الدرس في التعليق على دليل السالك إلى ألفية ابن مالك 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبدأ الدرس بشرح ألفية ابن مالك ومقارنتها بألفية ابن معطي، مع التركيز على مميزات كل منهما. يُظهر ابن مالك تفوقًا في اللفظ والمعنى وتنظيم المسائل النحوية.
يناقش الدرس تعريف الكلام في اللغة والاصطلاح، حيث يُعرَّف في اللغة بأنه اللفظ الموضوع لمعنى، بينما يُعرَّف في الاصطلاح بأنه اللفظ المفيد. يُشرح الفرق بين المعنى والإفادة، ويُوضح أن الإفادة تتطلب تركيبًا.
يُفصّل الدرس الكلام والكلم والكلمة، حيث يُعرَّف الكلام بأنه اللفظ المفيد، والكلم بأنه ما تركب من ثلاث كلمات فأكثر، والكلمة بأنها اللفظ الموضوع لمعنى مفرد. يُوضح الفرق بين هذه المصطلحات.
يشرح الدرس الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، ويبين معنى الكلام والكلم وعلاقة العموم والخصوص بينهما، موضحًا أن الكلام هو ما أفاد معنىً مستقلًا.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، فقد توقفنا عند قوله: «وأستعين الله» في ألفية ابن مالك. قال: وقوله «في ألفية» بمعنى «على»، لأن الاستعانة وما تصرف منها تتعدى بـ«على». وقولنا هذا من باب التناوب في حروف الجر. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾، فقال: «المستعان على ما» ولم يقل «المستعان في ما تصفون»، فدل على أن الفعل «أستعين» إنما يجري بـ«على» لا بـ«في». فإذا جاءت فيه، فهو من باب النيابة. قالوا: ألفية؛ أي: عدد أبياتها ألف بيت، من بحر الرجز. وبحور الشعر معلومة لدى أهل الشعر. فهذه الألفية كلها من هذا البحر؛ باب الرجز. وقد قيل: إنها تنقص ستة أبيات، وقيل: أكثر. وقد وجد من شراحها من يزيد أو ينقص بعض الأبيات. وقد جاءت مقدمة الألفية في سبعة أبيات، وهذه التي ذكرها أولًا. قال: والختام في أربعة؛ هذه سبعة وأربعة: 11 بيتًا، ليس لها علاقة بعلم النحو. بل هي مقدمة وخاتمة، والباقي يختص بالمادة العلمية، وعددها 991 بيتًا، فوق 11 بيتًا، صار المجموع ألفًا واثنين. قال: فيكون المجموع ألفًا واثنين، وهذا العدد هو المثبت في شراحي هذا، وهي الطبعة التي عليها شرح ابن عقيل وغيره. وإنما سميت الألفية مع زيادة البيتين؛ أولًا: لاختلاف النسخ، فقد تكون هي ألف بيت، لكن ربما بعض النساخ زاد بيتين. هذا أمر. الأمر الثاني: من باب جبر الكسر، فالاثنان لا يؤثران في الألف. فهي أقرب إلى الألف. أقرب إلى الألف. فأنتم في هذا الكتاب، عدد أبيات هذه الألفية مع المقدمة والخاتمة ألف وبيتان. قال: وقوله «مقاصد النحو» بها «محوية». وصفها بذلك ليعتني بها الطالب حفظًا وفهما، وهذا من باب التشويق. قال: «ومقاصد النحو مهماته»؛ يعني: أهم مباحثه. يقال لها: المقاصد. ومعنى «محوية»: أي: مجموعة. فوصف هذه الألفية بأنها حوت وجمعت أهم مسائل النحو. والأمر كما قال؛ كما سترون في هذه الألفية. قال: قوله «تقرب الأقصى