدعوة إليها. وأكد حق الصحابة من تقديم فهومهم على فهوم غيرهم، فإنهم أعلم الناس بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وكما وصفهم عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «أعمق هذه الأمة علماً، وأبرها قلوباً، وأقلها تكلفاً». هؤلاء الذين شافهوا التنزيل وشاهدوا التنزيل، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وهكذا ما يحصل من التفرق وغير ذلك، إما بسبب كما سمعتم من الهوى، أو تصدر الهمج الرعاع، أو كذلك تصدر الدعاة إلى الشر وإلى أبواب جهنم. فإذا نظرنا في كتاب الله جل وعلا، علمنا بعض هذه الأمور وهذه الأسباب التي هي أسباب ما هو واقع في هذه الأمة الإسلامية، بل وفي الأمم السابقة. فقوم موسى طلبوا الشرك، طلبوا إلهاً مع الله جل وعلا، بسبب جهلهم. ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. وهكذا مسلمة الفتح لحداث عهدهم بالكفر، كما في حديث أبي واقد الليثي عند الترمذي، لما خرجوا مع النبي عليه الصلاة والسلام، مروا بسدرة للمشركين يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط. فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم». ما الذي يفرق بين يوسف وإخوته ووالديه؟ إنه الجهل. قال يوسف عليه السلام: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ ﴾. فهكذا الجهل يفرق بين الإخوة، ويفرق بين الأرحام، ويفرق بين أهل الدعوة الواحدة، بسبب الجهل والعياذ بالله. وصدق الإمام ابن القيم رحمة الله تعالى عليه إذ يقول: والجهل داء قاتل وشفاؤه ** أمران في التركيب المتفقان نص من القرآن أو من سنة ** وطبيب ذلك العالم الربان الجهل داء عظيم، ودواؤه هو العلم. فلا علاج لهذه الفتن الموجودة المتفشية المتكاثرة التي أخبر عنها النبي عليه الصلاة والسلام، وأنها ستكثر وستظهر بكثرة في آخر الزمان، وأن العلم سيقبض بموت العلماء، لا بانتزاعه من صدورهم كما سمعتم، بحاجة عبد الله بن عمر الصحيح. فينتشر الجهل، ويرفع العلم، ويتصدر الرؤوس الجهال، الرويبضة، الذين يقودون الناس إلى الشر والعياذ بالله، كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد وغيره: «ستكون سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة». قالوا: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة». فمن هنا نلتمس ونعلم أنه لا نجاة لهذه الأمة مما هي واقعة فيه، وما وقع في أوساطها من الشرك والبدع والمحدثات والمنكرات والجاهليات والعصبيات والتفرقات، إلا بالعلم الشرعي. العلم الشرعي هو الدواء. العلم الشرعي هو الدواء. الجهل داء، منه الشرك، منه البدع، منه المنكرات. ودواء الجهل هو العلم، كما سمعتم في كلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. فإذن علينا أن نهتم بالعلم النافع. لابد أولاً أن نعلم ما هو العلم النافع الذي ينبغي علينا أن نتعلمه. فليس كل علم نافع. فهناك العلم النافع في أصله، النافع لمحصليه. وهناك العلم النافع في ذاته، العلم النافع في ذاته وفي أصله، لكن غير نافع لأصحابه. وهناك العلم المذموم. والأمثلة على هذا كثيرة في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فمن أمثلة العلم النافع ما جاء في النصوص في كتاب الله عز وجل، في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، في مدح أهل العلم: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾، ﴿ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ﴾، ﴿ تِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾، ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾، ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾، ﴿ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ﴾، ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾، ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾. العلم هذا هو العلم النافع الذي أثنى الله جل وعلا عليه، وعلى من من به عليهم من الأنبياء وأتباع الأنبياء. وذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ من الله جل وعلا من علم لا ينفع، كما في مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه، كان يقول عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع». فلذلك علينا أن نعلم أولاً ما هو العلم النافع الذي ينبغي أن نتعلمه. وهناك العلم النافع لأصحابه، وهناك العلم النافع في أصله لكن لم ينتفع به أصحابه. من ذلك العلم النافع في أصله، غير نافع لأصحابه: علم التوراة. علم نافع، هذه رسالة من عند الله جل وعلا، التوراة. لكن أصحابها لم يعملوا بها. ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾، ﴿ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾. وكما قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾. كما سمعنا كلام الشاطبي رحمه الله تعالى: من أسباب حصول الفرقة الجهل والعياذ بالله، واتباع الهوى. ﴿ فَأَتْبَعَهُ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾. ومن هذا قوله جل وعلا في كتابه الكريم أيضاً، كما سمعتم: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ﴾. وأضله الله على علم. عنده علم لكن لم ينتفع به، أضله الله جل وعلا. مع أنها عنده العلم، العلم بكتاب الله، العلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، العلم بمنهج السلف، لكنه والعياذ بالله أضله الله جل وعلا على علم. فترك هذا العلم إما لأجل دنيا أو لأجل كذا وكذا إلى آخر ذلك. وهكذا كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: بين العلم غير النافع، مذموم في أصله. وهكذا كذلك هو مذموم على الإطلاق، كعلم السحر. كما ذكر جل وعلا: ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ﴾، ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾. وأكذا قوله سبحانه وتعالى بما يتعلق بالعلم الذي يصد به الحق: ﴿ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ﴾. لكن هذا العلم ما ينفع، علم يراد به الصد عن دين الله تبارك وتعالى. ولذلك العلوم النافعة: العلم الذي يدلك على الله، يعرفك بحقوق الله عز وجل، يعلمك ويعرفك بحق الرسول عليه الصلاة والسلام، بحق الصحابة، بحق أرحامك، بحق أولادك، بحق زوجتك، بحق جيرانك، بحق حتى الحيوان. ولذلك كان العالم يدعو له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وحتى النملة في جحرها، تدعو لمن يعلم الناس الخير. فلابد من هذا العلم. بعض الناس يتعلم علوماً ليصدوا عن دين الله تبارك وتعالى والعياذ بالله. علم التنجيم، يتعلم علم التنجيم ليدعي علم الغيب والعياذ بالله. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جاء في بعض الأثر عنه، وجاء عن غيره: «تعلموا من النجوم ما تهتدون به في البر والبحر، ثم أمسكوا». ﴿ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾. قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث، كما في البخاري: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها. فمن تكلف غير ذلك فقد أضاع نصيبه من العلم. هناك من يتوسع في علوم العربية، يتوسع في علوم العربية وفي غريبها، ويشغله عادة عن الأهم، يشغله هذا عن الأهم، عن التوحيد، عن السنة. قد أنكر الإمام أحمد رحمه الله تعالى على أبي عبيد القاسم بن سلام حين توسع في ذلك، قال: هذا يشغل عن الأهم. ذكر ذلك في شرح علل الترمذي. وهكذا هناك علم الكلام الذي لا ينفع، وكم قد يعني تندم وتحسر علماء الكلام مما وقعوا فيه. فالفخر الرازي يقول: نهاية أقدام العقول عقال ** وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا ** وعيشاً يا نادم وباله ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ** سوى جمعنا فيه قيل وقال وكم رأينا من رجال ودولة ** فبادوا مسرعين جميعاً وزالوا وكم رأينا من جبال على تشرفاتها رجال ** فزالوا والجبال جبال ثم تأملت الطرق الكلامية ولقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما وجدتها تشفي عليلة، ولا تروي غليلة. وجدت أغرب الطرق القرآن، أغرب في الإثبات: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾، ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾. وأغرب في النفي: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴾. ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي. وهذا الإمام الشهرستاني رحمه الله تعالى، ماذا انتفع من علمه؟ يقول: لعمري لقد طفت المعاهد كلها ** وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا قائلا قال ** واضعاً كفاً على ذقنا أو قارعاً سن نادم فقال له الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى: لعلك أهملت الطوافة بمعهد الرسولي ** ومن والاه من كل عالم فما حار من يهدي بهدي محمد ** ولن تراه قارعاً سن نادم طاف المعاهد كلها، لكن لم يطف معهد الرسول، معهد الكتاب والسنة. لابن القيم على أهل العلم، لابن معرفة العلماء الراسخين، الذين يؤخذ منهم العلم، المزكون من قبل العلم. ليس كل من فتح درساً، ليس كل من فتح مركزاً، ليس كل من كذا وكذا، ودع الناس تعالوا. لابد أن تسأل، سموا لنا رجالكم. اسأل العلماء عن هؤلاء الذين يدعون الناس إلى التعليم، هل هم على الجادة؟ هل هم على منهج السلف أم لا؟ هذا الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، لما وفقه الله جل وعلا بشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، اعترف هذا الفضل العظيم، شكر الله جل وعلا، ووجه نصيحة غالية في نونيته، قال: فانظر ترى لكن ترى لك تركها ** حذراً عليك مصائد الشيطان فوالله ما علق بشباكها من ذي جناح قاصر الطيران ** إلا رأيت الطير في قفص الردى إلا رأيت الطير في قفص الردى ** يبكي له نوح على الأغصان وظلوا يخبط طالباً لخلاصه ** فتضيق عنه فرجة العيدان والذنب ذنب الطير أخلى طيب الثمرات في عالمنا الأفنان ** وأتى إلى تلك المزابل يبتغي الفضولات كالحشرات والديدان يا قومي والله العظيم نصيحته ** من أخ مشفق لكم معواني جربت هذا كله ووقعت في تلك الشباك ** وكنت ذا طيران حتى أتى حالي الإله بفضله ** من ليس تجديه يدي عني ولساني فالله يجديه الذي هو أهله ** من جنة المأوى مع الرضوان هبرناتا من أرضي حران ** هبرناتا من أرضي حران فيا أهلاً بمن قد جاء من حراني ** أخذت يداه يدي وسار فلم يرم حتى أراني بطلع الإيمان ** ورأيت أعلام المدينة حولها نزل الهدى وعساكر القرآن ** ورأيت آثاراً عظيمة شأنها محجوبة عن زمرة العميان ** ورأيت هناك كنوزاً كثيرة مثل النجوم مثل النجوم لوارداً ضمعاني ** ورأيت ووردت راس الماء أبيض الصافية حصباؤه كالآل التيجاني ** ورأيت نهر الكوثر الصافي الذي لا زال يشخب فيه ميزاباني ميزاب سنته ميزاب سنته ** وقول إلهه وهما على وهما مدى الأيام لا ينياني إذن علينا أيها الدعاة، دعاة، بمسؤولية عظيمة، لأن نعلم العلم النافع. علم الأنساب، قال بعض السلف: «تعلموا علم الأنساب لتصلوا أرحامكم». هناك اليوم من يتعلم علم الأنساب ليقول: أنا فلان ابن فلان، جاهلية. تعلم الأنساب لتصل رحمة. نقول هذا عن عمر وعن غيره. فهذه التوسعات التي لا داعية منها، اشتغل بألهم قبل المهم. هذه المنهجية، هذه الطريقة الصحيحة. فعلينا، بارك الله فيكم، أن نلزم غرز العلماء، نلزم منهج السلف، ننظر ماذا الذي ينبغي أن نقدمه. فهناك أولويات، ولو على حساب فوات شيء من العلوم الأخرى. كلنا يحب أن يطلع علم الأخرى وأن يكون مبرزاً فيها، لكن كما يقال: الساحة ساحة الجهاد تحتاج إلى تقديم، إلى تضحية، فيقدم ويعالج الذي طفح. تترك علم الأخرى ولا تهمل، لكن به حكم، بأهم الحسنة. نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا وإياكم لما سمعنا. لعلي قد أطلت عليكم، لكن الخطيب المتكلم يريد أن يخرج ما عنده، والكلمة إن شاء الله كلمة، والفضلة الشيخ عبد الله إن شاء الله ستكون بعد الصلاة. واصبروا بارك الله فيكم. أرجو الله الله، أجلسوا حتى إلى الفجر، ما الذي يضركم؟ نجلس نتذاكر، والله ما أحسن من هذا. أجلس، هذه الدنيا خلاة تروح. أجلس، وما شيء يضرنا. الحمد لله، ذكر الله أحسن باب السمر على العلم. تروحوا تجلس في داركم، ولا مجلس كذب. أنا في بيت الله وأسمع، والله حتى له الفجر. والله هذا ما هو، ما هو كثير. والله أرجو الله فيكم. ترجمة نانسي قنقر