الدرس في أبواب السحر والكهانة من كتاب التوحيد 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن تعلم النجوم والتنجيم يعد من السحر لارتباطه بادعاء علم الغيب، مستدلاً بحديث ابن عباس وحديث أبي هريرة في النهي عن السحر والشرك. كما يحذر من متابعة الأبراج المنشورة في الصحف وتعليق التمائم لكونها من الشرك.
يبين المقطع أن السحر بالعقد والنفث يُعد شركاً أكبر لاستلزامه طاعة الشياطين، بينما النميمة تشبهه في تفريق الناس لكنها كبيرة من الكبائر وليست شركاً. ويشير إلى أن ضرر النمام قد يكون أسرع وأشد من ضرر الساحر في التفريق بين الناس.
ينهى المقطع عن نقل الكلام بلا روية محذراً من النميمة المفرقة، ثم يشرح حديث «إن من البيان لسحراً» مبيناً أن البلاغة محمودة في الحق ومذمومة في الباطل. ويستشهد بقول عمر بن عبد العزيز «هذا السحر الحلال» في البيان المستخدم للحق.
يخلص المقطع إلى أن السحر يتنوع حكمه بين التحريم المطلق والجواز حسب صوره وسياقاته، كما تم تفصيله في الجلسات السابقة. ويختتم المتحدث الجلسة العلمية عند هذا الحد معلناً انتهاء الدرس.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، وفي بابه: بيان شيء من أنواع السحر: قال: وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد». رواه أبو داود بسندٍ وإسناده صحيح، ودرجة الحديث: حديث صحيح، صححه العلامة الألباني في "صحيح الجامع". ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: «من اقتبس» أي: من تعلم. «من اقتبس» أي: من تعلم. وقوله: «شعبة» أي: طائفة وقطعة من النجوم؛ لأن بعض هؤلاء المشعوذين والسحرة يستخدمون علم النجوم في السحر، فعلم النجوم من السحر. ولذلك قال: «فقد اقتبس» أي: قد تعلم شعبة، أي: طائفة وقطعة من السحر من السحر. فهذا هو الشاهد، حيث دل على أن التنجيم نوع من أنواع السحر، نوع من أنواع السحر من جهة أن المنجم يستند لأمر خفي لا يصح اتخاذه، وكذلك الساحر. فهؤلاء لربما تعلموا علم النجوم ليستدلوا بها على علم الغيب، إما قبل وقوع الحادث أو بعد وقوع الحادث. فقبل وقوع الحادث بمعنى أنهم يستدلون بها على الغيب، أمر لم يقع بعد، أمر لم يقع بعد سيكون في المستقبل. ولذلك حذر أهل العلم من ما يكون في آخر بعض الصحف مما يسمى بالأبراج، يسألون مثلاً عن سن الشخص ثم ينزلونه على أبراج النجوم، ويقولون له: ستكون سعيداً، ستموت في سنة كذا وكذا، ونحو ذلك. فهذا مما حذر منه أهل العلم، وهو يدخل في علم النجوم؛ لأن الأبراج بمعنى النجوم. نعم، وأما قوله: «زاد ما زاد» يعني: كلما زاد الشخص من علم النجوم زاد من السحر. كلما زاد الشخص من علم النجوم زاد من السحر. هذا معنى قوله: «زاد ما زاد». ثم قال الإمام المجدد رحمه الله تعالى: وللنساء من حديث أبي هريرة: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئاً وكل إليه». أولاً: درجة الحديث: الحديث بهذه الألفاظ جميعاً لا يصح، فقد ضعفه العلامة الألباني في كتابه "غاية المرام". ولكن صح منه اللفظ الأخير: «ومن تعلق شيئاً وكل إليه»، فقد جاءت له شواهد من حديث عبد الله بن عكيم، ومن حديث غيره كذلك. وأما قوله: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك»، هذا اللفظ في صناعة علم الحديث لا يثبت، لكن معناه صحيح، ولذلك أورده الإمام المجدد في كتابه. فالشياطين يستخدمون العقد كما أخبر الله عز وجل عنهم في قوله: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، فهي وسيلة. النفث والعقد بالشعر أو بالحبال أو غيرها فهو وسيلة إلى الوقوع في السحر. وقوله: «ومن سحر فقد أشرك»، هذا قد تقدم معنا في كلام جمهور أهل العلم أن السحر كفر بالله عز وجل؛ لأن كما تقدم: الساحر لا يستمتع بما يأخذه من المسحورين أو ما يأخذه من الذين يأتون عنده إلا وقد أذعن للشيطان، أذعن للشيطان، فيأمره الشيطان بالشرك والكفر، يأمره الشيطان بالشرك والكفر بترك الصلاة، وكذلك كتابة القرآن بالنجاسات أو بدم الحيض أو بإهانة المصحف أو بالوقوع على المحارم أو نحو ذلك مما يأمره به الشيطان. فلا شك أن السحر من الشرك بالله سبحانه وتعالى. فالشاهد من هذا الحديث: أن عقد العقدة ثم النفث فيها هذا من السحر، وهذا النوع شرك أكبر؛ لأن فيه استغاثة بالشياطين، الشياطين. قال: وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا هل أنبئكم ما العضه؟» قال: «هي النميمة، القالة بين الناس». رواه مسلم. وقوله: «ما العضه» جاء