بلفظ موجزي»؛ أي: تقرب المعنى البعيد، وغوامض المسائل. وهذا أيضًا من التشويق. ومن ذلك حث المؤلف على الاعتناء بهذه الألفية، فمن صفاتها أنها تقرب الأقصى؛ أي: تقرب المعنى البعيد، وغوامض المسائل تقربها للأفهام بلفظ موجز. وتعريف اللفظ الموجز: كما قال: «قليل الحروف كثير المعنى»؛ يعني: ألفاظ قليلة، لكن معانيها غزيرة وكثيرة. هذا هو معنى الموجز. قال: قوله «وتبسط البذل بوعد منجزي»؛ البذل: أي: العطاء. وتبسط: أي: توسع. والوعد المنجز: الموفى به بسرعة. وهذا أيضًا من التشويق من المؤلف للطالب، وحثه على الاعتناء بها. فهي أيضًا توسع العطاء والإدراك لدى الطالب، الموفى به بسرعة؛ يعني: سرعان ما يأخذ الطالب هذا العطاء، وهذا العلم. قال: قوله «وتقتضي رضا بغير سخطي»؛ أي: تطلب الرضا من قارئها غير مشوب بالسخط. فلا يعترض على مؤلفها كثيرًا؛ يعني: ما يتضجر ويسخط الطالب عند قراءته لهذه الألفية؛ لسهولتها وسلاستها، وكذلك قلة التكلف فيها ونحو ذلك. فإذا قرأها الطالب، لا يسخط على مؤلفها، بل يرضى بذلك. قوله: «فائقة ألفية ابن معطي»؛ وهو الشيخ أبو الحسن يحيى بن عبد المعطي بن عبد النور الزواوي؛ نسبة إلى زواوة: اسم قبيلة، موطنها شمال إفريقيا. ولد سنة 564 للهجرة في بجاية، على ساحل البحر الأبيض. وهو صاحب الألفية المشهورة: ألفية ابن معطي، وغيرها من الكتب. وقد شرح ألفيته كثيرون؛ يعني: ألفية ابن معطي. منهم: عبد العزيز الموصلي، من علماء القرن السابع، وشرحه مطبوع في مجلدين. مات ابن معطي سنة 628 للهجرة بمصر. وألفية ابن مالك تفوق ألفية ابن معطي لفظًا ومعنى. قال: أما اللفظ؛ فلأنها من بحر واحد، وهو بحر الرجز. وألفية ابن معطي من الرجز والسريع. فابن معطي جمع في ألفيته بين الرجز والبحر السريع، لكن ابن مالك لم يوجد في ألفيته إلا بحرًا واحدًا، وهو: البحر الرجز. فهذا لشك أن ابن مالك فاق بذلك ابن معطي. هذا معنى «في اللفظ». ولك ما نصه على ذلك؛ يعني: نص ابن معطي في ألفيته على ذلك؛ أن هذه الألفية من الرجز والسريع. قال: ومعنى؛ لأنها؛ يعني: أيضًا ألفية ابن مالك تفوق ألفية ابن معطي في المعنى؛ لماذا؟ لأنها أكثر منها أحكامًا. فقد استوعبت جل مسائل النحو؛ يعني: ألفية ابن مالك. أما ألفية ابن معطي؛ فقد أغفلت عن بعض المسائل. وهذا لا شك أنه مزية لألفية ابن مالك على ألفية ابن معطي. كذا قيل في توضيح عبارة ابن مالك. قال: فأولًا: أن ابن معطي هو صاحب الفكرة، وهو المبدع في هذا المجال. فقد كتب ألفيته على نسق ونمط لم يسبق إليه. وكفاه بذلك فخرًا. وابن مالك سار على منواله. ولا شك أن هذه فضيلة لابن معطي؛ كونه هو الذي ابتكر هذه الفكرة؛ يعني: ألف ألف بيت في باب النحو. هو صاحب الفكرة، هو المخترع لهذه الفكرة. أما ابن مالك فتبع ابن معطي، فألف على منواله. فإذن: هذه فضيلة لابن معطي على ابن مالك. قال: وثانيًا: أن لألفية ابن معطي مزايا ليست لألفية ابن مالك، يتبينها