الدرس في وقفات مع حديث رضيت بالله ربا 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن معنى الرضا بالإسلام دينا والفرح به، ويشير إلى أهمية الإيمان والتعظيم لشرائعه. يجب على المسلم أن يفرح بهذا الدين كما أمر الله تعالى.
يجب على المسلم أن يقوم بالأعمال الصالحة برضا وتسليم كامل لله، ويجب تجنب الكره والاستهزاء بشعائر الدين لأنها تعتبر من الكفر.
من مقتضيات الرضا بالإسلام دينًا عدم الاستهزاء به أو سبه، ويجب على المسلم تعظيم الدين وعدم التناقض في أقوال وأفعاله.
يتضمن دعاءً بأن ينفع الله قائل الكلام بما قاله، ويشير إلى صلاة الله على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فمواصل إخواني مع الحديث الذي مضى ذكره في دروس خلت في بيان معانيه وفضائله وما جاء في ورده وذكره ودعائه عليه الصلاة والسلام، رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا. وأشرنا في المبحث الأخير في معاني هذه الجمل، فمضى معنا ما يتعلق برضا بالله ربا، ومر معنا ما يتعلق وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، ولازلنا إخواني في الله في الجملة الأخيرة من هذا الحديث، ورضيت بالإسلام دينا. دينا مر معنا في الدرس الأخير أن من يأتي الرضا بالإسلام دينا ما يكون من ضرورة اعتناقه واعتقاده كدين، تلقى الله جل وعلا به، بما يكون من ضرورة التمسك به، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. وكان من خلال هذا الكلام التحذير من ظاهرة الردة. وننتقل الآن إلى معنى ثاني من معاني ورضيت بالإسلام دينا، إذ أن من مختضيات هذه الجملة إخواني في الله الفرح بهذا الدين، كما قال سبحانه: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾، أمر ربنا عز وجل بضرورة الفرح بهذا الدين بما أنزل الله عز وجل فيه من شرائع وأحكام. قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون، خير مما نجمع من الدنيا وما فيها من ذهبها وفضتها. فلو أن الله عز وجل من عليك يا عبد الله بنعمة الإسلام، فاعلم أن الله قد من عليك بالنعمة العظمى وبالكبرى، ما هناك نعمة توازي أو تساوي بنعمة الإسلام. ولهذا جاء في قول ربنا عز وجل: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، أعظم نعمة أعطانا الله إياها لا بحولنا ولا بقوتنا، أحضر من ربنا أن جعلنا مسلمين، جعلنا مسلمين. كم من أناس إخواني في الله خرجوا في هذه الدنيا وهم بوذية، وهم مجوس، وهم عباد للأصنام، عباد للأوثان، وهم يهود، وهم نصارى، لكن أنت يا عبد الله خرجت بهذا الدين لا بفضل منك وإنما فضل وحب من ربك سبحانه وتعالى، فحمد الله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه أن جعلنا مسلمين، نعمة ما بعدها نعمة. هذا الذي يستلزم الإيمان الرضا بالإسلام دينا بما يكون من الفرح في هذا الدين، إخواني في الله، كذلكم يفرع منه عدة أمور، منها ما يكون من التعظيم، التعظيم للدين، التعظيم لشرائعه، التعظيم لأحكامه، التعظيم لعقيدته وعقائده، وما جعله الله عز وجل من الطاعات والواجبات، وبما ذكر الله عز وجل فيه من حلال وحرام، هذه الجوانب الدينية من أولها إلى آخرها ما يكون لنا في صدورنا إلا الإجلال والإعظام والإحترام. هذا الذي يقتضيه الفرح بهذا الدين، لأنك يا عبد الله تقبل هذا الدين بخور بضعف، لا أو بقلة مهابة، الدين يحتاج إلى إعظام وإجلال، أن تجعله فوق الرؤوس، بكل شيء شيء تذكر يا عبد الله أنه من دين الله، إجعله على العين والرأس، لا تجعل له الدون، الدنيا دنيا بالفائدة دنيا دنية، إن كان من دون إجعلها للدنيا ومتاعها، أما الدين فهو فوق العين والرؤوس، له الإعظام والإجلال. قال سبحانه: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾، هذا برهان التقوى، برهان أنك رضيت بهذا الدين بما يكون من تعاملك، فإجلال والإعظام والتوقير والإحترام لدين الله جل وعلا، فاعلم أن الله عز وجل قد جعلك ماذا؟ رضي، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب، التعظيم كذلكم الفرح يترتب به. ومن بعد التعظيم ما يكون من عدم الكره لأحكامه، هذا لا يتناسب ولا يتطابق بين رجل يقول: أنا من أهل الدين، وأنا من أهل الإسلام، ومع ذلك يجعل في قلبه الكره لأحكامه. وهذا للأسف قد حصل ويحصل أن من الناس من تراه معك من أهل الإسلام يؤدي الشعائر، يؤدي الحلال، يبتعد عن الحرام، لكن قلبه وفي نفسه الكره لهذا التطبيق العملي لما يعمله الله عز وجل. ذكر في كتاب أن من صفات أهل الإيمان والإسلام أن عندهم الخضوع والخنوع والرضى الكامل، إنما كان كما قال ربنا عز وجل: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾، تسليم كامل لله، التسليم في الظاهر وفي الباطن، التسليم للظاهر وفي الباطن، لا أنك تستسلم لله في الظاهر بأنك تؤدي ما أمر الله، لكنك في الباطن في نفسك شيء. مثاله إقامة الصلاة، مثاله أداء الحج، مثاله إيتاء الزكاة، بعض الناس لربما يؤدي هذه الشعائر، لكن فيما بينه وبين نفسه لا تطيب نفسه، يرى أن إيتاء الزكاة ليش؟ لماذا؟ مع أن الزكاة ما هي ربع العشر، يا بخيل، ربع العشر، أي أن مالك لو قسم وإلى عشر أقسام القسم الأخير، القسم الأخير وهو الأخير منه ليس كله، لا ولا نصفه، لا ربعه، هذه زكاة الله، تخرجها، تخرجها ربع العشر، هذه مع قلتها في ميزان الدين، لكن عند مرضى النفوس لربما تحثو نفسه إذا أراد أن يخرج الزكاة وألزم مثلا ألزم بإخراج الزكاة، لربما قال: إيش هذه القرصنة؟ ما لهم ولمالي؟ ما لي تعبت عليه، قيت عليه، ثم أخرجه باردا مبردا لفلان من المساكين، اجعل المساكين يسعون لأنفسهم، أنا ما لي ولهم؟ فلا زال يتبرم من إخراج الزكاة، أو ذاك الذي يؤدي الصلاة ووكاره لها، كحال المنافق: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسلا﴾، بثقل، لعبة الصدر، وهكذا قسلت، كذلكم المرأة التي لربما تعيش في بلاد أهل الإسلام وتعلم أن من لوازم الإسلام التمسك بالحجاب والجلباب، فهي تتجلبب وتلبس الحجاب، لكن فيما بينها وبين نفسها كارهة للحجاب، ما إن تصل إلى البيت إلا وترمي الحجاب رمي رمي التعيس والبغيض له، يقول: أف، أف، متى متى يكون ألوانك؟ حال أولئك في شرق الدنيا وفي غربها تخرج المرأة سافرة متبرجة، لا غطاء على رأسها ولا على وجهها، تخرج بتنورتها وبفستانها وقد أبدت ساعديها وساقيها، تتمنى أن تصل إلى هذه المرحلة، لكن هاهنا الآن ما يمكن، فيتلبس الجلباب وهي كارهة لهذا، هل هذا من الرضا بالإسلام دين؟ الجواب لا، لأن كما ذكرنا أن من صفات أهل الإيمان إذا تحاكموا إلى شرع الله ويسلموا تسليما، ما في قلوبهم شيء على الدين ولا على المنة ولا على أحكام وشرائعه. وإنما هذا الكره إنما يصدر من ضعاف الإيمان ومن أهل النفاق الذي قال الربنا عنهم: ﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم﴾، هذه المصيبة، تعمل ولا جزاء عملك، تعمل ولا جزاء عملك، ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم، يحبط الله العمل إذا صدر من شخص كاره لما يقوم به، يا إخواني في الله. لأن المسلم الذي منى عليه بهذا الدين إذا أراد أن يقوم به يقوم به برضا، من غير كره ولا تذمر، كذلكم مما ينبثق من الفرح بهذا الدين أن يكون هذا الفعل يا عبد الله لا يوافق أو لا يصادف منك استهزاء، وهذا أعظم من الكره، الكره يكون محله القلب، لا أحد يعلم به إلا ربك وحسبك الله، لكن الأعظم من الكره أن يصل هذا الأمر إلى العيان، وهو أنك تستهزئ تستهزئ بشعائر الدين. تريد أن تنكت، ما وجدت نكتة إلا في أهل الصلاة، وأهل الصلاة تنكت عليهم، تنكت على من يسمون في المجتمع بالموعظة كما يقال، لأن تجعلهم أنموذجا، وإذا أردت أشياء