وقفات مع حديث رضيت بالله ربا 4

وقفات مع حديث رضيت بالله ربا 4

الدرس في وقفات مع حديث رضيت بالله ربا 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية الرضا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم

يتحدث عن أهمية الرضا بنبينا محمد نبيا ورسولا والإيمان بنبوته ورسالته. يشدد على تصديق كلامه وعدم التشكيك فيه.

مقام الرضا بنبوته ورسالته ووجوب الطاعة

يشرح وجوب الإذعان لكلام النبي والرضا به وعدم رده، ويؤكد على طاعة أوامره واتباع سنته في العبادات والطاعات.

اتباع السنة النبوية وتطبيق أوامره

يؤكد على أهمية اتباع السنة النبوية في العبادات والمعاملات وعدم الابتداع أو التقليد الأعمى، ويشدد على تعظيم مقام السنة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، وأما صلة مع هذا الحديث الذي بين أيدينا، وهما جاء في قوله، وفي ذكره، وفي دعائه عليه الصلاة والسلام: «رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا». مضى معنى إخواني في الله ما يتعلق بمقام «رضيت بالله ربا»، وما يقتضيه هذا المقام من مسائل، وأيضا مما أقف عليه باختصار في هذا المقام ما يتعلق بقوله عليه الصلاة والسلام: «ورضيت بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا». هذا مما ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يأتي به، وأن يعترف به، وأن يعتقده، وهو الرضا بالنبي عليه الصلاة والسلام نبيا ورسولا. وإن هذا المقام، إخواني في الله، كذلك تتفرع منه أمور، حتى يكون القائل قائم بهذه العبارة صدقا وحقا. ومن أوائل ما يقتضيه هذا المقام، أولا: الإيمان والإذعان بنبوته ورسالته وبعثته عليه الصلاة والسلام، وأنه مبعوث من رب العالمين، ﴿إن أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه﴾، هذا هو نبينا عليه الصلاة والسلام، اصطفاه الله بالنبوة والرسالة، وأمر الله جل وعلا من الخلق كافة أن يذعنوا له بذلك، فقال سبحانه: ﴿محمد رسول الله﴾. صلوات ربي وسلامه عليه، اصطفاه الله بالنبوة والرسالة. ولهذا فمن تنكب عن هذا المقام، فأعرض عن الإيمان بنبوته ورسالته، أو شكك، شكك، ونحن في هذه الأزمان التي نعاني موجة من الإلحاد، ومن أعظم ما جاءت به هذه الظلمات، ظلمات الكفر والتشكيك، ما جاءت على ثوابت الدين، ومنها الإيمان بنبوته ورسالته، حتى أصبح بعض الملحدين وبعض المرتدين إذا أرادوا أن يتضاحكوا على الجفون وعلى ذوي الغفلة، قالوا: «محمد بن عبد الله هو رجل مصلح عبقري وليس برسول النبي». إذ قالوها فهم كفار، كفار من قبل ومن بعد نبينا صلى الله عليه وسلم. نعم، مصلح أرسله الله رحمة للعالمين، وحياة للأفراد والمجتمعات، وهو نبي مرسل. فمن تشكك أو تردد في نبوته ورسالته فهو كافر. قال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده، ما يسمع بي يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار». انتهينا منه، انتهينا منه من مقام الرضا بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا. الإيمان بصدق كلامه، هذا من أعظم ما يقتضيه مقام النبوة والرسالة، أن نصدق بأخباره، وأن نؤمن بكلامه. فنبينا صلى الله عليه وسلم ما يتلفظ إلا بالوحي، وما ينطق عن الهوى، ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾. فالله عز وجل أيده بالوحي المنزل، فكل ما ينطق به عليه الصلاة والسلام فهو حق مصدق. ولهذا قال ذلكم الصحابي الذي حكى عن نفسه أنه كان يكتب كل شيء، كل شيء يتلفظ به نبينا كان يكتبه لأجل أن يحفظه، فعاتبه الناس، عاتبوه، قالوا: «إنك تكتب كل شيء ورسول الله يتكلم في الغضب والرضا». قال: «فأمسكت عن الكتابة، فبلغ ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، قال: اكتب، اكتب، ثم