الدارس لهما؛ يعني: من درس ألفية ابن معطي وألفية ابن مالك يقارن بينهما، فيعرف المزايا التي اختصت بها ألفية ابن معطي. قال: منها: أن ألفية ابن معطي مملوءة بالآيات القرآنية والشواهد الشعرية، وهذا قليل في ألفية ابن مالك. وكما ذكرنا: أن الاستدلال بالشواهد القرآنية، وكذلك الشواهد الشعرية، مما هو مفضل على التمثيل بكلام الناس. فإن الطالب لربما ضبط القاعدة بآيات يحفظها، لكن كلام الناس ربما لا يحفظ. هذا مزية. قال: ومنها: أنه يبدأ بالتعريف، ثم يذكر الأحكام. وهذا مفقود في مواضع مهمة في الألفية؛ فلربما ابن مالك يكتفي بذكر المثال عن التعريف، وعن ذكر الحكم، وعن ذكر الشرط. لكن ابن معطي يذكر في ألفية التعريف مع التنصيص على الأحكام. وهذا أيضًا مزية وفضيلة اختصت بها ألفية ابن معطي. قال: ومنها: سلاسة الأسلوب وسهولة التعبير وإشراق المعنى؛ هذا أيضًا مما اختصت به ألفية ابن معطي. قال: وفي ألفية ابن مالك يظهر حسن الترتيب والتبويب والتنظيم والتنسيق، مما يجعلها سهلة الاستيعاب. في حين أن ألفية ابن معطي خلت من التبويب؛ يعني: سرد الأحكام سردًا دون أن يبوّب لها. هذا ابن معطي. أما ابن مالك فإنه يبوّب؛ كما سيأتي معنا؛ مثلًا: باب المبتدأ، باب الخبر، باب كذا... ثم يذكر الأبيات الواردة فيها. أما ابن معطي: لا يذكر الألفية؛ يعني: سردًا دون تبويب. ولا شك أن ابن مالك فاق ابن معطي في هذا الترتيب والتنسيق. قال: فإنه قد نظمها نظمًا متصلًا، وكأنها تبحث في موضوع واحد. جزى الله هذين العالمين خيرًا على ما بذلا من جهد ووقت. فكلاهما خدم هذه اللغة؛ القرآن. قال: قال قوله: «وهو بسبق حائز تفضيل»؛ أي: هو أفضل مني. يقول ابن مالك في ابن معطي: هو أفضل مني؛ لسبقه إياي. لأن ابن معطي متقدم على ابن مالك. ابن معطي متقدم على ابن مالك؛ كما سيأتي من خلال تاريخ ولادة العالمين. قال: فإن ابن مالك ولد سنة 600 للهجرة، ومات سنة 672 للهجرة. فهو ولد إما في نهاية القرن السادس، أو في بداية القرن السابع. وابن معطي ولد سنة 564 للهجرة، ومات سنة 628 للهجرة. فهو في منتصف القرن السادس. بعد منتصف القرن السادس ولد ابن معطي. أما ابن مالك فهو في نهاية القرن السادس أو في بدايته. فمن المتقدم؟ ابن معطي. المتقدم: ابن معطي. فقوله هنا: «وهو بسبق حائز تفضيلة»؛ أي: هو أفضل مني؛ لسبقه إياي في السن، وفي التأليف. قال: قوله: «مستوجب ثنائي الجميلة»؛ أي: لانتفاع به بما ألفه، واقتداء به. وهو يشير بذلك إلى فضل المتقدم على المتأخر، وما يستحقه السلف من ثناء الخلف ودعائهم. وهذا يدل على حسن سرائرهم، وصدق نياتهم. فلا مجال للعداوة والحسد فيما بينهم. فيثني الخلف على السلفي. قال: فإن ابن مالك تابع لابن معطي في هذا النوع من التأليف، ومستفيد منه. فذاك ألف ألفية، وهذا تبعه فألف ألفية. لأن ابن معطي كتب ألفيته على نسق لم يسبق إليه؛ يعني: أول من ألف ألف بيت في النحو؛ كما تقدم. والألف