الدرس في وقفات مع حديث رضيت بالله ربا 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الدرس بتوضيح أهمية فهم معنى الرضا بالله ربًا، ويشرح أن هذا الاعتراف يتطلب الإيمان بأن الله هو الرب والخالق والرازق. يُبرز المفهوم الأساسي للربوبية والعبادة.
يشرح المقطع الثاني مفهوم الرضا بالله ربًا بشكل مفصل، ويبين أن هذا المفهوم يتضمن الاعتقاد بأن الله هو الخالق الرازق وحده، وعبادته وحده دون سواه، ويحذر من الشرك في العبادات.
يتطرق المقطع الثالث إلى مقتضيات الرضا بالله ربًا، ويشدد على أهمية إفراد الله بالألوهية والرضا بقضاء الله وقدره، والصبر عند الابتلاء، والإيمان بالقضاء والقدر.
يختتم الدرس بدعاء بأن ينفع الله المستمعين بما سمعوه، ويجعلهم يتبعون أحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، في دروس خلت كان حديثنا مع قوله عليه الصلاة والسلام في هذا الذكر العظيم، وفي هذا الدعاء الجميل: «رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولا»، وأشرنا في مبحثنا أولًا إلى ما يتعلق بمواقع هذا الدعاء وهذا الذكر، ومتى يؤتى به، ثم كان حديثنا، إخواني في الله، عن فضائله التي أعدها الله لأصحابه، وإلى قائله، سواء كان من فضائل الدنيا أو الآخرة. ثم تطرقنا إلى الدلالة على أهمية هذا الذكر بخصوصه، وكيف أن فيه من الأمور العظام ما ينبغي على أهل الإسلام أن يعتنوا بها غاية اعتناء. وها نحن في هذا المقام، إخواني في الله، نود أن نشير إلى مبحث مهم، ألا وهو أن هذه الكلمات إنما يكون أثرها في حق من يتعقل معناها: «رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولا». هذه الكلمات، إخواني في الله، لها معنى، ليست هي عبارة عن كلمات تلاك باللسان دون دراية لفحواها ولمعناها. ولهذا من العجب أن تجد من القائلين بهذه الكلمات وهو يتناقض معها، الكلمات في واد وأفعاله وأحواله وأقواله في واد آخر. ولهذا مر معنى في صحيح مسلم من فضائل هذه الكلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولًا»، لم يقل: «من قال»، لكن «من رضي»، فهذا الاعتقاد يحتاج إلى معنى. وفي هذه المقامات، إخواني في الله، نتجول وإياكم إلى أهم المعاني الموجودة في هذه الكلمات، مبتدئين بالجملة الأولى: «رضيت بالله ربا»، ما معناها؟ «رضيت بالله ربا» اعتراف منك بأنك قد رضيت بالله جل وعلا أن يكون ربا لك. وإن هذا المقام، إخواني في الله، تتفرع منه فروع حتى يتضح صدق هذه الدعوى منك. ما الذي يتطلبه هذا المقام؟ يتطلب أولًا أن تعتقد، ثم تعترف بأن الله عز وجل هو الرب، هو رب الأرباب جل في علاه، الكون كونه والخلق عبيده، يفعل ما يشاء، بيده كل شيء، كل شيء ما هناك شيء يخرج عن ملكه سبحانه وتعالى، هو الخالق، هو الرازق، هو المحيي، هو المميت، هو النافع، هو الضار سبحانه وتعالى. الله خالق كل شيء، قال سبحانه: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير﴾، هذا هو ربنا سبحانه وتعالى، ما هناك شيء يخرج عن قدرته. وهكذا قل يا عبد الله في موضوع العافية والصحة، ما هي؟ لا تظن أنها بيد فلان ولا بيد علان، وإنما هي بيد رب الأرباب، ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾، الشافي هو الله، الشافي هو الله، والخالق هو الله، والمحيي هو الله سبحانه وتعالى. إخواني في الله، مع وضوح هذه الفقرة التي ما نحتاج حتى أن نقف عندها كثيرًا، لها للأسف أن نجد أن جماعات من المسلمين ممن ينتمي لهذه الأمة المحمدية وهو يتلفظ بـ«رضيت بالله ربا»، لكن خرم خرم هذه الجملة أن اعتقد بأن هناك مع الله شريك يزاحمه في ملكه. هل تدري يا عبد الله أن ناسًا من الناس من يرى أن الولي الفلاني بإمكانه أن يخلق الأجنة في الأرحام؟ لا أقول قال هذه العبارات المغفلين من خلق الله، بل قال من ينتسب إلى العلم وإلى الفكر وينتسب إلى الولاية، ولا يهو أنه من أهل الصلاح، ويقرر بأن للولي قدرة على أنه يخلق الأجنة في بطون الأمهات إذا أشاء، هذا من الكفر بعينه. إذن من الذي جعلت لله جل وعلا إذا كان فلانًا يخلق ما يشاء؟ هذا هو الكفر. وبمثله، مثلا من يرى أن الأرزاق ليس فقط هو الله الذي يأتي بها، هناك غيره، بمثل السحرة والمشعوذين. ولهذا تجد من بعض الناس من قلت عنده الأموال وساءت عنده الأحوال يسارع إلى أين؟ يسارع إلى أبواب العرافين والسحرة والمشعوذين طالبًا منهم ورقة، طلاسم، حرز، ماذا فيه؟ فيه الرزق، رزق البر، رزق البحر، رزق الجو، أي رزق من الأرزاق يذهب إليهم، فمن الرازق؟ الله أم الساحر؟ إذا كان الساحر هو الرازق لرزق نفسه وهو يعيش على هذا الذل والهوان والفقر الذي ابتلاه الله به. وهكذا صنف من الناس لا يظن فقط أن الله هو النافع الضار، بل أخذ يعتقد بما هو من شأن الحبال، فأخذ يعلق على عضده وعلى حقوه أو على رقبته أو على رقبة بعيره أو على أعضاء أولاده يعلق عليهم الخيوط والحبال السوداء أو البيضاء أو يعلق الحبوب السوداء، ماذا تفعل يا عبد الله؟ قال: أحصنهم بماذا؟ من الشر، من العين، بماذا؟ بهذا؟ هل هذه الحبال كانت يومًا من الأيام تنفع وتضر؟ هذه يا إخواني من عقائد الجاهلية الأولى. قال عليه الصلاة والسلام: «من تعلق تميمة فقد أشرك»، وقال عليه الصلاة والسلام: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له». إذا المقام الربوبي «رضيت بالله ربا» أن تعتقد بأن الكون لله جل في علاه، ما يزاحمه أحد لا في الخلق ولا في الرزق ولا في الإحياء ولا في الإماتة ولا في النفع ولا في الضر جل في علاه. ثانيًا، من مقتضى «رضيت بالله ربا» أن تعتقد بأن الله هو المألوه الذي لا معبود سواه، ولا إله لنا غيره جل في علاه، فالعبادات له والطاعات له. يا أيها الناس اعبدوا ربكم، أمرنا الله جل وعلا بعبادته، فما هناك أحد كائنًا من كان، لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا يصل إلى مقام أن توجّه له العبودية من دون الله سبحانه وتعالى. الله الذي أعطى، الله الذي خلق ورزق وأمات وأحيا، هو الذي يطلب منك أن تعبده مقابل ما أعطاك. يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم، لأنه خلق فهو يعبد لقيام بمقام الربوبية بما فيه نفعنا ودفع الشر عنا، استحق ربنا جل في علاه أن يعبد، لا هناك أحد يستحق العبادة سواه أبدًا. ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾، ما هناك أحد، النكرة في سياق النفي تفيد العموم، ما هناك أحد يعبد من دون الله. ولا تظن يا عبد الله أن العبادة لغير الله يظنها بعض الناس أنك تجعل شيئًا وتصلي إليها، هذا جزء من العبادة، العبادة لغير الله أن تتوجه بأنواع الطاعات لغير الله، كمن يذبح لغير الله، كمن ينذر لغير الله، وهكذا، كمن يهتف ويدعو بغير اسم الله. قال ربنا: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾، أمر ربنا عز وجل بصرف الدعاء له، لأنه سبحانه وتعالى هو المألوه، لا مألوه لنا سواه. وبالمقابل، مع وضوح هذا المعنى عند أمة الإسلام، إلا أننا نجد أن فئات من الناس خرموا هذه القاعدة، فجعلوا مع الله شركاء وأندادًا. بالأمس كانت الجاهلية الأولى تنصب لأنفسها أنصابًا وتماثيل تعبدونهم من دون الله، فاندثرت بدعوة التوحيد، لكن جاء الناس بما أوحى إليهم الشيطان بأن نصبوا لأنفسهم أشخاصًا وأعيانًا على شكل قبور وأضرحة على صورة زيارات أو مزارات. فتجد أن الناس يذهبون إليها لماذا؟ هذه القبور والأضرحة، هل لأن الأموات بحاجة إلينا؟ هي السنة، الأموات بحاجة إليك يا أيها الزائر بأن تدعو الله له بأن الله يوسع عليه في قبره، يوسع عليه في لحده، وأن الله عز وجل يؤنس وحدته، وأن الله ينور عليه قبره، هكذا الحال، هذه الزيارة الشرعية، الأموات بأمس الحاجة للأحياء. لكن عند عباد القبور انعكس الأمر، أصبح الأحياء هم بحاجة للأموات، ذاك بحاجة إلى المدد، ذاك بحاجة إلى الولد، ذاك بحاجة إلى المال، ذاك بحاجة إلى الرزق، ثم بعد ذلك هذا ليس بالمجان، وإنما هذا بصرف الطاعات إليهم، فهذا يدعوه، وهذا يهتف باسمه، وهذا يتمسح بقبره، وهذا يذبح القرابين عند عتباته، أي عند عتبات الضريح. وهل مجرد أن وصل الحال بمن يطوف حول قبورهم ويستغيث بأسمائهم؟ أين الله؟ أين الله؟ وهو القائل: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له﴾، ما هناك شريك لله سبحانه وتعالى، فكيف تسوغ لنفسك أو تسوغ لغيرك أن مع الله مزاحم؟ كأنك تسوغ للأمة من شاء أن يدعو دع الله يا الله، وإن شئت دعوت غير الله، قل يا فلان، قل يا حسين، قل يا عيدروس، يا العطاس، هذا بهذا. متى كان للمخلوق مقامًا يليق بمقام الخالق؟ عجبًا، ما الذي أعطاك المخلوق حتى يصل إلى هذا المقام فتدعوه من دون الله وتعطيه من صلاتك، من نذرك، من ذبحك، من خوفك، من خشوعك، من رجائك؟ حتى الخوف يخافون من المقبورين أشد خوفًا من ربهم سبحانه وتعالى. فالشاهد أن من مقتضيات «رضيت بالله ربا» ما يكون من إعطاء المقام الألوهية لله وحده لا شريك له. ثم ثالثًا، من مقتضيات «أرضيت بالله ربا» أنك تعلم أن مما يتفرع من هذا الإقرار والإذعان الرضا بقضاء الله وقدره. فإذا علمت بأن الله عز وجل هو الخالق والرازق، هو المحيي هو المميت جل في علاه، اعلم أن الله ما يفعل شيء إلا لحكمة، لحكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها، لكن ينبغي أن تعلم نفسك أولًا وغيرك بأن ما يقع في الكون في البر ولا في البحر ولا في السماوات ولا في الأرض إلا بأمر أراده الله. وخاصة ما يقع من المصائب والمعايب، ﴿ما أصابكم من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير﴾، هو سبحانه وتعالى قدر عليك هذا البلاء وهذا الابتلاء. وفي حديث ابن عباس: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت بكل ما فيها على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت الأمة من شرقها وغربها على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك»، رفعت الأقلام وجفت الصحف. الله هو الذي قدر عليك الحال الذي أنت فيها، فإن كانت هذه الحال من الحال الطيبة من الغنى ويسر الأمر والأرزاق فاحمد الله، وإن رأيت أن الله ابتلاك بالضيق والفقر والمرض فاصبر، فاصبر، فاصبر يا عبد الله، عليك أن تعلم أن الله هو الذي قدر عليك هذا كله. وليس هذا فقط في مقام الرضا بقضاء الله وقدره، لا يصل الأمر إلى هذه المرحلة، هذه المرحلة هي الإيمان بالقضاء والقدر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره. بعد ذلك من الذي يترتب عليه الرضا، «رضيت بالله ربا» من لوازم أن ترضى بقضاء الله وقدره، ما يقدره الله عليك، بما يقدره عليك من مصائب، قد يقدر عليك التقتير والفقر، قد يقدر عليك قلة المال، قد يقدر عليك العقم وعدم الإنجاب، قد يقدر عليك الأمراض والأسقام تتوالى عليك وعلى أولادك وعلى أهلك، لربما ابتلاك الله بكثرة الأعداء، ابتلاك الله عز وجل لربما بضيق الحال واضطراب النفس. وهل مجرد أن في هذا المقام، إخواني في الله، بعد ما تعلم أن الأمر بيد الله؟ لأن من الناس من يعلم بأن الأمر بيد الله، لكن من الذي يترتب عليه؟ يترتب عليه التصخّط والتذمر والتشكي، هذا ليس من مقتضى «رضيت بالله ربا»، وإنما كان ينبغي عليك إزاء قضاء الله وقدره أن تصبر وأن تحتسب وأن ترضى. ولهذا قال الله: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾، قال المفسرون من بعض السلف: «ومن يؤمن بالله» قالوا: يعلم أن المصيبة من الله فيصبر ويرضى، «يهد قلبه»، تأتيك الهداية من الله. ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات﴾، هذا ابتلاء من الله، ماذا بعد ذلك؟ ﴿وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾. ولهذا يا عبد الله، مقام القضاء والقدر يقوم على هذا، تعتقد بأن الأمور وقعت بأمر من الله، ثم ما يترتب على يهذا القضاء من الصبر والاحتساب. ولهذا كان من الدعاء الجميل الذي علمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم كما في مسند الإمام أحمد من حديث ابن مسعود أنك تقول: «اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك»، عدل، ولو كنت في نفسك ترى الهضم، مثلا لكن قل: عدل، أصابك الله بمرض، قل: عدل، أصابك الله بالضيق والفقر، قل: عدل، عدل في قضاءك، لأن الله ما يريد منك إلا الخير. لأن هذا القضاء الذي ابتليت به يكون من ورائه رفعة الدرجات، أو التكفير عن السيئات، أو ما يكون ما يدخر لك ربك من الخيرات والبركات في نهاية أمرك، ﴿إن مع العسر يسرًا إن مع العسر يسرًا﴾. فالشاهد، إخواني في الله، فإن مقام «رضيت بالله ربا» ليس بالمقام السهل الهي حتى أننا نجد أن الكثير من الناس يرى أن إن تلفظ به قد حقق هذا المقام. لا، نبه العلماء أن مقام «رضيت بالله ربا» يترتب من ذلك أنك تؤمن بأن الله هو الخالق والرازق والمحيي والمميت، ما هناك خالق مع الله سواه، وأنك من مقامات هذا الباب أن تعتقد بأن الله هو المألوه، لا مألوه لك سواه، فهو ربك وهو إلهك جل في علاه، وأن تؤمن بقضائه وقدره فترضى وتسلم. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.