الدرس في كتاب الصلاة 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المحور اختلاف روايات أحاديث قطع الصلاة بالمرأة والحمار والكلب بين الصحابة، مبينًا تقييد رواية ابن عباس للمرأة بالحائض. ويرجح حمل المطلق على المقيد فلا تقطع الصلاة إلا مرور الحائض دون غيرها.
يبيّن المحور أحاديث السُّترة وقدرها الشرعي ك مؤخرة الرحل، ووجوب دفع من يريد المرور بين يدي المصلي وقتال الممتنع تعليلًا بأن المار بمنزلة الشيطان. ويناقش اشتراط وجود السُّترة لثبوت حرمة المرور وأقوال العلماء في كيفية الدفع.
يوضح المحور أن الجمهور أجازوا دفع المار باليد دون وجوب القتال بالسلاح مستدلين بفعل أبي سعيد، وأن وصف المار بالشيطان وصف لفعله لا تكفير لذاته. ويقرر أن صلاة من اتخذ سترة لا تبطل بمرور المار لكن المار آثم، ويشرع للمصلي إنكاره بالأخف فالأغلظ.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال: «وله عن أبي هريرة نحوه دون الكلب». وله في «صحيح مسلم» على نفس الحديث، أخرجه مسلم أيضًا من حديث أبي هريرة، لكن دون أن يذكر الكلب. لكن المطبوع في «مسلم» يذكر الكلب: «يقطع صلاة الرجل: المرأة، والحمار، والكلب، ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل». لعل الحافظ يريد بـ «دون الكلب» معناه: دون قوله: «ما بال الكلب الأسود من الأحمر؟ فقال: الكلب الأسود شيطان». في حديث أبي ذر، فصل، وذكر أيضًا أنه كلب أسود. والكلب الأسود... ولعل المؤلف أراد هذا، وإلا فهو موجود لفظ «الكلب» في حديث أبي هريرة. قالوا: ولأبي داود والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه دون أخرى، وقيد المرأة بالحائض. قالوا: ولأبي داود والنسائي عن ابن عباس نحوه دون أخرى، وقيد المرأة بالحائض. في «أبي داود» عن شعبة قال: حدثنا قتادة قال: سمعت جابر بن زيد يحدث، عن أبي الشعثاء، يحدث عن ابن عباس، رفعه شعبة، قال: «يقطع صلاة المرأة، والحائض، والكلب». وأخرجه النسائي وابن ماجة. وقوله: «دون آخره» يريد أنه ليس في حديث ابن عباس آخر حديث أبي هريرة الذي في مسلم، وهو قوله: «ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل». هذا الحديث -حديث ابن عباس- حصل فيه خلاف في رفعه ووقفه، واختلف فيه أصحاب قتادة: فشعبة رفعه، وسعيد وهشام وقّفوه. ولهذا قال أبو داود بعد رواية الحديث: «أخطأ شعبة فرفعه»، أو قال: «أخطأ شعبة في رفعه». وهو أيضًا في حكم الرفع، هو أيضًا في حكم الرفع، وقد يكون أخذه ابن عباس عن أبي هريرة، أو عن أبي ذر. وفيه قيد المرأة بالحائض، وهذا القيد استفيد منه أن المرأة التي في الحديث هي المرأة الحائض. لكن بعض العلماء يقول: إنه لا تسمى الأنثى امرأة إلا إذا بلغت، لا تسمى امرأة إلا إذا بلغت، وأما إذا كانت صغيرة فلا تسمى امرأة. فهذا القيد سواء كان وجد أو لم يوجد على هذا الكلام، لكنه من باب التأكيد. قال: فَالضَّمِير في آخره في عبارة المصنف يعود لآخر حديث أبي هريرة، مع أنه لم يأتِ بلفظه كما عرفت، ولا يصح أنه يريدون آخر حديث أبي ذر، كما لا يخفى من أن حق الضمير عوده إلى الأقرب، هذا الأصل. قال: ثم راجعت «سنن أبي داود»، فإذا لفظه: «يقطع صلاة المرأة الحائض والكلب». قال: فاحتملت عبارة المصنف أن مراده دون آخر حديث أبي ذر، وهو قول: «الكلب الأسود شيطان»، أو دون آخر حديث أبي هريرة، وهو ما ذكرناه في الشر، والأول أقرب؛ لأنه ذكر لفظ حديث أبي ذر دون لفظ حديث أبي هريرة، وإن صح أن يعيد إليه الضمير وإن لم يذكروه، إحالة على الناظر. وسواء كان أراد حديث أبي ذر أو حديث أبي هريرة، فكلاهما ليس