الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 28، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المحور أن اتباع الآباء والأجداد دون تفكير من أبرز الموانع التي تحول دون قبول الإسلام والحق، مستشهداً بآيات قرآنية متعددة تُظهر تمسك الأمم السابقة بما ألفوه ورفضهم للحجة والبرهان.
يؤكد المحور أن اتباع الأسلاف عمياء ليس حجة في دين الله لاحتمال جهلهم أو خطئهم، مستدلاً بمواقف الصحابة والتابعين كإنكار ابن مسعود وبكاء أنس بن مالك وتصحيح عمر بن عبد العزيز، مما يثبت أن الحق يُعرف بالدليل الشرعي لا بمجرد موافقة السلف.
يحذر المحور من اتباع العادات والتقاليد الموروثة إذا خالفَتْ الكتاب والسنة، مستشهداً بتغير حال بني أمية في الصلاة وممارسات الشرك عند القبور، ومؤكداً بأقوال الإمام الشافعي وابن عباس أن الحجة الوحيدة هي الوحي ووجوب اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
يختتم المتحدث المجلس بحمد الله والثناء عليه، داعياً للحضور بالخير والإحسان والتوفيق.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أيها الأحباب، أحبكم الله تعالى. قد أخذنا في درس مضى بعض العوائق أو العوارض التي يتمسك بها من يرد دين الله، ويرد هذا الإسلام العظيم الذي سهله الله عز وجل، ولم يجعل فيه حرج، ويسره كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بعثت بالحنيفية السمحة». فالإسلام عظيم مع تيسيره، وكذلك مع ما آتاه الله عز وجل به من الأمور العظيمة. إلا أنك تجد أن أناسًا يرفضون دين الله جل وعلا، ويرفضون الإسلام، بل بعضهم يعاديه. وقد ذكرنا من الأسباب التي لا تجعل العبد يقبل الحق: الكبر والحسد. ونذكر في هذا المقام أيضًا أمرًا مهمًا من الأسباب التي تجعل كثيرًا من الناس يردون الحق، ويردون دين الله جل وعلا، ألا وهو: تقليد الآباء والأجداد. تقليد الآباء والأجداد هذه مثل الطاغوت الذي رد كثير من الناس دين الله جل وعلا، وردوا الحق الذي جاءهم بسبب أنهم لم يروا ذلك عند الآباء والأجداد، أو أنهم يتبعون الأجداد والآباء. وقد ذكر الله عز وجل شيئًا كثيرًا من هذا، فحسبنا أن نذكر في هذا المقام شيئًا مما هو الهدف في هذا الباب. فربنا جل وعلا قال: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾. ﴿إِذَا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: 23-24]. وقال لهم نبيهم إبراهيم: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: 24]. وأيضًا نبي الله إبراهيم لما سأل قومه، فقال لهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: 70-74]. بل ربنا جل وعلا ذكر أن هذا دأب كثير من الأمم، وكثير ممن ردوا الحق، فقال جل وعلا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [المائدة: 104]. وقال في آية أخرى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170]. وقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَفَيَتَّبِعُونَ الشَّيْطَانَ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: 21]. حتى لو كان هؤلاء الآباء جهلة، فكيف يتبعونهم؟ ولهذا تجد كفار قريش أيضًا يحتجون بمثل هذه الاحتجاجات، حتى يقولون: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: 24]. هذا الذي تأتي به، ما سمعناه في آبائنا، ما سمعنا أحدًا يتكلم من آبائنا. وكأن آباءهم حجة على أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وعلى وسلم. فلهذا هذه الشبهة كانت عند المشركين وأضلتهم، يظنون أن من غلوهم في اتباع آبائهم أو تعظيم الآباء، حتى أنهم ردوا دين الله بسبب أنهم يتبعون آباءهم. وسبحان الله، تجد أن هذه الشبهة أيضًا سرت في كثير من الناس، حتى ممن ينتسب للإسلام، يرد الحق لأنه لم يرى آباه يقول بهذا، يرد الحق لأنه لم يرى آباه يفعل هذا. كم من سنة وكم من حق رد بسبب أن لم يجدوا آباءهم يفعلون ذلك، وهذا جهل. فالآباء ليسوا حجة على دين الله. الآباء قد يكونوا يعلمون، وقد يكونوا يجهلون. وقد يكونون مثلاً من أهل الخير ومن أهل الصلاة، لكنهم قد يجهلون أشياء كثيرة. فلهذا فليسوا حجة على دين الله. فليس لهم حجة على دين الله أنه إذا شيء فعلوا يؤخذ منهم، وإذا لم يفعلوا لا يؤخذ. هذا ليس صحيحًا. بل أنك تجد أن الحق أحيانًا يتغير من زمن طويل. انظر إلى دين الله، انظر إلى الإسلام: تغيرت أشياء والصحابة لا يزالون أحياء. تغيرت أشياء في الدين والصحابة لا يزالون أحياء. في تلك الحلقة التي كانت في المسجد، كان أحدهم يقول: «كبروا الله مئة، هللوا الله مئة». أنكر عليهم ابن مسعود، ثم قال: «يا أمة محمد، اتقوا الله. فهذه آنية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم تكسر، وهذه ثيابه لم تبلَ، ومعنى النبي صلى الله عليه وسلم لا تزال آنيته موجودة وثيابه موجودة، وأنتم قد انحرفتم وقد ضللتم عن طريقه». فلهذا أيضًا، كذلك في البخاري جاء في الصحيح: قال الزهري: دخلنا على أنس فرأيناه يبكي، فقلنا: يا أبا حمزة، ما لك تبكي؟ قال: والله ما أعرف شيئًا مما كنا عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال له رجل: يا أبا حمزة، أليس نصلي؟ قال: بلى، بلى، ولكن حتى الصلاة قد ضيعتم. قال: حتى الصلاة قد ضيعتم، والمواعيد قد ضيعتم. أي أنكم تصلونها في آخر وقتها. وكانوا قد دخلوا عليه وهم قد صلوا الظهر، وهو قد صلى العصر. فقالوا: يا أبا حمزة، ما صليت؟ قال: صليت العصر. قالوا: نحن ما صلينا إلا الظهر الآن. كانت بنو أمية يؤخرون الصلاة إلى آخر وقتها، بل حتى يدخلون في الوقت الآخر. حتى دخل عروة على عمر بن عبد العزيز، وقال له: يا أمير المؤمنين، إن عقبة بن عامر دخل على مروان، وقال له: إن النبي عليه الصلاة والسلام جاءه جبريل، فصل به في أول الوقت، ثم ذكر له حديث جبريل. فقال عمر، وقد سمع هذا لأنهم كانوا يفعلون على هذا على أنهم يؤخرون الصلاة: فقال له عمر: يا عروة، تأكد مما تقول. قال: قد سمعت ذلك منه. فقام عمر وصلى بالناس في أول الوقت. وإلا كانت بنو أمية يصلون في آخر الوقت. انظر إلى هذا: تغير الأمر وهم في أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكيف ما يكون في زماننا هذا؟ سيكون بعيدًا جدًا، بعيدًا عن أهل الإسلام الصحيح. فلهذا لا يجوز لأحد أن يحتج بأن آباءه لم يكونوا على ذلك. الآن إلى الآن بعضهم إذا قلت له: لماذا تدعو غير الله؟ تدعو هذا القبر، تأخذ التراب منه، أو تتمسح بهذا القبر، يقول: رأيت أبي يفعل ذلك، أجدادنا على هذا، هل كلهم ضالون؟ الله أعلم بآبائه. قد يكون مثلاً ما كانوا يعرفون هذا الشيء، لكن أنت تعرف. والآن الناس يتكلمون في أدلة الكتاب والسنة بيّنًا بيّنًا: هذا خطأ، وهذا لا يجوز. أن الإنسان يأتي ويمسح بالقبر، ويأخذ التراب، ويستشفي به، ويفعل ويفعل من هذا، أو يدعو غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا. فلهذا فاتباعهم وتقليدهم للآباء ليس حجة على دين الله جل وعلا. فالواجب على المسلم أنه يتبع الكتاب والسنة، يتبع ما أنزل الله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 3]. لا تتبعوا غير الكتاب والسنة، سواء كان هؤلاء من الآباء والأجداد، أو من الأشخاص الذين يُغلَى فيهم ويُطرَى عليهم بالمدح، أو كذلك غيرهم. لا يتبع أحد إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن وافق الكتاب والسنة. أما من خالف الكتاب والسنة فإنه لا يتبع مهما كان. ولهذا يقول إمام الشافعي رحمه الله: «من استبانت له سنة عن رسول الله -والسنة ليست أنها مستحبة، لا، سنة كل ما جاء عن رسول الله- قال: من استبانت له سنة عن رسول الله فلا يجوز له أن يدعها لقول أحد من الناس، لا يجوز له أن يدعها لقول أحد من الناس، كائنًا من كان، كائنًا من كان، حتى لو كان هذا إمامًا له شأن عظيم في دين الله، بل لو كان من الصحابة، لو كان من أفضل الصحابة: أبو بكر أو عمر، فإنهم لا يؤخذ قولهم مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم». ولهذا لما كان ابن عباس يناقش بعض التابعين، فكان يقول: النبي عليه الصلاة والسلام تمتع، وكان ذاك وهو عروة يقول: لكن أبو بكر وعمر كانا ينهيان عن ذلك. فقال: ما أرى الله إلا سيعذبكم، أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ فليس هناك قول مع قول الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فلهذا فمن الأسباب التي منعت كثيرًا من الناس عن دين الله، بل وعن الحق، أنهم ادعوا أنهم يتبعون آباءهم وأجدادهم، وأنهم لم يسمعوا بهذا في آبائهم وأجدادهم، أي: هذا الحق. فلهذا ردوا الحق، وردوا دين الله بسبب هذا. فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام، ونكتفي به. وجزاكم الله خيرًا، وأحسن إليكم. الحمد لله رب العالمين.