أشار إلى فمه، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق، ما يخرج منه إلا حق». فرسولنا عليه الصلاة والسلام ما يتلفظ إلا بالحق، إلا بالصدق، إلا بالوحي. ولهذا لزم على أهل الإسلام والإيمان أن يذعنوا لجميع كلامه عليه الصلاة والسلام بالرضا والإسلام والاستسلام والإذعان، لا نرد شيئا كما نراه من بعض الناس، لربما يقبل أقواله عليه الصلاة والسلام في بعض المسائل، وفي بعضها الآخر لربما يردها، ولا يتجاسر على حد زعمه على قبولها. كمثل من إذا رأى أن النبي صلى الله عليه وسلم تحدث عن أخبار ما قد مضى، تأنى، فيرى أن ما جاء به خبر السنة إنما هي من عداد الأساطير، ولأنه لا يقبل هذا. ومنهم من إذا رأى الأحاديث النبوية تتحدث عن ما سيأتي في المستقبل من دلالات النبوة أو من أشراط الساعة، لربما تريث، ويرى أن العقل ما يتقبل هذا. وآخر إذا رأى أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم عن ما يقع تحت الأرض من عذاب القبر ومن فتنة القبر، لربما استبعد ذلك. وهنا نسمع من بعض الناس في هذه الأزمان، وفي بلادنا - لا نذهب بعيدا - من أصبح يدندن على الإنكار على الإيمان بمسائل القبر، بما يكون فيه من نعيم وتنعيم، ومن عذاب وتنكيل، وأن لا شيء يحدث. كيف هذا يا عبد الله؟ ونبيك صلى الله عليه وسلم في أخبار كثيرة في الصحيحين وفي غيرها أخبار، وأثبت عذاب القبر: «إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير». كيف تتجاسر يا عبد الله على رد أحاديثه عليه الصلاة والسلام؟ فهل هذا راضي؟ هل هذا من الرضا بالإيمان برسول الله نبيا ورسول الله؟ لا والله، هذا قصور، لأن هذا نوع جحود من رسالته. فإن المؤمن الصادق في إيمانه، والراضي بإيمانه ورسالته عليه الصلاة والسلام، يذعن له بكل شيء، سواء وافق الواقع أو لم يوافق، سواء قبل العقل أو لم يقبله. نقول: «سمعنا وأطعنا». النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك، وخبره كله صدق، وهو حاصل لا محالة. فهذا من أعظم مقامات الرضا بنبوته ورسالته التصديق بأخباره. ثالثا، مما يقضيه مقام الرضا بالنبي عليه الصلاة والسلام نبيا ورسولا: القيام بمقام الطاعة، الطاعة لخبره، الطاعة لأوامره. وكم هي الآيات الكثيرة في القرآن، والأحاديث الوفيرة في السنة القاضية بوجوب طاعته: ﴿من يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾، ﴿قل أطيعوا الله والرسول ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم﴾ الآيات. وقال سبحانه: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾، والآيات كثيرة في هذا المقام في وجوب الإيمان بمقام الطاعة، وأننا نجند أنفسنا في القبول لكل أوامره بالسمع والطاعة: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون﴾. وإن من أعظم مقامات الطاعة، يا عبد الله، ما يكون الطاعة في مقام العبادة، في باب العبادة، أننا نؤدي العبادات كما أداها عليه الصلاة والسلام، لأن الله عز وجل أمرنا بذلك، فقال سبحانه: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾، وقال سبحانه: ﴿قد كانت لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾. فهو أسوتنا، وهو قدوتنا عليه الصلاة والسلام في أفعالنا وحركاتنا وسكناتنا، وفي طاعاتنا وعباداتنا. فإذا أردنا أن نتعبد الله عز وجل، فلا قدوة لنا إلا نبينا عليه الصلاة والسلام، به نقتدي، وبه نأتسي، ولهذا عليه الصلاة والسلام عندما شرع لنا العبادات من قبل الوحي المنزل، كان صلوات ربي وسلام عليه يربط أداء العبادة بسنته. فحين أمرنا بالوضوء، قال: «من توضأ نحو وضوئي هذا». علق وضوءنا بوضوئه، ننظر كيف توضأ، ومثله كيف اغتسل، وكيف تيمم، وكيف هو في باب الطهارة، فنفعل كفعله: «من توضأ نحو وضوئي هذا». وحين أمر بالصلاة صلى الله عليه وسلم، قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي». أمرنا بالصلاة، لكن على هدي من؟ على هديه، وعلى منواله، فنصلي كما صلى عليه الصلاة والسلام. وحين أن أمر بالحج، قال كما في صحيح مسلم من حديث جابر: «خذوا عني مناسككم». خذوا عني مناسككم، مناسك الحج والعمرة تأخذ من من؟ منه، لا من أحد سواه عليه الصلاة والسلام. فدل هذا على أن الطاعات والعبادات إنما تأخذ منه عليه الصلاة والسلام، وهذا من التطبيق لمقام الرضا برسالته عليه الصلاة والسلام. وقد خرجت فئام من الناس عن هذا النظام، فاستبدلوا بسنته شيئا غير الذي أتى به عليه الصلاة والسلام، كحال مثلا من فتح باب الابتداع والإحداث في الدين، فأتى للناس من طاعات، من أعمال، من أقوال، من طقوس، من مواسم، وقال للناس: «هلموا إليها». وهو يعلم من نفسه أن هذا مما لم يأت به نبينا عليه الصلاة والسلام، وإنما هو أمر زائد، فهو يعترف بأنها بدعة، يعترف بلسانه، لكن يزينها بقوله: «بدعة حسنة». فيا عبد الله، ما الذي أحوجنا إلى بدعتك؟ وما الذي فتح لنفسك ولأصحابك أن تقحموا الناس في أمر ما أنزل الله به من سلطان، وما دعا إليه نبي الأنام عليه الصلاة والسلام؟ بل حذر منه، فقال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». مردود البدع والمحدثات كانت ما كانت مردودة على أصحابها، لأن النبي ما ينازع في مقام سنته في أداء الطاعات والعبادات. وفئة ثانية من الناس من أتوا لنا بما يسمى بالتمذهب، وألزموا الناس بالتقليد، وأن الإنسان إنما يتعبد الله جل وعلا بعبادات هي تسير على وفق مذهبه، على وفق المذهب. وأين مذهب السنة يا عبد الله؟ النبي ما علمنا هذا، ما علمنا أننا نأخذ الطاعات والعبادات في الطهارة والصلوات وفي الحج والزكوات، ولا في باب الطلاق، ولا في باب المعاملات، ما علقها على أحد كائنا من كان، وإنما علقها بسنته. وهكذا ربنا جل وعلا: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾. من أين جاء التعظيم للرجال أو التقليد لفلان وفلان؟ إذا وافقت السنة مذهبا من المذاهب فهذا خير وباركة، لكن قل بربك إذا خالفت السنة ما عليه المذهب وما عليه المذاهب، أنت مخير تختار من هنا، المحك هنا الذي يظهر مدى صدق إذعانك لنبينا عليه الصلاة والسلام. فإن الإنسان، إخواني، فلا يكون معظما لله ولرسوله، وينبغي أن يكون النبي هو المعظم. ولهذا كانت لأئمة قديما، وهم أصحاب المذاهب، ما يربوا الناس على التعظيم ولا على التقليد، بل قالوا: «ما يقلد إلا عصب أو غبي». غبي الذي يقلد. بل قال إمام الشافعي رحمه الله: «إذا صح الحديث فهو مذهبي». مذهبه السنة، مذهبه الحديث، رحمه الله رحمة الأبرار. ولذلك كان يوصف الشافعي بأنه ناصر السنة، نصرها بقوله وفعله. فكيف بعد ذلك يجعل مذاحما للسنة؟ تعرض السنة على بعض من الناس، هذه السنة، فقل: «لا أعذرني، أنا مذهبي يملي عليك هذا». والسنة يقول: «آسف، أعتذر». لا يا عبد الله، هذا عذرك في الدنيا، لكن أعد له جوابا يوم القيامة. لا عذر لأحد، إخواني في الله، في أن يتنكب عن السنة. فالشاهد، إخواني في الله، أن الإنسان عليه أن يكون معظما لمقام السنة، فلا يردها لأحد كائنا من كان. فالشاهد، إخواني في الله، أن هذا المقام، مقام أو عبارة وجملة: «ورضيت بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا»، تقتضي منا عدة أمور، وعلى رأسها الإيمان والإذعان بنبوته وبعثته ورسالته عليه الصلاة والسلام، وكذلك التصديق بكل أخباره، وبجميع ما تلفظ به، وهكذا التطبيق لكل ما أتى به من أوامره، ومنه الإقبال على طاعته وعباداته ومعاملاته على وفق ما جاءت به السنة المطهرة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.