فقه الابتلاء 2

فقه الابتلاء 2

فقه الابتلاء: الصبر على البلاء طريق الجنة

يواصل الشيخ شرح فقه الابتلاء مستشهداً بحديث المرأة السوداء التي صبرت على الصرع فبشرها النبي ﷺ بالجنة، وحديث الأعرابي الذي خُيّر بين أن يكون بلاؤه تكفيراً أو لا. يبين المقطع أن الابتلاء ليس شراً محضاً بل فرصة عظيمة لنيل الأجر العظيم بالصبر والاحتساب.

الأمراض كفارة والشهادة بالطاعون وغيره

يوضح المقطع أن الأمراض والابتلاءات تكون كفارة وطهوراً للمسلم، مستعرضاً أحاديث تجعل الطاعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم شهداء. يذكر أيضاً قصة اختصام الشهداء والمتوفين على فرشهم حول موتى الطاعون يوم القيامة.

فضل موتى الطاعون ورفع الدرجات بالصبر

يبيّن المقطع أن من مات بالطاعون يُلحق بالشهداء لاشتباه دمائهم بدماء الشهداء، ويستعرض أحاديث تُظهر رفع الدرجات بالابتلاءات في الجسد أو المال أو الولد. يؤكد أن هذه الدرجات لا يبلغها العبد بعمله إلا بالصبر والاحتساب عند المصيبة.

مقدمة في فقه الابتلاء وآيات البلاء

يتناول المقطع مفهوم الابتلاء في الإسلام مستنداً إلى آية قرآنية تذكر الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات. يشير المقطع إلى درس للشيخ أبي همام عبد الله ما سعد في دار الحديث بالشحر حول هذا الفقه العظيم.

