الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 30، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن اتباع الهوى من أعظم الأسباب التي تبعد الناس عن الحق وتجعلهم يعادون دين الله، مستدلاً بآيات تأمر داود عليه السلام بعدم اتباع الهوى، وحديث حذيفة عن عرض الفتن على القلوب فتميز قلب المؤمن عن قلب المنغمس في هواه.
يشرح المتحدث كيف يؤدي اتباع الهوى إلى الإعراض عن عبادة الله واتباع البدع، مستشهداً بقصة عبادة بني إسرائيل للعجل ومثال صلاة العيد حيث يتمسك البعض برأي فقهي مخالف للسنة الثابتة، مبيناً أن الهوى يعمي صاحبه عن قبول الدليل الشرعي الواضح.
يستعرض المقطع أدلة قرآنية قاطعة تحرم دعاء غير الله والاستغاثة بأهل القبور، موضحاً أن المدعوين أنفسهم يعبدون الله ولا يملكون ضراً ولا نفعاً، وأن إصرار الناس على هذا الشرك سببه اتباع الهوى الذي يبعد عن دين الله.
يختتم المتحدث بالدعاء لله أن ينفع الحاضرين بما سمعوا، وأن يجعلهم مخلصين في العبادة ومتبعين لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، مختتمًا بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأيها الإخوة الكرام، حفظكم الله جميعًا. قد تكلمنا في حديث بدء الوحي، في قول ورقة بن نوفل للنبي عليه الصلاة والسلام: «ما جاء أحد بما جئت به إلا عودي، ما جاء أحد بما جئت به إلا عودي». وذكرنا أن الله عز وجل هيأ للناس سبل الهداية، وأقام عليهم الحجة بإرسال الرسل، وجعلهم من أكمل الخلق نسبًا وخلقًا. فوق هذا، إلا أنك تجد المعرضين كثيرين، وكذلك الذين يعادون دين الله. فلذا ذكرنا بعض الأسباب التي تجعل كثيرًا من الناس يعادون هذا الدين العظيم المنزل من عند الله جل وعلا. واليوم إن شاء الله، أو هذه الليلة، نأخذ أيضًا أمرًا من هذه الأمور التي تجعل كثيرًا من الناس يبتعدون عن الحق ويعرضون عنه، بل ويعادون الحق. من ذلك: اتباع الهوى. اتباع الهوى، والمراد بالهوى هو ما يهواه القلب ويميل إليه. فإن هذا من أشد الأمراض التي تبعد الناس عن الحق. ولهذا قال ربنا جل وعلا لنبي الله داود: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فالهوى من أعظم الأشياء التي تصد عن الخير، تصد عن الدين، حتى أنه قد يتخذه الإنسان إلهًا من دون الله، كما قال الله عز وجل: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾. ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، معنى ذلك: أنه يعلم أنه على باطل، لكن الهوى هو الذي يجعله يرتكب هذه الحماقات، ويعادي أهل الدين الصحيح. ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. وهذا قاله الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام في كفار قريش، وهو وجه شاهدنا هنا: أنهم اتبعوا أهواءهم، مالوا إلى دينهم وإلى عبادة الأصنام. ولما دعاهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى التوحيد، أصروا على ما هم عليه، وعاندوا، مع أنهم يعلمون أن النبي عليه الصلاة والسلام جاء بالحق، لكن عنادًا وهوى. فقال الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. فلذا، أيها الإخوة الكرام، فالهوى من أعظم الأشياء التي تضل عن سبيل الله جل وعلا. ولهذا ما يتمسك الشخص بهواه، ولو علم أنه على غير الحق، إلا لمرض في قلبه. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث حذيفة، لما ذكر عرض القلوب على الفتن، قال: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَعَرْضِ الْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّمَا قَلْبٍ أَشْرَبَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّمَا قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَكُونَ الْقُلُوبُ عَلَى قَلْبَيْنِ: قَلْبٌ أَبْيَضُ مِثْلُ الصَّفَاءِ، لَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، لِأَنَّهُ مُخْلِصٌ لِلَّهِ، بَعِيدٌ عَنِ الْفِتَنِ، عِنْدَهُ عِلْمٌ يُبْعِدُهُ عَنْ هَذِهِ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ. وَالْآخَرُ كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا» - ومعنى «مُجَخِّيًا»: منكوس، كوز، وأيضًا منكوس الكوز أسود من داخله، فكيف إذا صار منكوسًا؟ معنى ذلك: سيزيد سواده - «كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ». إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ، معنى ذلك: ما تشربه هواه ومال إليه، فيترك عبادة الله عز وجل، يترك دين الله عز وجل لأجل هواه. انظروا، أيها الإخوة، قوم موسى من بني إسرائيل، عبدوا العجل. العجل، معنى ذلك: حيوان، عبدوه. الله عز وجل يقول: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾، ﴿اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾. كيف يتخذون عجلًا؟ لكن تشرب هذا العجل في قلوبهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾. العجل، بكفرهم، هوى في أنفسهم. فلذا تشربوا عبادة العجل، تشربت في أنفسهم، حتى صار دينًا يدينون به: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾. وهكذا، أيها الإخوة، أهل البدع وأهل المخالفات، تتشرب البدع في قلوبهم، كأنه ما عندهم دين إلا هذا. ولهذا قيل لأبي محمد سفيان بن عيينة رحمة الله عليه، وهو من أئمة السلف، من أتباع التابعين، قيل له: «يا أبا محمد، ما لنا نرى أهل البدع يتمسكون ببدعهم، بدع مخالفة لأمر الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم؟» قال: «نوعاهم متمسكون بها». قال: «أولم تسمعوا قول الله جل وعلا: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾؟» أنا تشربت هذه البدع في قلوبهم، صاروا ما يحبون إلا البدع. لو قلت لهم أدلة، أتيت لهم بأدلة كثيرة من السنة، ما يقبلونها. ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. ما سيؤمنون حتى يرون العذاب أمامهم، لهذا للهوى الذي في قلوبهم. فلذا، فالهوى من أعظم الأشياء التي تصرف عن الحق. أن الإنسان يتمسك بما في قلبه، معنى فكرة في رأسه، يريد لا بد أن تكون هي الصحيحة، وغيرها باطل. حتى أحيانًا يدخل حتى في الأمور الفقهية. الآن عندنا، مثلاً، في صلاة العيد، حتى نضرب مثالًا قريبًا: في صلاة العيد، تجد أن الناس يختلفون، هل يكون في المصلى أو في المسجد؟ لا شك أن السنة جاءت أنه في المصلى، بل أكثر من عشرين حديثًا عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يصلي في المصلى العيد. إمامنا الشافعي رحمه الله اجتهد في هذه المسألة، لكن إمام الشافعي هو بين الأجر والأجرين، اجتهد فقال: إن الأفضل أن تكون في المسجد، وعلل بتعليلات في هذه المسألة. طيب، عندنا أدلة، أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، وأنه كان يخرج إلى المصلى ويترك مسجده، يترك مسجده الذي فيه الصلاة بألف صلاة فيما سواه، يتركه ويذهب إلى المصلى. فهذا يدل على أن هذه سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما قلنا، أكثر من عشرين حديثًا. فتأتي إلى الشخص، تقول له: هذه سنة، هذه كذا. عنده أنه لا بد أن يصلي في المسجد، ولو لم يكن عنده دليل، هذا قول إمامنا الشافعي. الإمام الشافعي على العين والرأس، لكن السنة ما يقدم عليها قول أحد. بل كما ذكرنا قبل، أن إمامنا الشافعي رحمه الله كان يقول: «مَنِ اسْتَبَانَتْ لَهُ سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَدَعُهَا لِقَوْلِ أَحَدٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ، لَا يَدَعُهَا لِقَوْلِ أَحَدٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ». هذا الشخص، فلذا، أيها الإخوة الكرام، فالهوى إذا دخل القلب لا يخرج. الآن الإنسان يتعجب، مثلاً، مثل هؤلاء الذين، مثلاً، يستغيثون بأهل القبور، يدعونهم من دون الله جل وعلا، وأيضًا يطلبون منهم المدد وغير ذلك. أدلة القرآن كثيرة، لا يشف فيها أحد في تحريم دعاء غير الله عز وجل: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾. هذا يقوله الله عز وجل لنبيه الكريم عليه الصلاة والسلام. قالوا: نحن ندعو الصالحين. الله عز وجل يقول: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾. أولئك الذين تدعونهم، أي: هؤلاء الذين تدعونهم أنتم، أولئك الذين يدعون، يبتغون إلى ربهم الوسيلة، أيهم أقرب، ويرجون رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك كان محذورًا. هؤلاء الذين تدعونهم أنتم، هم يدعون الله، وهم يتقربون إلى الله، فلماذا أنتم تدعونهم؟ فلذا، قطع الله عز وجل على المشركين، سواء كان الأوائل أو المتأخرين، قطع عليهم الأسباب التي يتمسكون بها، في آية واحدة، والآية التي بعدها. يقول الله عز وجل: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. أي: هؤلاء الذين تدعونهم أنتم، ما عندهم شيء، ما يملكون شيئًا أبدًا في هذا الكون، لا يملكون ذرة، أقل الأشياء في السماوات ولا في الأرض. ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ﴾، الله عز وجل ما جعل أحدًا معه شريكًا أبدًا في هذا الملك. ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾، أيضًا ليس هناك معين لله، حاشاه ربنا جل وعلا. لا كما تقول غلاة الصوفية: أن الأقطاب، أن الأقطاب يعاونون الله. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾، ما في أحد يعاون الله عز وجل أبدًا. ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، ولا يملكون الشفاعة، حتى الشفاعة ما يملكونها، هؤلاء الذين تمسكون بهم، ويقولون: هؤلاء سيشفعون لنا يوم القيامة، هؤلاء شفعاؤنا عند الله. الله عز وجل قطع لهم أيضًا هذا: أن ما في أحد يملك الشفاعة أبدًا إلا الله سبحانه وتعالى. مع هذه الأدلة المتكاثرة في الكتاب والسنة، إلا أنك تجد أناسًا يصرون. لماذا؟ لأن هذا قد دخل قلوبهم الهوى. فلذا يصرون على هذا الشرك، وعلى دعاء غير الله، والاستغاثة بغير الله. لماذا؟ لأجل أن هذا الدين الذي عرفناه... طيب، هذه أدلة. أولئك الذين قالوا مثل هذا الكلام، أخطأوا، وتركوا دين الله، وابتعدوا عن هذا الدين الصحيح. هذه أدلة الكتاب والسنة. لكن كما قلنا، الهوى يبعد العبد عن دين الله عز وجل، بل يجعله يعادي من يخالفه، يعادي من يخالفه. لهذا، من الأسباب العظيمة التي يعاد بها الأنبياء وأتباع الأنبياء، هو اتباع الهوى، والعياذ بالله. فنسأل الله عز وجل أن يجنبنا اتباع الفتن، أو مضلات الفتن، واتباع الهوى. واتباع الهوى، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَعُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ، وَمِنْ فِتَنِ الشَّهَوَاتِ وَالْأَدْوِيَاءِ»، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فنسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يعبده مخلصًا له الدين، ويتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. والحمد لله رب العالمين.