الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 29، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع كيف أن اتباع الآباء والأجداد وطاعة الرؤساء والكبراء من أبرز أسباب صد الناس عن الحق، مستشهداً بجدال أهل النار في القرآن بين المستكبرين والضعفاء. ويبين أن الكبراء وأهل المال والجاه هم الذين يصدون عن سبيل الله فيتحملون وزر الإضلال.
يشرح المقطع أن تعظيم الأشخاص والتعصب لهم واتباعهم تقليداً في تحليل الحرام وتحريم الحلال أخرج أقواماً عن دين الله، كما فعلت النصارى واليهود مع أحبارهم ورهبانهم. ويشير إلى سراية هذا الداء في فرق من المسلمين كالباطنية والقاديانية والشيعة والصوفية فأدى بهم إلى الشرك أو البدعة والضلال.
ينبه المقطع إلى انحراف بعض الصوفية في تعظيم المشايخ وطاعتهم العمياء مستشهداً بأقوالهم كـ «كن عند الشيخ كالميت عند المغسل»، مما أدى إلى تبرير المحرمات وادعاء العصمة للأئمة. ويحذر من تقليد الأشخاص وتعصبهم على حساب الكتاب والسنة مذكراً بقاعدة «الرجال يعرفون بالحق» وقول الإمام الشافعي في وجوب اتباع السنة.
يقرر المقطع أن اتباع الرؤساء والأشخاص المعظمين بغير هدى من الله يوقع في الضلال سواء كان كفراً وشركاً أو معصية دون ذلك، ويمنع الاستجابة لأمر الله ورسوله. ويختتم بالدعاء لهداية ضالّي المسلمين ونصر دين الله وإعزاز أهله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أيها الإخوة الأكارم، حفظكم الله تعالى. تقدم معنا بعض الأمور والأسباب التي تجعل الناس يصدون عن دين الله، ويردون الحق، ويختارون الضلالة على الهدى. فذكرنا عدة أسباب، ومن آخر ما ذكرنا: اتباع الآباء والأجداد، فإنه أيضًا من الأمور التي أضلت كثيرًا من الناس، ولم تجعلهم يستجيبوا لله ولرسوله وللحق الذي أنزله الله. لهذا قال جل وعلا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ﴾. هذه الآيات تدل على أن هناك من أهل النار من أضله رؤساؤه وكبراؤه، اتبع الرؤساء والكبراء على ما هم عليه من الباطل، فلا يرجع عما هم عليه. ولهذا تجد ربنا جل وعلا دائمًا يذكر من يصد عن الحق هم الكبراء والرؤساء، وأيضًا من له الجاه والمال، كما قال جل وعلا: ﴿ وَقَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾. فـ «مترفوها» أي: أهل الترف، وأهل الأموال، وأهل الجاه، وأهل الرئاسة، هم الذين يصدون الناس عن الحق. فلذلك ذكر ربنا جل وعلا كثيرًا من المحادثات في النار تحصل بين الضعفاء والذين استكبروا، فذكر ذلك في سورة «سبأ»، وذكر أيضًا كذلك في غيرها من السور مما يذكر المحادثات التي تحصل بين المستكبرين ومن اتبعهم. الرؤساء هؤلاء الذين أضلوا أصحابهم وأقوامهم، فلذلك يتخاصمون يوم القيامة، هذا يقول: «أنت الذي أضللتنا، ولم تجعل لنا...» أو أننا نتبع الهدى. وكما قال الله عز وجل: ﴿ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ﴾ إلى آخر الآيات. فربنا جل وعلا يبين قول هؤلاء أهل الكبر وأهل الرئاسة، وقول هؤلاء المستضعفين الذين استضعفوا، فهم اتبعوا الرؤساء فأضلوهم عن سواء السبيل، أضلوهم عن سواء السبيل. ولهذا فهذا من المزالق العظيمة التي حصلت لكثير من الناس، سواء كان أخرجتهم عن دين الله جل وعلا، أو أنهم لم يقبلوا هدى الله، أو أنهم أضلتهم عن الخير وعن السنة، وهي: تعظيم الأشخاص والتعصب لهم، وأيضًا كذلك اتباعهم وتقليدهم في جميع الأمور. انظر إلى النصارى وكذلك اليهود، اتبعوا أحبارهم ورهبانهم، حتى قال الله عز وجل: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ﴾. «أرباب» ومعنى أرباب: أي يطيعونهم في مخالفة أمر الله، يطيعونهم في مخالفة أمر الله. ومما جاء في ذلك: لما سمع عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ هذه الآية: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ﴾، فقال عدي: يا رسول الله، لم نتخذهم أربابًا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أليس يحرمون عليكم الحلال فتتبعونهم، ويحلون لكم الحرام فتتبعونهم؟» قال: بلى. قال: «فتلك عبادتهم إياهم». هذه عبادتهم، عبدوهم من دون الله لأنهم عظموهم، ولهذا حلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم على ذلك. فهذا الذي اتخذوهم أربابًا من دون الله: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ﴾. أيضًا كذلك هذا الداء سرى في كثير من المسلمين، سرى في كثير من المسلمين، فمنهم من أخرجه ذلك الداء عن دين الله، مثلًا بعض الفرق الباطنية، بل والفرق التي عظمت بعض أئمتها أو عظمت أشخاصًا، كالبوذية، البوذية الوثنية، فإنهم يعظمون بوذة حتى أشركوا بالله جل وعلا، وجعلوه إلهًا من دون الله. وكذلك القاديانية، مع أنهم يدعون الإسلام، إلا أنهم يعتقدون في نبوة القادياني، بل بعضهم يدعي أنه إله. وهكذا كثيرًا من الفرق التي خرجت عن دين الله، وبعضها صار من الضلال، من أهل البدع، مثل كثير من فرق الشيعة، بل بعضهم خرج عن دين الله جل وعلا. وهكذا أيضًا من فرق الصوفية. فإن الصوفية عندهم في هذا الباب شيء غريب، اتبعوا فيه النصارى، فيقولون: إن الشيخ يعظم ويتبع في كل شيء، حتى كانوا يقولون من مقالاتهم: «كن عند الشيخ كالمغسل، أو كالميت عند المغسل». «كن عند الشيخ كالميت عند المغسل»، أي: لا تعترض على الشيخ أبدًا، ولا تخالفه. حتى قال بعضهم، وهو أبو يزيد البسطامي: «من قال لشيخه "لما" لم يفلح». من قال لشيخه "لما" لم يفلح، حتى لو قال له: "لما... لما هذا؟" أو "لما قلت هذا الكلام؟" فقال: «لم يفلح». فلذلك جرأ كثير من هؤلاء أهل الطرق من الصوفية جرأهم على المحرمات، أن أتباعهم يسكتون عنهم، بل يجعلون فعلهم للمحرمات تقديسًا، يجعلون فعلهم للمحرمات أمرًا مقدسًا، والعياذ بالله. بل هذا ذكروه في تراجمهم، كما ذكر الشعراني في طبقاته، وأيضًا في كثير من هذه الطرق تجد أنهم يذكرون عن أئمتهم وعن رؤسائهم أشياء من هذا القبيل. وهذا أيضًا من الضلال الذي أوقعهم فيما أوقعهم فيه، أنهم يدعون العصمة في أئمتهم، كما يدعيها الروافض الاثنا عشرية، وكذلك الحوثية يدعون العصمة في أئمتهم الاثني عشر، فيقولون: إنهم معصومون، فكل كلامهم حق، بل أنهم يخطئون الكتاب والسنة ولا يخطئون أئمتهم. فهذا كله من ما يحفل من الضلال. وكذلك أيضًا حتى يدخل في هذا مما أضل هؤلاء أيضًا: تعظيم الأشخاص وتقليدهم في كل شيء، مثل التعصب المذهبي، وأيضًا التعصب العقائدي، وغير ذلك مما أوقع كثيرًا من الناس في الضلال بسبب التعصب للأشخاص. ولو كان هذا تعصبهم للكتاب والسنة لكانوا خيرًا وعلى خير. فالرجال يعرفون بالحق، وليس الحق يعرف بالرجال. فلذلك الإسلام يأمر باتباع الرسل: ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ﴾. فكل من خالف الكتاب والسنة، كما قد ذكرنا قبل، فقوله باطل. كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: «من استبانت له سنة عن رسول الله فلا يدعها لقول أحد كائنًا من كان». من استبانت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يدعها لقول أحد كائنًا من كان، هذا الشخص. فلذلك تقليد الرؤساء والذين يعظمون عند كثير من الناس أوقعهم في الضلالة، سواء كان أوقعهم فيه من الكفر والشرك، أو ما هو دون ذلك، أو أنهم لم يستجيبوا لأمر الله ولأمر رسوله بسبب صد هؤلاء المعظمين لمن يعظمهم. فنسأل الله عز وجل أن يهدي ضال المسلمين، ونسأله سبحانه وتعالى أن يمكن للمسلمين أمرهم، ويعز الله عز وجل أهل الإسلام، ويعز دينه، وينصر دينه. سبحانه وتعالى، والحمد لله رب العالمين.