التفريغ النصي الكامل

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ﴾ فقه الابتلاء فقه الابتلاء للشيخ الفاضل أبي همام عبد الله ما سعد، المدرس بدار الحديث بالشحر فقه الابتلاء بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فهنا نحن في مجلس ثانٍ من المجالس التي قد بدأناها بمجلس أول، وهي مجالس في فقه الابتلاء، والحكم والغايات من وراء الابتلاءات والمحن. وقد ذكرنا في الدرس الذي مضى بعض هذه الابتلاءات وهذه الحكم والغايات، وإن شاء الله تعالى نكمل في هذا الدرس ما قد ذكرناه من تلك الحكم العظيمة التي ذكرناها في الدرس الذي مضى. فمن ذلك أيضًا، أيها الإخوة المستمعون: قد جاء في الصحيحين عن ابن عباس أن امرأة أمة سوداء جاءت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تشكو إليه ما مسها من الضر، كي يدعو الله عز وجل لها، عليه الصلاة والسلام. فقالت: يا رسول الله، إني أصرع، فيصيبني الصرع، فأدعُ الله لي. فقال عليه الصلاة والسلام: «إن شئتِ دعوتُ الله فشفاك، وإن شئتِ صبرتِ ولك الجنة». قالت: أصبر يا رسول الله، ولكن ادعُ الله لي أن لا أتكشف. أي أنها أرادت من النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تنكشف عورتها أثناء صرعها. فدعا الله لها أن لا تتكشف، فكانت رضي الله عنها تصرع، ولكن ببركة دعوة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه كانت لا تتكشف. فكان الحبر الكريم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما إذا رآها يقول: «من سره أن ينظر إلى امرأة من أهل الجنة فلينظر إلى هذه الأمة السوداء». وجاء في الرواية أنه قال أيضًا في البخاري: قال ابن عباس: «ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ تلك المرأة السوداء»، ثم يذكر قصتها رضي الله عنها. أيها الإخوة، قد عاد نبيكم عليه الصلاة والسلام أيضًا مريضًا أعرابيًا، وكما لا يخفى عليكم فالأعراب جمعوا مع جفاء القلوب جهلًا بالشريعة وأحكامها إلا من رحم الله. فذهب النبي عليه الصلاة والسلام إلى الأعرابي يزوره ويعوده، فوجده قد حم حمة شديدة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم مُصَبِّرًا ومُغَثِّيًا: «لا بأس، طهور إن شاء الله». فقال الأعرابي: طهور؟ أي تقول لي طهور؟ بل حمة تفور على شيخ كبير تزور القبور. فقال عليه الصلاة والسلام: «فَنَعَمْ». أي أن الأمر كما اخترت لنفسك، فما دمت اخترت لنفسك ألا تكون الحمى كفارًا، وألا تكون الحمى تطهيرًا من الذنوب، فكما اخترت لنفسك. فانظروا يا رعاكم الله إلى هذه الأحاديث التي يبين فيها النبي صلى الله عليه وسلم أن بلاء العبد ليس شرًّا، بل بلاء العبد قد يكون خيرًا عظيمًا. فتلك المرأة قال لها: «إن صبرتِ صبرتِ ولك الجنة، اصبري ولك الجنة». وقال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الأعرابي: «اصبر». أراد أنه صلى الله عليه وسلم أن يحتسب أجر هذا المرض، فقال له: «طهور إن شاء الله»، أي أن هذا المرض يكون لك كفارة وطهورًا. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «طهور إن شاء الله»، أي يجعل الله عز وجل ذلك المرض طهورًا لك وطهورًا لسيئاتك. فهذا يبين الحكم العظيمة التي تكون من هذه الابتلاءات. فانظروا أيضًا من هذه الحكم، أو من هذه الأشياء التي ينبغي أن نأخذ بها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بيّن لهذا الأعرابي أن هذا المرض كفارة، وأن الحمى كفارة، قال: «لا، وإنما أستأذن أن تكون هذه موتًا لي»، تكون موتًا له. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَنَعَمْ إِذًا». وأيضًا هنا حديث آخر مثل هذا، وهو ما جاء عن سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما اسمك؟» قال: اسمي حزن يا رسول الله. قال: «بل أنت سهل». قال: لا أغير اسمًا سمانيه أبي يا رسول الله. فقال سعيد رحمهم الله: «فما زالت الحزن فينا»، أي أن الحزن لازمهم على الدوام. أيها الإخوة، لقد قال عليه الصلاة والسلام في شأن مرض شديد يحل بالأبدان، ألا وهو مرض الطاعون: «الطاعون شهادة لكل مسلم». وكذا في المبطون، كما جاء هذا في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه في الصحيحين، وكذا جاء أيضًا في حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «شُهَدَاءُ أُمَّتِي خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ» -أي الذي أصابه الطاعون- «وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجَمْعٍ». وأيضًا جاء في بعض الروايات في حديث جابر بن عتيك عند أحمد وأبي داود وغيرهما ذكر سبعة، وذكر أيضًا منهم: والمرأة تموت بجمع، أي التي تموت في نفاسها شهيدة. كذلك قال عليه الصلاة والسلام. فهذا يدلك على أن هذه