الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 65، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تحدد الآية عدة المرأة التي يموت زوجها بأربعة أشهر وعشرة أيام، وتستثني الحوامل فتنتهي عدتهن بوضع الحمل سواء طالت المدة أو قصرت، كما أن عدة الأمة نصف عدة الحرة في الأحكام كحد الزنا، وتنتهي العدة ببلوغ الأجل فيحل للمرأة التزين والطيب بالمعروف.
يجب الإحداد (ترك الزينة) على المرأة المتوفى عنها زوجها خلال العدة وهو مجمع عليه، بينما لا يجب على المطلقات في عدة الطلاق أو الخلع، والآية ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تحذر من التساهل في الإحداد.
الولي مسؤول عن إلزام المرأة بترك المحرمات وفعل الواجبات خلال عدتها، مستدلاً بقوله تعالى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ﴾، ويختتم الدرس بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾. قال رحمه الله: أي إذا توفي الزوج مكثت زوجته متربصة أربعة أشهر وعشرة أيام وجوبًا، يعني تتربص بأن تمتنع من النكاح والزواج بعد موت زوجها، تجلس هذه الفترة لا تتزوج حتى تنتهي، فتمكث أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليها، وتمتنع عن كل ما يدعو إلى نكاحها من التجمل لاستياب الزينة والحلي والاكتحال واستعمال الطيب، وترك ذلك مما فيه معنى الزينة. قال: والحكمة في ذلك ليتبين الحمل في مدة الأربعة، أي الأربعة أشهر، ويتحرك في ابتدائه في الشهر الخامس، لأن الحمل كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن مسعود: يكون أربعين يومًا نطفة، ثم علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفق فيه الروح، أي بعد مائة وعشرين يومًا، ففي خلال هذه الأشهر الأربعة إن كان هناك حمل سيتبين، فإذا تبين الحمل فإن حينئذ ستعتد بالحمل، ستبقى في العدة حتى تضع حملها. قال: وهذا العموم مخصوص بالحوامل، فإن عدتهن بوضع الحمل. هذه الآية الآن فيها عموم، عموم في المتوفى عنها زوجها أنها تتربص أربعة أشهر وعشرة أيام، ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾، فكل امرأة مات عنها زوجها فإنها تتربص وتمتنع من النكاح أربعة أشهر وعشرًا. ثم قال الله جل وعلا في سورة الطلاق: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾، وهذه الآية عامة في الحامل بأن عدتها بوضع حملها، سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها، فلهذا عموم هذه الآية في المتوفى عنها زوجها في التربص أربعة أشهر وعشرة أيام يخص بآية أولي الأحمال، فإذا كانت المتوفى عنها زوجها حاملًا فإنها تتربص بوضع حملها. ويدل على ذلك ما جاء في الصحيحين في قصة المرأة التي مات زوجها فلبثت أيامًا فوضعت، فأذن لها النبي عليه الصلاة والسلام بالزواج، فدل هذا على أن الحامل تعتد بوضع حملها، فتكون عدة الحمل هي من أقوى العدة، فهي مقدمة على عدة الوفاة، وهكذا أيضًا عدة الحيض. فالمقصود أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملًا فإنها تعتد بوضع حملها، سواء كان وضع الحمل أكثر من أربعة أشهر أو كان أقل، قد تجلس تسعة أشهر لا تتزوج حتى تضع حملها، وربما تضع بعد موت زوجها بلحظات أو بساعات، فانقضت عدتها، انقضت عدتها، ويباح لها الزواج. قال: فإن عدتهن بوضع الحمل، وكذلك الأمة عدتها على النصف من عدة الحرة، شهران وخمسة أيام، لأن الله عز وجل جعل الأمة في كثير من الأحكام على النصف من الحرة، ومن ذلك في حد الزنا والقذف، كما أخبر الله جل وعلا في كتابه: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ﴾. قال: وقوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾، أي إن انقضت عدتهن، ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، أي من مراجعتهن للزينة والطيب بالمعروف، أي على الوجه غير محرم ولا مكروه. وفي هذا وجوب الإحداد مدة العدة على المتوفى عنها زوجها دون غيرها من المطلقات والمفارقات، وهو مجمع عليه بين العلماء، فالإحداد يجب على المتوفى عنها زوجها، كما ذكرنا معنى الإحداد: أن تترك الزينة، كل ما فيه زينة من لباس أو طيب أو اكتحال أو حناء أو لبس حلي أو غير ذلك مما فيه معنى الزينة، فإنها تمتنع منه. ووجوب الإحداد هذا خاص بالمتوفى عنها زوجها، أما غيرها من المطلقات في العدة كعدة طلاق أو عدة خلع فإنها لا يلزمها الإحداد، يعني امرأة طلقها زوجها طلاقًا بائنًا مثلًا، هل يجب عليها أن تمكث في البيت لا تخرج وأن تترك الزينة؟ الجواب: لا، لا يجب عليها ذلك، إنما هذا يجب في عدة الوفاة، هذا هو الصحيح. قال: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾، أي عالم بأعمالكم ظاهرها وباطنها، جليها وخفيها، فمجازيكم عليها، فالله عز وجل يعلم أحوال عباده ويعلم أفعالهم وتقلباتهم، وكأن في هذا تنبيهًا وتحذيرًا للمرأة ألا تتساهل في أمر الإحداد والتربص في هذه المدة، فالله عز وجل يعلم ما تفعل، ويعلم ما تخفي وما تظهر، فلا تترك ما يجب عليها فعله، ولا تفعل ما يجب عليها تركه. قالوا: في خطابه للأولياء بقوله: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ ﴾ دليل على أن الولي ينظر على المرأة ويمنعها مما لا يجوز فعله، ويجبرها على ما يجب، وأنه مخاطب بذلك واجب عليه، نعم، لأن الخطاب هنا للأولياء، ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ ﴾، الخطاب للولي، فكما أن الولي هو الذي يزوج المرأة ولا تتزوج إلا عن طريقه، فكذلك هو عليه أن يقوم بتنبيهها بما يجب عليها في حال عدتها وتربصها، فينظر ما الذي يجب عليها أن تمتنع منه فينبهها، فإن كانت جاهلة يعلمها ما الذي يجب عليها تركه، فإن تساهلت أجبرها على أن هذا واجب عليها، وهو وليها والمسؤول عنها، فيجبرها على ذلك، يجبرها على ترك ما يجب تركه، وعلى فعل ما يجب فعله، هذا مستنبط من قوله جل وعلا: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ ﴾. اللهم صل وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.