المسائل الفقهية من قول خير البرية 19

المسائل الفقهية من قول خير البرية 19

أحكام ركوب البحر: الجواز والمنع وضوابطه

ركوب البحر جائز أصلاً لدلالة القرآن وسكوت النبي صلى الله عليه وسلم، ويحرم إذا غلب على الظن الهلاك كهيجان الموج، ومن ركب في هذه الحالة فمات فهو ضامن لنفسه؛ يُضعف حديث النهي عن ركوب البحر إلا لغزو أو حج أو عمرة، ويُحمل النهي على حالة الخوف من الغرق، وقد توقف الشافعي في وجوب الحج على من وراء البحر لهذا السبب.

آراء العلماء في ركوب البحر وطهورية مائه

يستعرض المقطع آراء الصحابة والعلماء في ركوب البحر، مبيناً جوازه للحج والجهاد والتجارة، وكراهيته أو تحريمه عند غلبة الهلاك، مع تفريق الإمام مالك بكراهة ركوب المرأة لخوف كشف العورة. كما يؤكد إجماع الجمهور على طهورية ماء البحر مستدلين بحديث «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، مع ذكر خلاف يسير في الأفضلية للماء العذب.

طهارة ماء البحر وحلية ميتته وتفصيل المستثنيات

يبيّن المقطع أن ماء البحر طهور يجوز الوضوء به بالنص النبوي، رغم خلاف بعض الصحابة كابن عمر، وأن ميتة البحر حلال بأكلها إجماعاً مع استثناءات عند بعض الأئمة كالحية والضفدع والتمساح، ويُمنع ما ثبت ضرره منها.