في كتب اللغة كما قال ابن الأثير: بكسر العين وفتح الضاد، «ملعضة»، «ملعضة» بكسر العين وفتح الضاد. وجاء في كتب الحديث بما سمعت: «ملعضه»، وفسر النبي صلى الله عليه وسلم العضه أو العضة بالضاد، العضة، فسرها بالنميمة. والنميمة هي: نقل الكلام على جهة الإفساد، نقل الكلام على جهة الإفساد. فالنميمة لا شك أنها تفسد بين الناس. فهذا هو وجه الشاهد من ذكر هذا الحديث: أن النميمة تفرق بين الناس كما يفرق السحر، كما يفرق السحر. فمن أجل اجتماع هذه العلة بين النميمة وبين السحر عدى نوعاً من أنواع السحر، من أنواع السحر. لكن المراد هنا بالسحر هو ما يكون فيه من التفريق، ما يكون فيه من التفريق. فالنميمة ليست شركاً، وإنما هي كبيرة من كبائر الذنوب، وجاء فيها الوعيد الشديد، جاء فيها الوعيد الشديد: «لا يدخل الجنة قتات» أي: نمام. وجاء فيها كذلك غير ذلك من الأحاديث التي تحذر من النميمة. وقد ذكر أبو نعيم عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: «يفسد النمام في ساعة ما لا يفسد الساحر في شهر». يفسد النمام في ساعة ما لا يفسد الساحر في شهر. ربما جلسة واحدة تجلس مع فلان فتنقل له كلاماً، فيكون نقلك لهذا الكلام سبباً للطلاق، أو سبباً للفراق بين جار وجاره، أو بين أب وابنه، أو بين أخ وأخيه. فما يفسده النمام في ساعة لا يفسده الساحر في شهر. ربما لو أراد أحد عن طريق السحر أن يفرق بين المرء وزوجه، يبغى يتردد على الساحر أياماً أو شهوراً، ثم بعد ذلك يقع السحر والتفريق. وأما الننام، لربما في جلسة واحدة يفرق بين المرء وزوجه. فهو سحر من هذه الحيثية: أن النميمة تفرق بين الناس كما يفرق السحر. وقوله: «القال بين الناس» أي: كثرة القول ونقله بين الناس. وكفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع. فلا تكون ثرثاراً، لا تكون ثرثاراً، ولا تكون مذياعاً: أي كلام تنقله، وأي خبر تشيعه وتخبر به، فهذا مما يذن. فكن عاقلاً وأمسك لسانك، فهي حصانك. قال: ولهما. ولهما عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من البيان لسحراً، إن من البيان لسحراً». البيان المراد به: البلاغة والفصاحة، البلاغة والفصاحة. فالشخص إذا كان بليغاً فصيحاً، كلامه حلو ومؤثر، فلربما يقلب الحق باطلاً ويقلب الباطل حقاً. نعم، فالبلاغة لربما تسحر سامعها، تسحر سامعها. وقد قال ابن عبد البر: قالت تأولته طائفة على الذم لأن السحر مذموم. يعني: هذا الحديث هل هو من باب الذم أو من باب المدح؟ «إن من البيان لسحراً». فصل العلماء في ذلك، فقال ابن عبد البر: تأولته طائفة على الذم لأن السحر مذموم، وأطلق النبس عليه بأنه سحراً. وذهب أكثر أهل العلم وجماعة أهل الأدب إلى أنه على المدح؛ لأن الله تعالى مدح البيان، الله عز وجل مدح البيان، وأن الشخص يكون مبيناً للناس، والقرآن نزل بكلام عربي مبين. قال: وقد قال عمر بن عبد العزيز لرجل سأله عن حاجة فأحسن المسألة، فأعجبه قوله، فقال: «هذا والله السحر الحلال». بمعنى: البيان والفصاحة هو من السحر الحلال. والمسألة فيها تفصيل كما قال العلامة ابن باز رحمه الله تعالى: البيان إذا كان في الحق والدعوة إلى الكتاب والسنة فهذا ممدوح، لا شك مطلوب من الخطيب، مطلوب من الداعي، الله عز وجل أن يكون فصيحاً، أن يكون كذلك مبيناً للناس بكلام مؤثر حتى يتأثر الناس بوعظه وتذكيره ونصحه. فإذا كان البيان في الحق والدعوة إلى الكتاب والسنة فهذا ممدوح، لا شك. قال: أما إذا أريد به الخداع واللبس فهذا ذم وعيب، لا شك. والحديث يحتمل الإثنين: قد يكون البيان محموداً، وقد يكون مذموماً. يكون محموداً إذا كان في الحق والدعوة إلى الله عز وجل، ويكون مذموماً إذا كان في الباطل، في الخداع، في التلبيس واللبس ونحو ذلك. فهذا هو التفصيل في ذلك. إنما سمي السحر، سمي البيان سحراً؛ لأنه لربما يكون فيه أمر خفي، فيتأثر السامع بهذا البيان، يتأثر السامع بهذا البيان. فالبيان من السحر لتأثيره على السامع، لتأثيره على السامع. وكما سمعتم في كلام عمر بن عبد العزيز: أن البيان هو السحر الحلال، السحر الحلال إذا كان في بيان الحق والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. فورود السحر في أنواع، أو ورود البيان في أنواع السحر، ليس معناه أنه محرم مطلقاً، وإنما قد يكون محرماً، وقد يكون محموداً يثاب عليه صاحبه، كما تقدم تفصيله. طيب، نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا والله تعالى.