أماكن تريد أن تضحك وتأتي بالنكتة، تأتي إلى بيوت الله أو إلى حرم الله، وإذا جئت إلى مواسم تريد أن تجعلها فكاهة للناس، تأتي إلى مواسم الخيرات، تأتي إلى رمضان وتأتي إلى الأعياد، يا سبحان الله، ضاقت ضاقت عليك وسائل الدعابة والفكاهة، فما وجدت شيء تضحك عليه إلا الدين إلا الدين. لا اعلم يا عبد الله الدين كما أسلفنا محله التبجيل، فمن لم يقم لهذا الدين رأسا فاجعلهم محلا للمضحكة وللمهزلة، اسمع يا عبد الله حكم الله، قال ربنا جل في علاه: ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾، كفر، كفر، لأن الإسلام يا عبد الله كما ذكرنا له مقام الأسمى في قلوبنا وفي نفوسنا. فمن لم يرفع بالدين رأسا وجعله محلا للضحك والاستهزاء والسخرية، يضحك في حق الله وفي حق رسول وفي حق الدين والشريعة وفي اليوم الآخر وفي عذاب القبر وفي رمضان وفي أهل المساجد وفي حلقات العلم والقرآن، وأخذ ليضحك الناس وينكت الناس، فهذا يا عبد الله قد وقع في ناقض من نواقض، فعليه أن يعود إلى الإسلام من جديد. لأن الدين ما يكون فيه إلا التعظيم، ومما ألحق العلماء أيضا في هذا المقام، ومما يتفرع من الاستهزاء السب والشتم للدين، هذا يتناسب من يأتي في أذكار الصباح ورضيت بالإسلام دينا، وما يأتي عليه آخر النهار إلا وهو يسب الدين، كيف نركب هذا مع هذا؟ ما ترتكب هذا التناقض؟ أنت تحمد ربك عز وجل وتزعن لله بأن الله رضي لك الإسلام دين، وما يأتي عليك النهار إلا وأنت تسب دين، هذا ما يتوافق لا عقلا وأيضا لا شرعا. ولهذا أجمع العلماء على أن من سب الدين فقد كفر، وينبغي أن يعلم الناس ذلك، الصغار والكبار والذكور والإناث، تحت أي مبرر لا تتبرر يا عبد الله في يوم من الأيام في ساعة غضبك على أني كنت غضبان فسببت، أقول: سبحان الله، ما وجدت إلا أن تسب دينك؟ سب يا ربي، عبد الله إن عاصي، فسب أباك، سب عمك، سب خالك، سب زوجتك، سب أولادك، ما وجدت إلا الدين تصعد إليه مباشر إلى دين ربك فتسبه وتلعنه؟ بل ويتكرر هذا من بعض الناس، هذا ما يتوافق مع أنك ترضى بالإسلام دين وأنت سب الدين، فأعلم أنك خرجت عن الدين والملة، ولهذا صيحة من كان هذا ديدنه أن يكون سبابا لدينه أن يخرج من ديننا ويلتحق بدين آخر، إذا كان هذا الدين أصبح صاخط عنه ليس براض عنه، يتناوله بالسب والشتم واللعن على أدنى مناسبة، حتى لربما على لعب على كرة أو على شاي مع أصحابه أو على نوبة غضب سريعة، فإذا به يرى أن الدين هو الذي يسب، فسب، نقول: يا عبد الله هو على نفسك، لا نحن ولا غيره نسمح لك أن تسب، انتقل، انتقل يا عبد الله إلى دين آخر، لربما تعظمه أو تبجله. مع التنبيه لهذا الكافر أنه إذا ذهب إلى دين آخر فليعلم أن كل دين تعظم دينها، فإذا كنت يهوديا وأردت أن تسب دين اليهودية والله لن يتركوك، وإذا أصبحت نصرانيا وأردت أن تسب دينهم والله لن يتركوك، ما هناك أحد يرضى أن يسب دينه إلا الملاحدة، لأن الملاحدة لماذا؟ بلا دين، كن ملحد والعياذ بالله. فاعلم يا عبد الله يا من ابتلاك الله بهذه الدسيسة الخبيثة العظيمة وهي من أعظم نواقض الإسلام أن يصل بك الأمر إلى سب إلى سب الدين أو إلى سب الرب أو إلى سب النبي، فهذا كله مما لا يتوافق من أنك تذعن بأن رضيت بالإسلام دينا، فهذا إخواني في الله مما أذكره من المقتضى الثاني، المقتضى الأول من رضيت بالإسلام دينا ما أمر معنا سابقا وهو أنك تستمسك بهذا الدين. وأشرنا إلى ما يتعلق به من مسائل، والمعنى الثاني والذي في هذا اليوم أن من مقتضى أنك ترضى بالإسلام دينا ما يكون من الفرح به، هذا الفرح يستلزم التعظيم، يستلزم عدم الكره، يستلزم عدم الاستهزاء، ينبثق منه عدم السب لهذا الدين. وبقي معنى ثالث من معاني رضيت بالإسلام دينا يترك إن شاء الله إلى درس غد. نسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.