في قوله: «والألف في قوله الجميلة»؛ الجميلة: الألف للإطلاق. وهي الألف التي تلحق حرف روي إذا كان متحركًا. الجميلة أصلا اللام متحرك. فتلحق هذه الألف من باب الوزن؛ وزن البيت. ومن أجل كذلك أن يكون حرف الروي واحدًا. تلاحظ في هذه الألفية حرف الروي الغالب أنه واحد؛ الشرف، الجميلة... وهكذا. نعم. يكون في الصدر وفي العجز. قال: هنا «مصليًا على النبي المصطفى»؛ الشرف: تفضيل الجميلة. فهذا يسمى الإطلاق؛ ألف الإطلاق؛ من أجل الروي. قال: وتسمى القافية المطلقة، وتقابلها القافية المقيدة؛ وهي ما كان فيها حرف الروي ساكنًا؛ مثل ما جاء في قوله: «طيب وافرة الآخرة». هذا يسمى حرف روي ماذا؟ مقيد؛ لأنه ساكن. قال: وقوله: «والله يقضي بهبات وافرة لي وله في درجات الآخرة»؛ قال: هذا دعا من ابن مالك. دعا أولًا لنفسه، ثم دعا لابن معطي. فقال: «والله يقضي بهبات وافرة»؛ سيأتي ما معنى «وافرة»؛ يعني: تامة. «لي وله»؛ بدأ بنفسه. قال: ولو عم المسلمين بالدعاء لكان أولًا. وهنا دعا لنفسه ولابن معطي فقط. فلو دعا للمسلمين جميعًا لكان أولًا. قال: وقد قدم نفسه. وقال: «لي وله»؛ «لي»: الياء هنا: ياء المتكلم. واضح. و«له»: الهاء هنا: ها الغائب. فأولًا دعا لنفسه، ثم دعا لغيره. قال: لحديث أبي بن كعب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه». والحديث عند الترمذي، وهو حديث صحيح. قال: والهبات: العطايا. وآفة: هل أحد راجع الحديث؟ «اللهم لا سهل...» ماذا يقول الشيخ الألباني؟ صحيح أو حسن؟ أنا أعرف أنه صحيح. نعم. قال: بسم الله الرحمن الرحيم «الكلام وما يتألف منه». طبعًا هذا التبويب لابن مالك. طيب. لابن مالك. أما الذي في الحاشية فهو للشارح. قوله: تعريف الكلام والكلم؛ هذا من صنيع الشارح. أما التبويب في قوله: «الكلام وما يتألف منه»؛ هذا قول من قول ابن مالك. قال: «كلامنا لفظ مفيد كاستقم، واسم وفعل ثم حرف الكلم، واحده كلمة والقول عم، وكلمة بها كلام قد يؤم». قال: الكلام لغة: اللفظ الموضوع لمعنى مفيد أو غير مفيد. وهذا هو الصحيح. وكما عبر ابن فارس في تعريف الكلام لغة: هو «نطق مفهم». النطق: بمعنى اللفظ. وخطأ أن يعرف الكلام في اللغة: هو اللفظ هو ما دل على معنى بإشارة بلفظ أو بإشارة أو نحو ذلك. هذا خطأ. لا يسمى كلامًا. ما كان ما أفاد بإشارة أو بكتابة؛ هذا لا يسمى كلامًا؛ لا في اللغة ولا في الاصطلاح. وإنما أراد بعض أهل البدع أن يدخلوا مسألة عقدية في باب العقيدة؛ بأن كلام الله ليس كلامًا يليق بجلاله بحرف وصوت، وإنما هو بعبارة أو بمعنى أو بما في نفس الله عز وجل. فهذا غير صحيح. فالكلام في اللغة لا بد أن يكون بلفظ. إذا قال هنا: «اللفظ الموضوع»؛ سيأتي معنا أنه قال في آخر التعريف: أن هذا هو الكلام عند النحاة، وعند علماء اللغة؛ تقييده باللفظ. تقييده باللفظ. وأما المعنى؛ فقد يفيد وقد لا يفيد. هذا في اللغة. قد يفيد وقد لا يفيد. فقولنا