الأمور العظيمة وهذه الأمراض تكون خيرًا للمسلمين. الطاعون شهادة لكل مسلم، فإذا مت يا عبد الله أو أصبت بهذا الطاعون فإنه تكون شهيدًا عند الله جل وعلا، ويكون لك أيضًا مثل من مات في سبيل الله عز وجل في المعركة. فقد جاء عند أبي داود وعند أحمد من حديث العرباض بن سارية، وفي سنده بعض الضعف، لكن جاء ما يشهد له من حديث عتبة بن عبد السلمي رضي الله عنه، فالحديث صحيح. وفيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «اخْتَصَمَ الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ فِي قَتْلِ الطَّاعُونِ». الشهداء الذين ماتوا في المعركة في الحرب بين المسلمين والكفار في الجهاد بسبيل الله، يختصمون الشهداء والمتوفين على فرشهم في قتل الطاعون، أي الذي يموت على فراشه وقد مات بالطاعون. كل يريد أن يأخذ الذين ماتوا من الطاعون إلى صفه يوم القيامة. على هؤلاء الشهداء يقولون: هؤلاء من مات بالطاعون فهو منا شهيد. والذين ماتوا على فرشهم يقولون: إن من مات بالطاعون هو منا لأنه مثلنا مات في فراشه. انظروا إلى فضل من مات بالطاعون في هذا الحديث العظيم، وهو حديث صحيح كما قلنا. فيقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فيقول الشهداء: «يَا رَبَّنَا أَشْبَهَتْ دِمَاؤُهُمْ دِمَاءَنَا». يقول هؤلاء الشهداء: يا ربنا، أشبهت دماؤهم دماءنا، أي دماء هؤلاء الذين ماتوا بالطاعون أشبهت دماء الشهداء الذين ماتوا في المعارك. ويقول المتوفون على فرشهم: «يَا رَبَّنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مُتْنَا عَلَى فُرُشِنَا». فيقول الله تعالى: «انْظُرُوا إِلَى دِمَائِهِمْ، فَإِنْ أَشْبَهَتْ دِمَاؤُهُمْ دِمَاءَ الْمُتَوَفَّيْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ فَهُمْ مِنْهُمْ، وَإِنْ أَشْبَهَتْ دِمَاؤُهُمْ دِمَاءَ الشُّهَدَاءِ فَهُمْ مِنْهُمْ». فيجدون دماءهم قد أشبهت دماء الشهداء، فيلحقون بهم. وجاء بحديث عتبة بن عبد أنه قال: «انْظُرُوا»، يقول الله عز وجل: «انْظُرُوا إِلَى جِرَاحَاتِهِمْ وَإِلَى جِرَاحَاتِ الشُّهَدَاءِ، فَإِنْ أَشْبَهَتْ دِمَاؤُهُمْ دِمَاءَ الشُّهَدَاءِ فَهُمْ مِنْهُمْ». فهكذا عز الله هذا الفضل العظيم الذي أعطاه لمن أصيب بهذا المرض، الطاعون. وهو الطاعون، هذا مرض كان يعرف مرضًا يبتدئ في الإبطين أو المغابن، ثم تخرج خراجات، ويسود أو يخضر أو يحمر، ثم بعد ذلك ينتشر. وقيل: إن الطاعون هو كل وباء يكون ينتشر في الناس يسمى طاعونًا. أيها الإخوة، لقد قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى، كذلك ما جاء في حديث أنس عند البخاري، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: قال الله عز وجل: «مَنِ ابْتَلَيْتُهُ بِحَبِيبَتَيْهِ -أي بفقد عينيه- فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ خَيْرًا مِنْهُمَا الْجَنَّةَ». أيها الإخوة، إن الدرجات ترفع بالابتلاءات. فكم من شخص منا له عند الله منزلة عليا لا يبلغها بعمله، لا يبلغها بصلاته، ولا بصيامه، ولا بقيامه، لكن يبلغها بالصبر في الفتن، يبلغها بالصبر على البلايا، يبلغها بالهم والحزن، يبلغها بابتلاء في ولد، وابتلاء من جار شرير مفسد بالصبر عليه. كذلك تبلغ هذه المراتب التي لم ترفعك إليها صلاتك، ولم يرفعك إليها صيامك، ولم يرفعك إليها كبير عمل قُدِّمَت، لكن تبلغها بالصبر على البلاء. إن الفتاة التي تقدم بها السن ولم ترزق بزوج صالح تقر به عينها، ترتفع درجتها بصبرها على قضاء الله وعلى قدر الله. وتلك التي تزوجت ولم تنجب، لعلها ترتفع كذلك بصبرها عند الله درجات، وعساها وقد فقدت الولد أن تمد يديها لربها سائلة إياه الولد. وكذلك أيضًا ذاك الذي فقد أحب أبناءه، ترفع درجته عند الله جل وعلا. ولهذا خرج الإمام أبو داود، وكذلك هو عند أحمد، عن خالد عن محمد بن خالد السلمي عن أبيه عن جده أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ابْتَلَاهُ اللهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ». وجاء في رواية: «ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يُبَلِّغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، حَتَّى يُبَلِّغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى». هذا فضل عظيم وحكمة عظيمة من حكم الابتلاء. فنسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يجعلنا من عباده الصالحين، وأن يجعل ذلك الابتلاء لنا خيرًا عنده سبحانه وتعالى. والحمد لله رب العالمين. ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ﴾ فقه الابتلاء فقه الابتلاء فقه الابتلاء للشيخ الفاضل أبي همام عبد الله ما سعد، المدرس بدار الحديث بالشحر فقه الابتلاء اشتركوا في القناة