التفريغ النصي الكامل

فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذروا، المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم، الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشيخ. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فها نحن في حلقة جديدة من حلقات المسائل الفقهية من قول خير البرية عليه الصلاة والسلام، وقد أقمنا في الدرس الذي مضى أول حديث من أحاديث الطهارة، وهو حديث أبي هريرة، وهو حديث ماء البحر كما يسميه العلماء، وقد ذكرنا إسناد هذا الحديث وصحته، ومن صححه من العلماء، وغير ذلك ذكرنا بعض المسائل، ومنها مسألة الطهارة في قوله: «طهور ماؤه»، ذكرنا الطهارة عند أهل العلم وما المقصود بها، وفي هذا الدرس إن شاء الله تعالى نأخذ بعض المسائل التي ذكرت في الحديث. وهنا قوله عليه الصلاة والسلام، أو قول السائل: «إنا نركب البحر، إنا نركب البحر»، قاله للنبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه، ففي ذلك دليل على إباحة ركوب البحر مطلقًا، وأن الأصل فيه الجواز لإباحته، أن ركوب البحر جائز والأصل فيه الجواز والإباحة، وهذا الذي يدل عليه كتاب الله سبحانه وتعالى، فإن الله جل وعلا قد ذكر ركوب الفلك وركوب البحر في غير ما موضع من كتابه سبحانه وتعالى، فقال جل وعلا: ﴿ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾، والمسير هو ركوب الدابة في البر، وكذلك السير على الأقدام، وكذلك المسير في البحر المراد به ركوب الفلك والسفن، وكذلك في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ ﴾. وأما في حالة غلبة الظن بالهلاك كالموج ونحوه، فإنه يحرم عند كثير من أهل العلم، وقد جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد وغيره وهو صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ركب البحر وهو في ارتجاجه فمات فهو ضامن»، من ركب البحر وهو في ارتجاجه فمات، ارتجاجه بمعنى كثرة موجه واضطراب هذا البحر، أو كما نقول عندنا باللهجة العامية: البحر زعل، فهذا هيجان الموج واضطرابه، ينبغي أن الإنسان إذا غلب ظنه بالهلاك أنه لا يجوز له أن يركب البحر لأنه يؤدي نفسه إلى الهلاك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ركب البحر وهو في ارتجاجه فمات فهو ضامن»، أي أنه قتل نفسه، ضامن على نفسه. وجاء في حديث أيضًا أخرجه البيهقي وغيره عن عبد الله بن عمر: «لا يركبن رجل بحرا إلا غازيا أو معتمرا أو حاجا، وإن تحت البحر نارا، وتحت النار بحرا»، فهذا الحديث لا يصح، قد ضعفه بعض العلماء كالإمام البخاري وغيره، وقال الإمام ابن عبد البر: إنه مظلم الإسناد، أي أنه ضعيف، وجاء عن بعض السلف أنه نهي عن ركوب البحر، لكن قال الإمام ابن عبد البر: إنه يحمل على حالة ظن الهلك من اشتداد الموج واشتداد الريح ونحو ذلك، فإنه ينهى عن ذلك ويكون محرما، ولهذا توقف إمام الشافعي رحمه الله في إيجاب الحج على من وراء البحر، فقال رحمه الله كما في الأم: «ما يبين لي أن أوجب الحج على من وراء البحر، ولا أدري كيف استطاعته». ومثل هذا أيضًا جاء عن عمر في الجهاد، كما أخرج ذلك عبد الرزاق من حديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب، قال: كان عمر يكره أن يحمل المسلمين غزاة في البحر، طيب، وهذا الأثر أيضًا يحمل في حالة شدة الموج وكذلك شدة الريح وغلبة الظن بالهلكة، فإنه حينئذ يكره ذلك بل يكون محرما، وقد رخص عمر في غير تلك الحالة كما رواه البيهقي عن ابن عمر أن تميم الداري رضي الله عنه سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن ركوب البحر، وكان عظيم التجارة في البحر، فأمره بتقصير الصلاة. ومن ذلك أيضًا ما جاء عن عبد الله بن عمر، أخرجه عبد الرزاق من طريق مجاهد عن عبد الله بن عمر أنه كان يكره ركوب البحر إلا لثلاث: غازيا أو حاجا أو معتمرا، لكن هذا الحديث فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، أو هذا الأثر، طيب، فهذا ما ذكر في هذه المسألة، وأن ركوب البحر يجوز، أن يركب الإنسان في البحر، إلا إذا كان البحر في ارتجاجه واضطرابه وغلب على الراكب الهلاك، فإنه لا يجوز له أن يركب. وإلا أن الإمام مالك رأيه رحمه الله في مسألة ركوب البحر قد فرق بين الرجل والمرأة، وقد روي عنه أنه يفرق بين الرجل والمرأة، فكان يقول: يكره ركوب المرأة في البحر مطلقا، وحمل ذلك على أن المرأة إذا ركبت السفينة فإنها حينئذ تحتاج إلى كشف عورتها مع قضاء حاجة ونحو ذلك، فإنها تتكشف، وهذا يغتفر في الرجل ما لا يغتفر في المرأة، وكذلك في ركوب السفينة فإنها