تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 85

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 85

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 85، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية الولاية وربطها بلا إكراه في الدين

يشرح العلامة السعدي أن آية ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هي ثمرة لآية ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، فمن تمسك بالتوحيد واستمسك بالعروة الوثقى أخرجه الله من ظلمات الشرك والبدعة إلى نور التوحيد والسنة. وبذلك ينتقل المؤمن من ظلمة الدنيا إلى نور الآخرة ونعيمها.

ولاية الله للمؤمنين وولاية الطاغوت للكافرين

يبيّن المقطع أن الله يتولى المؤمنين بولاية خاصة فيخرجهم من ظلمات الجهل والمعصية إلى نور العلم والإيمان ويسّر لهم طريق الطاعة والجنة. في المقابل، من تولوا غير الله وكلهم الله إلى الطاغوت والشيطان فيقودهم إلى العسرى والنار.

مفهوم الطاغوت ومصير المتبعين له مقابل المؤمنين

يشرح المقطع أن الطاغوت يشمل الشيطان وكل معبود أو متبوع تجاوز حده، وأن الكافرين الذين تولوا غير الله وكلهم الله إلى الأصنام والأنداد التي لا تضر ولا تنفع فأضلوهم وأدخلوهم النار خالدين فيها. أما المؤمنون الموحدون فيخرجهم الله من ظلمات الشرك والبدعة إلى نور التوحيد والسنة فلا يستوي أهل الظلمات وأهل النور.

النعيم في الدنيا والآخرة للمؤمنين

يتمتع المؤمنون بالنعيم في الدنيا والآخرة؛ ففي الدنيا يجدون راحة البال وطمأنينة النفس، وفي الآخرة ينعمون بالنعيم المحسوس الدائم. وهذا ما ورد في النص والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾. قال: هذه الآية مترتبة على الآية التي قبلها، فالسابقة هي الأساس وهذه هي الثمرة. إن الآية التي قبلها ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى. فأساس هذا النور هو التمسك بالعروة الوثقى، ولهذا كما قلنا فسرها بعض العلماء بتوحيد الله جل وعلا. فإذا تمسك العبد بتوحيد الله جاءته الثمرة، والثمرة هي أن يخرج الله عز وجل يخرجه من الظلمات إلى النور: من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، ومن ظلمات البدعة إلى نور السنة، ومن ظلمات المعاصي إلى نور الطاعات، وكذلك أيضًا من ظلمة الدنيا ولوائها وأحزانها ومصائبها إلى نور الآخرة ونعيمها. فلذلك قال المؤلف: فالآية السابقة هي الأساس وهذه هي الثمرة. قال: فأخبر تعالى إن الذين آمنوا بالله وصدقوا إيمانهم بالقيام بواجبات الإيمان وترك كل ما ينافيه، أنه وليهم، يتولاهم بولايته الخاصة، ويتولى تربيتهم فيخرجهم من ظلمات الجهل والكفر والمعاصي والغفلة والإعراض إلى نور العلم واليقين والإيمان والطاعة والإقبال الكامل على ربهم. وهنا لأنه خصهم بالولاية، وإلا فكل مؤمن ولي لله، لكن حول ولايتهم من الله عز وجل أخص، فهم أولياؤه وكذلك من المقربين إليه، فهذا يعتني بهم سبحانه وتعالى في الدنيا وكذلك في الآخرة. قالوا: ينور قلوبهم بما يقذف فيها من نور الوحي والإيمان، ويسرهم لليسرى ويجنبهم العسرى، فيسر لهم طريق الجنة تكون لهم سهلة، وتكون لهم الطاعات كالألفة، كالشيء الذي يعتادونه فتكون سهلة عليهم، بخلاف من يعسر عليه هذه الطريق، ويجنبهم العسرى أي طريق العسرى، طريق النار، يجنبهم هذه الطريق. وقال عما الذين كفروا: فإنهم لما تولوا غير وليهم، ولاهم الله ما تولوا لأنفسهم. ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ﴾. فهنا الطاغوت كلمة عامة، ممكن يكون الشيطان كما جاء في آية النساء: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ﴾، وقال: ﴿ إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾، فالشيطان يتولى هؤلاء. ولكن كلمة الطاغوت هنا أول داخل فيها الشيطان، ويدخل فيها أيضًا كل ما تجاوز العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع. فإن كان هذا المعبود ليس براضٍ عن عبادتهم فهو طاغوت، وكذلك المتبوع، وكذلك المطاع. فإن كان راضيًا بهذه العبادة وهذه الطاعة فهو يعتبر طاغوتهم، فلذلك يكون أولهم في النار. قال رحمه الله: وأما الذين كفروا فإنهم لما تولوا غير وليهم، ولاهم الله ما تولوا لأنفسهم، وخذلهم ووكلهم إلى رعاية من تولاهم، من ليس عنده نفع ولا ضر، فأضلوهم وأشقوهم، وحرموهم هداية العلم النافع والعمل الصالح، وحرموهم السعادة، وصارت النار مثواهم خالدين فيها مخلدين. قال: اللهم تولنا فيمن توليت، آمين. فهذا ما ذكره المؤلف في تفسير هذه الآية، وخلاصته: أن من آمن بالله ورجع إلى الله ووحد الله سبحانه وتعالى، فإن الله يجزيه بأن يخرجه من الظلمات إلى النور، ويخرجه من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، ويخرجه من ظلمات البدعة والمعصية إلى نور السنة والطاعة. وهكذا كما قال الله عز وجل: ﴿ أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ﴾، فلا فرق، بل هناك فرق عظيم بين أهل الظلمات وأهل النور، لا تساوي بينهما. بل أولئك في النعيم في الدنيا والآخرة: في الدنيا راحة البال وطمأنينة النفس، وفي الآخرة بالنعيم المحسوس. وهذا ما ذكر، والله تعالى أعلم.