مثلًا: «محمد»؛ هذا كلام عند أهل اللغة، وليس بكلام عند أهل الاصطلاح؛ لأنه لم يفد، وليس بمركب أصلا. طيب. ولو قلنا: «إن جاء محمد»؛ هذا كلام في اللغة، وليس كلامًا في الاصطلاح؛ لأنه لم يفد. واضح. هذا الآن. وقولنا: «جاء محمد»؛ هذا كلام في اللغة وفي الاصطلاح؛ لأنه لفظ؛ بغض النظر أفاد أو لم يفد. فهمتم هذا الآن. وهناك دليل في القرآن أن الإشارة ليست بكلام؛ أن الإشارة ليست بكلام. ما هي هذه الآية؟ ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾. نعم. في أول قبل هذه الآية قالت: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾؛ فلن أكلم اليوم إنسيا. فهي نذرت ألا تكلم إنسيا. فلما كلموها ما لفظت بشيء من الكلام، لكنها أشارت. فلو كانت الإشارة كلامًا؛ لنقضت ونكثت يمينها وندرها. فهمتم هذا الآن. فدل ذلك على أن الإشارة ليست بكلام؛ لابد من وجود اللفظ. لابد من وجود اللفظ. فهذا الكلام في اللغة: «اللفظ الموضوع لمعنى». فـ«محمد» له معنى؛ وهو علم على شخص. على إنسان. لا يمكن أن يتصور أنه جاء أسد أو جاء حجر؛ لا. جاء إنسان. فهذا هو المعنى. واضح. هذا هو المعنى. لكن الإفادة: أن هذا المعنى يحسن سكوت المتكلم عليه. هذا معنى ماذا؟ الإفادة. حسن سكوت المتكلم على هذا الكلام. فلو قال: «إن جاء محمد»؛ هذا كلام في اللغة وفي الاصطلاح؛ في اللغة وفي الاصطلاح؛ لكنه كلام غير مفيد؛ في ماذا؟ في اللغة ولا في الاصطلاح؛ غير مفيد؛ لأنه ناقص. الشرط: أنت ذكرت الآن فعل الشرط. أين الجواب؟ جواب غير موجود. واضح. فإذن: فرق بين المعنى وبين الإفادة؛ بين المعنى وبين الإفادة. وأما اصطلاحًا: قال: «اللفظ المفيد». والإفادة لا شك أنها لا تكون إلا بالتركيب. ولذلك بعضهم يفصل في تعريف الكلام؛ فيقول: هو «اللفظ المركب المفيد». فبعضهم قال: لا داعي للفظة «مركب»؛ لأن المفيد لا يكون إلا مركبًا. أما إذا كان غير مركب؛ فلا يكون مفيدًا. فلو قلت: «محمد» وسكت؛ هذا ليس بكلام في الاصطلاح؛ لأنه غير مفيد؛ ولذلك غير مركب. واضح. فقال هنا: «اللفظ المفيد». قال: المراد بالمفيد: ما يفهم منه؛ أو ما يفهم منه معنى يحسن السكوت عليه؛ بحيث لا يبقى السامع منتظرًا لشيء آخر. فلو قلت: «إن حفظتم الدرس كافأتكم بجائزة ثمينة»؛ هذا كلام. خلاص. فهمتم القصد من هذا الكلام. لكن لو قلت: «لو ذكرتم أو حفظتم الدرس» وسكت؛ الآن أنتم منتظرون المكافأة. ليش؟ هذا المكافأة. الأسماع لا تزال منتظرة لكلام. صح. إذن: هذا كلام غير مفيد. هذا كلام غير مفيد. فهمتم هذا الآن. قال: مثاله: «الله ربنا، ومحمد صلى الله عليه وسلم نبينا»؛ هذا كلام مفيد؛ لفظ مفيد. لكن لو كتبت في السبورة دون تلفظ؛ هذا لا يسمى كلام. طيب. الكتابة والإشارة لا تسمى كلام. لو جاء إنسان وقال: «أين عائض؟» قلنا: هذا. فهم منه. فهم أن هذا عائض. لكن هل هذا يعد كلامًا؟ لا يعد كلامًا؛ لأنه إشارة؛ لا في اللغة ولا في الاصطلاح. فهمتم هذا الآن. قال: وقوله: «اللفظ»؛ أي: الصوت المجتمل على بعض الحروف الهجائية؛ بخلاف الإشارة والكتابة، وعقد الأصابع؛ يعني: ضمها. أو نحو ذلك. ونحو ذلك؛ فلا يسمى كلامًا عند النحاة، ولا عند علماء اللغة. وهو ليس بكلام؛ لا في الاصطلاح ولا في اللغة. قال: وقوله: «المفيد» يخرج الكلمة؛ أو يخرج الكلمة. هذا اللفظ المفيد يخرج الكلمة؛ نحو «خالد». هذه كلمة؛ لأنها ليست مركبة. والمركب الإضافي الذي هو عبارة عن كلمة واحدة في المعنى؛ نحو «أبو عبد الله». أبو عبد الله مكون من «أبو» و«عبد» ولفظ الجلالة. هذا كله يسمى تركيبًا إضافيًا. أضفت «أبو» إلى «عبد»، وأضفت «العبد» إلى لفظ الجلالة. هذا يسمى تركيبًا إضافيًا. هذا كلمة؛ يعني: في مقام كلمة واحدة. قال: والإسناد المتوقف على غيره؛ الإسناد: يعني: أتيت بكلام لا يفهم إلا إذا أضفت إليه غيره من الكلام؛ نحو «إن قدم هشام». هذا الآن شرط يحتاج إلى جواب. الجواب غير موجود. إذن: هذا ماذا؟ هذا ليس بمفيد. هذا ليس بمفيد. فإذا المفيد يشترط أن يكون مركبًا؛ لكن ليس تركيبًا إضافيًا. وإنما تركيبًا يحسن سكوت المتكلم عليه. قال: فإن الاقتصار على مثل ذلك لا يفيد. قال: وقال: «ما يتألف منه الكلام»؛ إسمان مثل: «الغيبة محرمة». الغيبة: مبتدأ. ومحرمة: خبر. إذن: هاتان كلمتان. وهو كلام؛ لأنه لفظ مفيد؛ لأنه لفظ مفيد. أو فعل واسم مثل: «جاء الحق». جاء: فعل. والحق: فاعل. إذن: هذا كلام؛ لغة واصطلاحًا؛ لأنه لفظ مفيد. قال: أما الكلم: فهو ما تركب من ثلاث كلمات فأكثر؛ سواء أفاد؛ نحو: «العدل أساس الملكي». أو لم يفد؛ نحو: «إن حضر ضيف». هذا هو الكلم. الكلم: ما تركب من أكثر من ثلاث كلمات فأكثر. فقوله: «الغيبة محرمة»؛ هذا ليس بكلم. لماذا؟ الغيبة محرمة؛ هذا ليس بكلم. لماذا؟ أقل من ثلاث كلمات. ومثله: «جاء هشام». أو قد تقول: نعم. «جاء الحق». هذا كلام وليس بكلم. فاصطلح أن الكلم هو ما تركب من ثلاث كلمات؛ بغض النظر: هل هؤلاء الكلمات الثلاث أفادت أو لم تفد؟ أفادت أو لم تفد؟ أهم شيء أنها ثلاث كلمات أو أكثر من ثلاث كلمات؛ فهذا تسمى كلم. تسمى ماذا؟ كلم. مثل ما مثل هنا: «العدل أساس الملك»؛ هذا يسمى كلم. وهو ثلاث كلمات. وهو كلام مفيد. فهو كلم وكلام. وهو كلم وكلام؛ في اللغة وفي الاصطلاح. واضح. أو لم يفد: نحو «إن حضر ضيف». «إن حضر ضيف»: ثلاث كلمات: «إن» و«حضر» و«ضيف». وهذا معنى قوله: «واسم وفعل ثم حرف الكلم». بمعنى أن الكلم ينقسم إلى ثلاثة أنواع: اسم وفعل وحرف. واضح. وهذا ما جمع في المثال الثاني: «إن حضر ضيف». هذا «إن حضر ضيف» جمع اسمًا وفعلًا وحرفًا. أين الحرف؟ «إن» الشرطية. وأين الفعل؟ «حضر». وأين الاسم؟ «ضيف». فهذا يسمى كلم؛ مع أنه لم يفد؛ لأن الجواب غير موجود؛ لم يفد. ومع هذا يسمى ماذا؟ كلم. يسمى كلم. فالكلم هو ما تكون من ثلاث كلمات فأكثر؛ أفاد أم لم يفد. وهو كما سيأتي معنى. قال: والكلم: اسم جنس جمعي. يفرق بينه وبين مفرده بالتاء؛ فيقال: «كلمة». هذا يسمى اسم جنس جمعي. واسم الجنس الجمعي: هو بمعنى الشيوع والعموم. فلما تقول: «الكلم»؛ مثل ما تقول: «الشجر». شجر وشجرة. وبقر وبقرة. فكل ما له مفرد بزيادة التاء، وهو بمعنى الشيوع والعموم؛ هذا يسمى اسم جنس جمعي. جنس؛ لأنه شائع في جنس يدل على العموم. طيب. وجمعي؛ لأنه يجمع جميع الأفراد. فلما تقول: «بقر»؛ يجمع جميع الأبقار. واضح. وليس بجمع؛ يعني: مذكر سالم. ولا بجمع تكسير. ولا بجمع مؤنث سالم. فلذلك سموه باسم مستقل. فقالوا: «اسم جنس جمعي». وضابطه: أن يكون مفرده بالتاء؛ «كلم كلمة، شجر شجرة، بقر بقرة»... وهكذا. واضح. قال: والكلمة الآن؛ معنى تعريف الكلام، ومعنى تعريف الكلم. والآن سيعرف الكلمة. وكلها وردت في هذين البيتين. «الكلام» قال: «كلامنا»؛ يعني: الاصطلاح. «كلامنا»: إضافة النون إليه هنا يريد الكلام الاصطلاحي؛ «لفظ مفيد». لأن الكلام اللغوي قد يفيد وقد لا يفيد. فقوله: «كلامنا» يريد الكلام المفيد الاصطلاحي. وقوله: «الكلم» يريد أنواع الكلمة الثلاثة: اسمًا وفعلًا وحرفًا. ولذا قال: «اسم وفعل ثم حرف الكلم»؛ يعني: هذه الثلاثة تسمى كلم إذا اجتمعت؛ مثل: «إن حضر ضيف». وقوله: «واحده كلمة»؛ يعني: واحد الكلم. قلنا: الكلم اسم جنس جمعي. ما هو واحده؟ واحده: يعني: مفرده. «كلمة»: مفرده. ماذا؟ كلمة. ولذا قال: «واحده كلمة». «واحده كلمة». قال: والكلمة: هي «اللفظ الموضوع لمعنى مفرد». لفظ؛ لكن معناها مفرد؛ ليس مضافًا إلى غيره؛ ليس مضافًا إلى غيره. وعرف المفرد بأنه: «ما لا يدل جزءه على جزء معناه»؛ كما ذكر ذلك ابن هشام. ما معنى «ما لا يدل جزءه على جزء معناه»؟ يعني: إذا فصلت أحرفه لا تدل على معنى مستقل. فلو قلت: «زيد» مكون من الزاي والياء والدال. صح. لو أخذت الزاي وحده؛ هو جزء من «زيد». صح. الزاي هذا من «زيد»؛ هو جزء من «زيد». هل يدل على معنى؟ لا يدل على معنى. إذن: «زيد» هذا مفرد. لكن لو قلت مثلًا: «أبو عبد الله». هذه الكلمة ليست مفردة؛ مركبة. وإن كان تركيبها إضافيًا. لماذا؟ لأن جزءها يدل على جزء معناها. فلو قلت: «أبو» هل يدل على معنى؟ نعم. الأب معروف. «عبد أبو محمد» مثلًا. هل «محمد» يدل على معنى؟ نعم. فـ«أبو محمد» هذا ليس بكلمة؛ لأن جزءها لا يدل على جزء معنى. هذا معنى قوله: «اللفظ الموضوع لمعنى مفرد». عرفنا ما معنى المفرد. إذن: معنى الآن تعريف الكلام، تعريف الكلمة، تعريف الكلمة، وتعريف المفرد. المراد به: لمعنى مفرد. قال: والكلمة ثلاثة أقسام: اسم وفعل وحرف. فالاسم: مدل على معنى في نفسه من غير إشعار بزمن؛ مثل: «الكتاب». فهو يدل على معنى؛ والأوراق التي فيها الكلام وتتصفح؛ هذا يسمى أوراق. يسمى كتاب. يسمى ماذا؟ كتاب. فإذن: هذا معنى في نفسه. لكن هل مقرون بزمن؟ هل يشعر بزمن؟ لا يشعر. هذا يسمى. قال: والفعل: مدل على معنى في نفسه، وأشعر بهيئته بأحد الأزمنة الثلاثة؛ مثل: «كتب يكتب وكتب». والأزمنة الثلاثة: الماضي والمضارع والماضي والحاضر والمستقبل؛ الماضي الذي مضى، والحاضر: يعني أثناء الكلام، والمستقبل: بعد الكلام. فما أشعر بزمن بعد زمن التكلم؛ فهذا للاستقبال. تقول مثلًا على سبيل المثال: «يقدم إلينا ضيف». هو ما قدم إلى الآن. متى سيأتي؟ بعد أن أسكت. ربما يطل علينا أو بعد يوم أو بعد يومين. واضح. هذا الآن. فما دل وما أشعر على زمن بعد زمن التكلم؛ فهذا يسمى الزمن المستقبل. تمام. هذه الأزمن الثلاثة. وما دل على قبل زمن التكلم؛ فهذا الماضي. تقول: «جاء زيد». قولك «جاء» قلت ذلك بعد مجيئه. بعد ما جاء قلت: «جاء زيد». فزمن المجيء كان قبل زمن التكلم. وأما ما وقع أثناء زمن التكلم؛ فهذا يسمى الحاضر. واضح. الزمن الحاضر مثل ما تقول مثلًا: «يكتب محمد» وهو يكتب الآن. واضح. فهذا يدل على الزمن الحاضر. هذه الأزمن الثلاثة. قال: والحرف: مدل على معنى في غيره. وهو غير مقرون بزمن؛ مثل: «الواو». لا تدل على معنى في نفسها؛ بل في غيرها؛ مثل: «والله». فلا تدل على القسم إلا إذا جاءت مع المقسم به؛ وهو الله سبحانه وتعالى في هذا المثال. «والله إن الحق منتصر». قال: وبين الكلام والكلم: عموم وخصوص من وجه. ما معنى «عموم وخصوص من وجه»؟ يعني: يجتمعان فيما أفاد؛ يعني: يجتمعان في شيء ويفترقان في شيء. يجتمعان في شيء ويفترقان في شيء آخر. فما الذي يجتمعان؟ يجتمعان فيه الكلام والكلم. قال: يجتمعان فيما أفاد؛ لأن الكلام في الاصطلاح لا بد أن يفيد. وقلنا: الكلم قد يفيد وقد لا يفيد. فإذا قلنا مثلًا على سبيل المثال: لو قلنا: «ضرب زيد عمرًا»؛ هذا كلام وكلم؛ كلام وكلم؛ كلام؛ لأنه أفاد. وكلم؛ لأنه أكثر من ثلاثة؛ أو أنه ثلاث كلمات. فهو كلام وكلم. واضح. فيجتمعان في الإفادة إذا كان الكلام ثلاث كلمات فأكثر. قال: ويتألف من ثلاث كلمات فأكثر؛ نحو: «قد قامت الصلاة». هذه الآن كم كلمات؟ ثلاث كلمات: «قد» و«قام» وتاء التأنيث و«الصلاة». قال: ما ليش؟ «قد» حرف. و«قامت» فعل. و«الصلاة» فاعل. والتاء: أربع أو ثلاث؟ أربع. أكثر من ثلاث كلمات. نعم. قال: وينفرد الكلم فيما لم يفد؛ نحو: «إذا جاء أخوك». فـ«إذا جاء أخوك»؛ هذا كلم وليس بكلام؛ لأنه لم يفد؛ لأنه لم يفد. وقلنا: الكلم ما تركب من ثلاث كلمات؛ أفاد أم لم يفد. هنا لم يفد. فهنا كلم فقط. إذن: اجتمعا في شيء وافترقا في شيء. فهذا معنى قولهم: «بينهما عموم وخصوص». العموم في الإفادة إذا كان أكثر من ثلاث كلمات. وعدم العموم؛ وهو الخصوص إذا كان ثلاث كلمات، لكنه لم يفد؛ لم يفد. وينفرد الكلام فيما أفاد ولم يتألف من ثلاث كلمات؛ نحو: «الصدق فضيلة». هذا كلام وليس بكلم. لماذا؟ ليس بكلم؛ لأنه أقل من ثلاث كلمات. فهذا انفرد به الكلام. إذن: اجتمعا في شيء، وكل واحد افترق في شيء آخر. وهذا الآن. فهذا هو معنى قولهم. طيب. نترك القول إن شاء الله إلى درس قادم. ننتهي الوقت. نكتب بهذا وإلى هنا.