تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 91

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 91

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 91، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شروط صحة الصدقة وأثر الإخلاص فيها

توضح أن النفقة في سبيل الله لا تُقبل إلا إذا توفرت شروطها وانتفت موانعها، وأهمها الإخلاص لله وحده. كما تشترط أن يكون المال المتصدق به طيباً نافعاً غير محرّم ولا حشف.

النهي عن اتباع الصدقة بالمن والأذى

تحذر الآيات والأحاديث من تتبع النفقة بالمن أو الأذى قولاً أو فعلاً، لأن ذلك يبطل أجر الصدقة. الصدقة الصحيحة تكون خالصة لوجه الله دون منّ أو أذى.

أجر الصدقة الخالصة وأمن المتقين

الصدقة الصادقة لوجه الله دون طلب جزاء تكسب صاحبها أجراً عظيماً وتضمن له الأمن من الخوف والحزن في الدنيا والآخرة. وهذا ما دلّت عليه الآية الكريمة والحديث النبوي.

أثر تقوى الله في الأمن يوم القيامة

من خاف الله في الدنيا نال الأمن من الحزن على الماضي والخوف من المستقبل يوم القيامة. فيحصل له المحبوب ويدفع عنه المكروه بفضل تقواه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله: عند قول الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. قال رحمه الله: ثم أيضًا ذكر ثوابًا آخر للمنفقين أموالهم في سبيله، نفقة صادرة مستوفية بشروطها، منتفية موانعها. أن هناك صدقة، وكل العبادات لها شروط ولها موانع، فإذا استوفت الشروط وانتفت الموانع كانت العبادة صحيحة. ومن ذلك النفقة والصدقة، فلا بد أن تستوفي الشروط، ومن ذلك ومن أهم الشروط الإخلاص لله، وهذا في قبولها، أن يخلص لله جل وعلا، فإن أعطاها رياء فإنه لا يتحصل على أجرها بل يأثم على ذلك. ولعل أكثر ما يبين هذا حديث أبي هريرة في أول من تسعر بهم النار ثلاثة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أول من تسعر بهم النار ثلاثة»، ومنهم المتصدق. فهذا المتصدق الذي يعطي ليس لأجل الله، وإنما لأجل أن يقال: إنه جواد، وأنه سخي، وأنه كريم، فهذا أول من يعذب في النار؛ لأنه أعطى صدقة غير مستوفية الشروط، أن الإخلاص ناقص. كذلك أن تكون هذه الصدقة صدقة صحيحة ينتفع بها المتصدق عليه، أن يكون ينتفع بها. أما الإجساء الذي يتصدق بشيء لا ينتفع به الناس، ولا ينتفع به من يتصدق عليه، فهذا خطأ. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى بعض العذاق المعلقة في المسجد وفيها تمر حشف، والحشف: الذي ذهبت تمرته، بمعنى ما انتفع منه، ولا ينتفع به لأنه يكون قشرًا، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال: «إن هؤلاء يأكلونه حشفًا يوم القيامة». أي هذا الذي يتصدق بمثل هذا فإنه يأكله يوم القيامة حشفًا، ولو شاء لتصدق بأفضل منه، وعنده أفضل منه، لماذا يتصدق بمثل هذا حشفًا؟ شيء لا ينتفع به الناس، لا يؤكل. فلهذا تكون صدقة صحيحة أن ما يعطي المتصدق عليه شيئًا لا ينتفع به ولا يأكله، إن كان من الطعام، فيتصدق مثلًا بطعام أو بشيء لا يأكله الناس، أو بشيء محرم أصله، فهذا أيضًا ليس من الصدقة الصحيحة. وغيرها من الشروط التي لا بد أن تتوفر في الصدقة. وأيضًا انتفاء الموانع، والموانع كما هنا ذكر الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾. وفي الآية الأولى والثانية: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي مخلصًا لله، وكذلك في ﴿مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ جل وعلا، كما قلنا على القول بالعموم. قال: ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، فهي من الموانع أنهم لا يتبعون نفقتهم منًّا، يمنون على من يتصدقون عليه. فقال رحمه الله: فلا يتبعون المنفق عليه منًّا منهم عليه وتعدادًا للنعم، وأذية له قولية أو فعلية. أن لا يكون في صدقتهم من يمنون على من يتصدقون عليه، فيقولون: قد أعطيناك كذا، قد أعطيناك كذا، فيمنون عليه ويؤذونه بالقول والفعل، أو لأنه أعطاه فيتكبر عليه، فهذا أذية بالفعل، أو بالقول فيقول: اذهب أنت يا مسكين، يا فقير، يا كذا. فمن هذه الأقوال التي فيها إزراء، وفيها أيضًا تكبر. فإذا كانت الصدقة هذه بهذه المثابة فهي ليست صحيحة، لكن لا بد أن الصدقة ينتفى منها هذا الأمر. قال: فلا يتبعون المنفق عليه منًّا منهم عليه وتعدادًا للنعم، وأذية له قولية أو فعلية. فهؤلاء الذين لا يفعلون هذا لهم أجرهم عند ربهم، أي بحسب ما يعلمه منهم، وبحسب نفقاتهم ونفعها، وبفضله الذي لا تنال ولا تصل إلى صدقاتهم. وهذا الأجر كما ذكر شيخنا مترتب على أمور، فقد يكون مضاعفًا وعظيمًا حسب النية، وحسب المكان، وحسب الصدقة التي تعطى في ذلك الزمان، ففي زمن الجوع وزمن الفقر الصدقة تكون أعظم. ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، أي: دفع عنهم مضرة الماضي بنفي الحزن، والمستقبل بنفي الخوف. ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي بما يستقبل، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي مما قد مضى. أي ما جاء أي من ما قد مضى من الأعمال التي عاملوها. قال: مستقبل بنفي الخوف عليهم، فقد حصل لهم المحبوب، واندفع عنهم المكروه. أن لا يخافون بما يستقبل، وهو ما يكون في الآخرة، لأن أجرهم عند ربهم. قد جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يجمع الله على عبد خوفين ولا أمنين، إن أمنني في الدنيا خوفته في الآخرة، ومن خافني في الدنيا أمنته في الآخرة». والذي يعمل الصالحات، يتصدق لله عز وجل، ولا يمن على الناس، بل يجعل صدقته لوجه الله، بل كما قال الله عز وجل عن بعض المتصدقين: ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. فهم يعطون صدقتهم لله، ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾. فهم لا يريدون الجزاء بالشكر ولا بغيره من المتصدق، وإنما يريدون وجه الله. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ لأنهم خافوا الله في الدنيا فأمنهم الله عز وجل يوم القيامة. فدفع عنهم مكروه الماضي بنفي الحزن، والمستقبل بنفي الخوف عليهم، فقد حصل لهم المحبوب، واندفع عنهم المكروه. فهذا خلاصة ما يذكر في هذه الآية، والله تعالى أعلم.