حينئذ قد ترى عورات الرجال وترى أجساد الرجال في السفن، لأن ركوب السفن بحاجة إلى مشقة وكد مما يلزم منها أبداء الصدر والبطن والظهر وغير ذلك، وكذلك بحاجة إلى كشف العورة للضرورة، مما استدل به هذا كله مما استدل به الإمام مالك على منع المرأة وكراهية ركوب البحر لها، إلا أن ذلك في الغالب منتفي، وخاصة في وقتنا هذا، فإنه حينئذ تبقى المرأة على الأصل من إباحة ركوب البحر لها، لكن إن كان يحصل مثل ذلك في شيء من القوارب أو شيء، لأن القوارب مثلا إذا كانت صغيرة فهذه العلة موجودة، والمرأة قد تحتاج إلى قضاء حاجتها، وهذا قد يكون فيها تكشف لعورتها، فإذا كان مثل هذا فالأولى أن لا تركب المرأة البحر إلا إذا اضطرت لذلك، إلا إذا اضطرت لذلك. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»، قلنا أن الطهور بفتح الطاء والميم به الماء ذاته هو الذي يطهر المتطهر به، وقد ذكرنا ذلك في الدرس الذي مضى، وقوله هنا: «الطهور ماؤه»، وهنا «الطهور ماؤه» هو محل إجماع أكثر العلماء على أن ماء البحر طهور، إلا ما جاء عن بعض السلف من خلاف يسير، ممن قال عن عبد الله بن عمر وغيره، وإلا فقد جاء طهورية ماء البحر عن جماعة من الصحابة كما ذكر الإمام الترمذي رحمه الله، وأيضا كذلك جاء كما قلنا ذكر عن ابن عمر، وعن أبي بكر، عن عمر، وعن أبي بكر، وابن عباس، وجاء عن ابن سيرين، والحسن، وعكرمة، وغيرهم، وقد ذهب بعض العلماء إلى طهورية ماء البحر، ولكنهم جعلوا العذب أولى منه، وأن لا يلجأ إلى التطهر بماء البحر إلا عند فقدان الماء العذب، وهذا ما جاء عن سعيد بن المسيب، وكذلك النخعي، لكن الصحيح الذي دلت عليه الأدلة أنه جائز أن يتوضأ بماء البحر، وهذا الحديث يدل على ذلك، هذا الحديث يدل على أنه يجوز أن يتطهر بماء البحر، وقد ذهب بعض الصحابة إلى كراهة ذلك كما جاء عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمر، بل بعضهم ذهب إلى عدم طهارة ماء البحر وعدم مشروعية الوضوء به، كما أخرج ذلك ابن عبد البر عن عبد الله بن عمر أنه يقول: «التيمم أحب إلي من الوضوء من ماء البحر»، هذا جاء عنه بإسناد صحيح، وهذه مخالفة لهذا الحديث، هذا القول في خلاف لهذا الحديث، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى وسلم. وجاء كذلك عن عبد الله بن عمر أيضا بإسناد صحيح أنه قال: «ماء البحر لا يجزئ من وضوء ولا جنابة، إن تحت البحر نارا، ثم ماء، ثم نارا»، وهذا يدل على أنهما، أي عبد الله بن عمر وابن عمر، لا يريان الإجزاء بماء البحر، وهذا لا يقابل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى وسلم، والمهم أن ماء البحر طهور، والخلاف فيه مقابل لنص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد يحمل ذلك على أنه لم يصلهم الحديث، لم يصلهم حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فللهذا نقول أنه يجوز نتوضأ بماء البحر. وقوله هنا: «الحل ميتته»، أي الحلال، الحلال ميتته، وميتة البحر حلال بإجماع أهل العلم، إلا أنه مختلف في استثناء بعض ميتة البحر، فقد قال بعضهم: أن ميتة البحر حلال إلا ما كان على صورة حيوان كالكلب أو صورة الآدمي ونحو ذلك، كما هو مذهب أبي حنيفة، وذهاب أحمد في المشهور عنه، إلى أن ميتة البحر حلال إلا الحية والضفدع والتمساح، وقال بأن الحية والضفدع هي من المستخبثات، وأن التمساح يعد ممن قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذو ناب ونهى عنه، والذي على جمهور العلماء أن ميتة البحر كلها تعد مباحة وحلال، بنص قول النبي صلى الله عليه وسلم، عما سوى استثناء الإمام أحمد رحمه الله، فيقال أن الضفدع ليست، لا تعد من ميتة البحر أو من أسماك البحر، لأنه لا يمكث في البحر دوما ولا يمكث في البر، فإنه بينهما، ولهذا أيضا كذلك التمساح فإنه يعيش بين البر والبحر، وكذلك السلحفاة، فيحكم عليها بحكم آخر ليس هذا الحكم، وإلا فالحكم الصحيح أن كل ما كان في البحر من أسماك فإنها جائزة أكلها، إلا ما كان فيه ضرر، فإنه لا ضرر ولا ضرار، ما كان فيه ضرر وتحقق ذلك الضرر فإنه لا ضرر ولا ضرار. فهذا خلاصة ما يذكر في هذه الحلقة إن شاء الله تعالى، فنكتفي بهذه المسألة، وإن شاء الله تعالى في درس لاحق نذكر مسألة المياه، الماء المطلق، والماء الذي أصابته شيء من الطهارات، والماء الذي أصابه شيء من النجاسات، وإن شاء الله تعالى نترك ذلك في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذروا، المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم، الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشيخ، شكرا.