موجودًا في هذه العبارة، يعني في حديث أبي هريرة: «ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل»، هذه ليست موجودة في حديث أبي ذر، ولا في حديث أبي هريرة. إن كان مثلًا أراد حديث أبي ذر كما قال المؤلف، فهو العبارة الأخيرة، وهي قوله: «الكلب الأسود شيطان». قال: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه... طيب، هنا قال: وتقييد المرأة بالحيض اقتضى مع صحة الحديث حمل المطلق على المقيد، فلا تقطع إلا الحائض. كما أنه أطلق الكلب عن وصفه بالأسود في بعض الحديث، وقيد في بعضها به، فحمل المطلق على المقيد، والمقيد هو الأسود، وقالوا: لا يقطع إلا الأسود. فتعين في المرأة الحائض: حمل المطلق على المقيد، أي أن تكون حائضًا. وليس معنى أن تكون حائضًا أي في ذلك الوقت، وإنما المراد أن يكون وصفها أنها تحيض. قالوا: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، والمراد به البلوغ، معنى المرأة الحائض: أي التي بلغت. وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان». متفق عليه. وفي رواية: «فإن معه القرين». قلنا: هذا الحديث أيضًا جاء في رواية ابن خزيمة: «لا يصلي أحدكم إلا إلى سترة، فإذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان». وذكر هذا أبو سعيد لمروان، لما أراد شاب من بني مروان أن يمر بين يديه، فلم يجعله يمر. قال: مما سلف تبين السترة وقدرها، وقدر كم يكون بينها وبين المصلي. أنا كما تقدم معنا أن ما صح هو قوله: «مثل مؤخرة الرحل»، ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل، فهذا مقدار السترة. ومؤخرة الرحل: قيل إنها ثلثا ذراع، وقيل إنها ذراع. قال: مما سلف تبين السترة وقدرها، وقدر كم يكون بينها وبين المصلي. فأراد أحد أن يجتاز، أن يمضي بين يديه، فليدفعه. ظاهره وجوب، كما قال: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أن يجتاز أحد بين يديه، فليدفعه». وجاء في الحديث الآخر: «فلا يجعل أحدًا يمر بين يديه»، فلا يجعل أحدًا يمر بين يديه. وجاء في حديث آخر: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه...» حديث بالجهي: «لا كان له أن يقف أربعين». قال: «فإن أبى عن الاندفاع فليقاتله». ظاهره ظاهر كذلك. وقال بعض العلماء: يقاتله، معناه: يشتد في ضربه، أو يقصد: يشتد في دفعه حتى يصبح مثل مقاتلة. قال: «فإنما هو شيطان». تعليل لأمر بقتاله، أو لعدم اندفاعه، أو لهما. وهذا يدل على أن الشيطان هو الذي يريد أن يقطع صلاة الرجل، فلذلك من يمر بين يدي المصلي شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بالشيطان. وأيضًا قال: «لئلا يقطع الشيطان عليه صلاته». حديث ابن حزم، أبي... قال: «فإن معه القرين». قال في رواية لمسلم في حديث أبي هريرة: «فإن معه القرين». أي في القاموس: القرين: الشيطان المقرون بالإنسان لا يفارقه. وظاهر كلام السلف أن رواية «فإن معه القرين» متفق عليها بين الشيخين في حديث أبي سعيد، ولم أجدها في البخاري، ووجدتها في صحيح مسلم لكن من حديث أبي هريرة. فإن معه القرين جاءت في حديث أبي هريرة. قال: والحديث دال من مفهومه على أنه إذا لم يكن للمصلي سترة فليس له دفع المار بين يديه، يعني إذا لم يكن يصلي إلى سترة فليس له حرمة، إذا لم يكن بين يديه سترة فليس له حرمة. وهذا من الفوائد، يعني حرمة المرور، وهذا من فوائد السترة: أنها تمنع من يمر بين يدي المصلي. قال: وإذا كان له سترة دفعه. قال القرطبي: بالإشارة ولطيف المنع، فإن لم يمتنع عن الاندفاع قاتله، أي: دفعه دفعًا أشد من الأول. قال: وقال الإجماع: وأنه لا يلزم من يقاتله بالسلاح، لمخالفة ذلك قاعدة الصلاة من الإقبال عليها والاشتغال بها والخشوع. هذا كلامه: ما يقاتله بسلاح أو بكذا، لأنه سيخرج من الصلاة. قال: وأطلق جمهورنا له قتاله حقيقة، وهو ظاهر اللفظ. والقول بأنه يدفعه بلعنه وسبه يرده لفظ هذا الحديث، ويؤيده فعل أبي سعيد رضي الله عنه في الحديث مع الشاب الذي أراد أن يجتاز بين يديه وهو يصلي. أخرجه البخاري عن أبي صالح السمان قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء، وهذا في المدينة، يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شاب من بني أبي معيط، في رواية: من بني مروان، أن يجتاز بين يديه، فدفعه أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب فلم يجد مساغًا إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشد من الأول. وهذا عمل بالحديث. وقيل: يرده بأسهل الوجوه، فإن أبى فبأشد، ولو أدى إلى قتله فلا شيء عليه، لأن الشارع أباح قتله. أنا صحيح أنه لم يبح قتله، وإنما «فليقاتله» معنى المراد: فليضاربه، وليس المراد أنه يقتله. قال: الأمر في الحديث وإن كان ظاهر الوجوب، لكن قال: إنه لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بوجوب هذا الدفع. فصرح أصحابنا بأنه مندوب. ولكن قال المصنف: قد صرح بوجوبها للظاهر، وكأنه الشوكاني يرى ذلك، والشوكاني أيضًا يرى وجوب هذا الدفع، أنه قال: «لا يجعل أحدًا يمر بين يديه». قوله: «فإنما هو شيطان». تعليل بأن فعله فعل الشيطان في إرادة التشويش على المصلي. وفيه دلالة على جواز إطلاق لفظ الشيطان على الإنسان الذي يريد إفساد صلاة المصلي وفتنته في دينه. وأما ما يذكر عن شيخ الإسلام أنه قال: «من قال في إنسان إنه شيطان فهو قد كفره بما هو معلوم من الدين بالضرورة»، هذا الكلام ليس صحيحًا، والظاهر أنه لم يصح عن شيخ الإسلام، وإلا ففي النصوص إطلاق الشيطان على الإنسان مثل هذا الإطلاق. الآن أطلق عليه شيطان وهو إنسان مسلم، وليس معنى هذا تكفيره. قال: فيه دلالة على جواز إطلاق لفظ الشيطان على الإنسان الذي يريد إفساد صلاة المصلي وفتنته في دينه، كما قال تعالى: ﴿ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ﴾. وقيل: المراد بأن الحامل له على ذلك شيطان، ويدل له رواية مسلم: «فإن معه القرين»، أي: هو الذي يؤزه إلى فعل هذا. قال: وقد اختلف في الحكمة المقتضية للأمر بالدفع، فقيل: لدفع الإثم عن المار، وقيل: لدفع الخلل الواقع بالمرور في الصلاة، وهذا الأرجح؛ لأن عناية المصل بصيانة صلاته أهم من دفع الإثم عن غيره. قلت: لو قيل إنه لهما معًا لما بعد، فيكون لدفع الإثم عن المار الذي أفاد الحديث: «لو يعلم المار...»، ولصيانة الصلاة عن النقصان من أجرها. فقد أخرج أبو نعيم عن عمر: «لو يعلم مصل ما يقطع من صلاته بالمرور بين يديه، ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس». ما أدري بصحة هذا، فكر شيء فقط. قالوا: وخرجوا بشيء، عن ابن مسعود: أن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاة. والظاهر أن هذا صحيح. قالا: لهما حكم الرفع، وإن كان موقوفين، إلا أنه في الأول في من لم يتخذ سترة، والثاني مطلق، فيحمل عليه. وأما من اتخذ السترة فلا نقص في صلاته بمرور المار، لأنه قد صرح الحديث أنه مع اتخاذ السترة لا يضره مرور من مر، فأمره بدفع المار لعل وجهه إنكار المنكر على المار لتعديه ما نهاه عنه الشارع، ولذا يقدم الأخف على الأغظ، من باب دفع المار، فأولًا يدفع بالأخف ثم بالأغلظ. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.